البحوث في الحديث
144 paragraphs · vol. 1, p. 330
Page 1 of 4
- vol. 1, p. 330
[القسم الأول: من هذه البحوث وهي خمسة]
-
[١ - درس في موطأ الإمام مالك - رضي الله عنه -.]
-
الحديث الأول من باب جامع القضاء وكراهيته: ثني مالك عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي: أن هَلمّ إلى الأرض المقدّسة. فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الإنسان عملُه. وقد بلغني أنك جُعلت طبيباً تداوي. فإن كنت تُبرىء فنعمّا لك، وإن كنت متطبّباً فاحذر أن تقتل إنساناً فتدخل النار. فكان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين ثم أدبرا عنه، نظر إليهما.
vol. 1, p. 331وقال: ارجعا إليّ. أعيدَا عليّ قصّتكما. متطبب، والله (١) .
-
تعرض الشيخ ابن عاشور أولاً إلى بيان موضع هذا الحديث من كتاب القضاء في الموطأ؛ وإلى التنبيه على وجوب حماية الحقوق إذا ترتَّبت على اقتضاء المصلحة العمرانية آثارٌ قد تكون ضارة بالناس. فيكون على التشريع أن يحميهم من ذلك بوجه تسلم به المصلحة من الإضرار. ثم إلى تقرير قواعد العدل لإصلاح الدهماء وإقناع الحكماء والعلماء، والتذكير بدعائم ذلك من الحرية والإخاء؛ والتأكيد على أن في القضاء مجاهدة، وأنه يبلغ بصاحبه مرتبة الفضيلة إذا التزم الحق في قضائه، والحديث عن شروط القضاء؛ مع تحريرات ونقول مهمّة.
-
وبعد تفصيل القول في جملة هذه العناصر ترجم المؤلف لأبي الدرداء، وذكر مؤاخاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين سلمان، وقول معاذ: اطلبوا العلم عند أربعة رهط: عند عويمر أبي الدرداء، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وتخلّص إلى أن الحوار الذي دار بين هذين الصحابيين يرقى به، بفضل تلك الشهادة، إلى مرتبة الحديث النبوي، إذ هو دائر بين الحكمة والعلم المشهود بهما لهما.
-
ثم مضى في شرح حديث الباب هذا، يَذكر نقولاً ثابتة، ومقارنات مفيدة، مُورداً نظائره ومتمّماته لاستجلاء معناه وتحقيق المراد منه (٢) .
-
٢ - ومن البحوث: من يجدّدُ لهذه الأمة أمر دينها (٣) :
كان عمله فيها انطلاقاً من حديث سليمان بن داود المهري:
vol. 1, p. 332أخبرنا ابن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد المعافري، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة - فيما أعلم - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدِّد لها أمر دينها" . قال أبو داود: رواه عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني لم يُجِز به شراحيل (١) .
-
وافتتح الباحث حديثه بوصف الإسلام بكونه خاتم الأديان، وأن شريعته عامة باقية. ونعتَ الشريعةَ بكونها إرشاداً صرفاً، وأن للفضائل والصالحات تضاؤلاً وتخلفاً بكرور الأزمان، وأن لدأب النفوس في المسير حنفاً وانحرافاً إذا امتد الميدان. فاحتاج الأمر بموجب ذلك إلى تجديد أمر الدين. وهو ما اقتضاه قول الحق سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (٢) . والحفظ لا يتحقق إلا بثلاثة مقامات: هي الرجوع إلى أصل التشريع عند الإشكال، وتجديد ما رثّ من أصول الدعوة، ومقام الذبّ عن الدين وحمايته، ولا يضطلع بالمقامين الأولين غير أهل العلم.
-
ثم تولى الإمام الأكبر بيان طرق الحديث ورواته. ثم بيَّن معناه بتفصيل القول في المراد بـ "التجديد" وبـ "أمر الدين" في هذا الحديث، قبل أن يتحدث عن دعائم الإسلام: العقيدة والشريعة، وحماية البيضة، مؤكداً أن التجديد الديني يكون بإصلاح الناس في الدنيا من جهتي التفكير والعمل، ومن جهة تأييد سلطان الدين. وبعد الوقوف عند معنى التجديد، وعند المقصود من مضي المائة سنة، باعتباره مظنّة لتطرق الرثاثة والاحتياج إلى التجديد، جعل شطر بحثه
vol. 1, p. 333الثاني عن المجدّد وزمن ظهوره وتعيينه، وبيان صفاته وصنفه وعدده مستعرضاً آراء العلماء في ذلك من أمثال ابن السبكي والمجد ابن الأثير، ومتعمّقاً جوانب هذا الموضوع الشريف دراسة وتمثيلاً (١) . ويقع هذا البحث في عشرة مقالات (٢) .
- ٣ - تحقيق مسمى الحديث القدسي (٣) :
-
وضع مترجمنا هذا البحث إثر صدور كتاب الأحاديث القدسية عن لجنة القرآن والحديث بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة. وقد دلَّ هذا على تتبعه لأكثر ما يصدر من كتب العلم.
-
فكتاب الأحاديث القدسية مستمدة أحاديثه من الموطأ والصحيحين ومن كتب السنن الأربعة. وفي الثناء على اللجنة التي أصدرته يقول الشيخ رحمه الله: "فحمدت عناية أعضاء اللجنة واهتمامهم بهذا العمل، إذ قلّ من اهتمّ بإخراج الحديث القدسي في كتاب مفرد" .
-
وبعد هذا التقديم لكتاب الأحاديث القدسية تناول الإمام الأكبر أربعة محاور لبحثه:
المحور الأول - في التنبيه على ما ورد من ذكر للحديث القدسي:
أولاً: في شرح الحديث الرابع والعشرين من شرح الأربعين النووية لابن حجر الهيتمي. قال: والأحاديث القدسية أكثر من مائة جمعها بعضُهُم في جزء كبير.
- vol. 1, p. 334
ثانياً: في شرح الأربعين النووية لعلي قاري. قال فيه: الأحاديث القدسية أكثر من مائة. ونبّه الإمام إلى أن هذا الجزء لم تسبق له معرفته ولا معرفة من جمعه.
- المحور الثاني - فيمن تولّى جمع الأحاديث القدسية:
-
- محمد عبد الرؤوف المناوي بوضعه لكتاب الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية. ترجم له حاجي خليفة في كشف الظنون، وذكرته اللجنة ضمن مصادرها.
-
- علي قاري صاحب الأحاديث القدسية والكمالات الأنسية. اشتمل على أربعين حديثاً قدسياً. قال الشيخ - طبع ١٣١٦: ولم أقف عليه.
-
- محيي الدين بن عربي. جمع أربعين حديثاً قدسياً. قاله حاجي خليفة.
-
وعند مقابلة هذه المجاميع الثلاثة بالأحاديث القدسية نجد أولاً: الاتفاق كبيراً في عددها. فهي تبلغ في الأكثر المائة أو تزيد عليها بقليل، كما يفيده كلام المناوي وعلي القاري. وهي في كتاب الأحاديث القدسية الصادر عن المجلس الأعلى تبلغ أربعمائة حديث، باعتبار المكرر باختلاف الروايات واختلاف الأسانيد، وعلى نحو مائة وثمانية وستين بطرح المكرر منها.
-
وثالثاً: أن ما يحق أن يسمى حديثاً قدسياً من المنصوص عليه في كتاب الأحاديث القدسية للجنة القرآن والحديث لا يتجاوز في الواقع أربعة وخمسين حديثاً. وقد أتبع الباحث ذكر ذلك بإثبات أرقام ما يصحّ منها مع التنبيه على أنه لم يتوصل إلى هذه الحقيقة إلا بعد إلغاء إثبات أكثر ما ورد في الكتاب من روايات.
- vol. 1, p. 335
ولعل الطريق الصحيح إلى معرفة ذلك هو تصوّر معنى الحديث القدسي تصوراً دقيقاً كاملاً. وهذا ما حمل الشيخ على تعريف الحديث القدسي أو الرباني أو الإلهي. فوضع بين أيدينا تعاريف كثيرة منها تعريف الجرجاني، وتعريف الجويني الذي نقله السيوطي في إتقانه، وتعريف الهيتمي، وتعريف علي القاري، وما ورد من ذلك في شرح جمع الجوامع للمحلي، وما ذكره الطيبي في نفس الغرض. وقد استخلص الباحث من مجموع هذه التعاريف حداً جامعاً مانعاً للحديث القدسي جاء فيه: "هو كلام من الله تعالى صادر منه في الدنيا، غير مخاطب به معيّن، موحى به إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بألفاظ معيّنة غير مقصود بها الإعجاز، ولا التعبّد بتلاوتها، ليبلّغها إلى الناس، مع تفويض التصرّف في ألفاظها بما يؤدّي المقصود" .
-
وبناء على هذا الحد ذكر الإمام أمثلة لما لا يصح أن يعتبر حديثاً قدسياً. مثل:
حديث أبي هريرة: "ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" (١) .
قال ابن عاشور: يشبه أن يكون هذا الحديث قدسياً وليس بالقدسي، لأنه قول إلهي يتعلق بأحوال قوم مخصوصين.
-
ومثل حديث: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار.
- vol. 1, p. 336
ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر. ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون " (١) .
-
عقّب عليه الشيخ ابن عاشور بقوله: الحديث ليس بقدسي لأنه حكاية قول من الله للملائكة وليس قولاً يراد تبليغه، وإنما المراد تبليغ القصة كلها مع ما اشتملت عليه.
-
ومثل ذلك أيضاً: "إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً. فيرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا، وأن تُناصحوا مَن ولاه الله أمركم. ويكره لكم: قيل وقال، وكثرةَ السؤال، وإضاعةَ المال " (٢) .
قال: ليس بحديث قدسي لأنه نسبة فعل إلى الله لا نسبة قول.
-
ومنه أيضاً حديث: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" (٣) .
-
وكتب الشيخ الإمام بحوثاً أخرى اقترحها عليه بعض الهيئات أو الأفراد. منها:
vol. 1, p. 337[٤ - نشأة علم الحديث والتعريف بموطأ الإمام مالك]
-
اقترحته عليه جمعية النهضة الإسلامية بالرباط في ١٩ ربيع الأول ١٣٩٠، ووافاها به ١٣ جمادى الأولى ١٣٩٠.
-
وهو بحث جليل، غني بما تناوله من مسائل، رغم وجازته.
-
افتتحه بذكر بدايات التعامل مع علم الحديث والحاجة إليه. وإذا تتبعنا الأطوار التي مرّ بها الاشتغال بعلم السنة حتى وضع الإمام مالك الموطأ وجدناها متعددة، تسير مع تطورات العصور ومقتضياتها، ويتزايد إقبال الدارسين عليها واهتمامهم بها في كل طور من أطوارها.
-
أ - فالصحابة في أول الأمر كانوا في عظيم الحاجة إلى السنة، لما حدث لهم من نوازل يدعوهم الأمر فيها إلى الفتوى والقضاء بين الناس. فعندما أثيرت قضية ميراث الجدة، وجزية المجوسي، وتحقيق معنى الربا، اشرأبت الأعناق إلى من يحفظ من الصحابة في ذلك شيئاً. فكان تقدم هؤلاء واستشارتُهم لما لهم من رواية في ذلك عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وكان الخلفاء الراشدون والصحابة من حولهم، وأكثر الصحابة لا يكتبون، يعتمدون الحفظ والرواية. فكان ذلك مرجعَهم.
-
ب - المرحلة الثانية استند فيها أبو بكر - رضي الله عنه - إلى إذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالكتابة في الصدقات، فسأل أنس بن مالك الذي كان عاملاً على الزكاة عن ذلك. وكتابةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمرو بن حزم في الصدقة.
-
ج - الموقف الثالث: موقف عمر بن الخطاب الذي استشار الصحابة في كتابة السنن، ثم عدل عن ذلك.
-
د - ذهاب الحفاظ لولا بقية من الصحابة كانت المرجعَ في
vol. 1, p. 338السنة (العلم) . فعبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير كانا يكتبان الحديث لعبد الله بن عمر ويستشيرانه. وهذا الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز أراد تدارك الأمر فكتب أواخر القرن الأول إلى أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم أحد فقهاء المدينة: "أن اكتب إليّ ما كان من سنة أو حديث" .
-
هـ - تلقُّفُ العلم من التابعين في مسائل كادت تُوقِع الناس في الفتنة بسبب اختلاف المذاهب والنحل والأحزاب، كمسألة الخلافة. فكانوا يحتجّون بما يصنع لهم من أحاديث موضوعة لمذاهبهم، وابتغاءَ دعم سياساتهم. فكثر بذلك الكذب عمداً أو جهلاً، تقليداً أو تحريفاً. واحتاج أهل الحديث إلى الذب عن السنة، وإخراج ما صح منها عن النبي بإخضاعه إلى نقد الرواة، وضبط أحوالهم، وعرض مروياتهم على أصول الشريعة ومشهور السنة. وهكذا تمّ نقد الأسانيد والمتون على وجه يحصل به الاطمئنان إلى ما يرويه العلماء والمحقّقون من السنة الشريفة: المصدر الثاني للتشريع.
-
وعقب هذا تعرَّض الباحثُ إلى انتشار السنة في الآفاق، وإلى عناية الأئمة بنقدها والتأليف فيها. فذكر أول المصنفات والكتب في ذلك، وهو الموطأ للإمام مالك بالمدينة، وكتاب عبد الملك بن جريج بمكة، وكتب الأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بالبصرة، وهُشيم بواسط، ومعمر بن راشد باليمن، وعبد الله بن المبارك بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالري. وجميع مصنفات هؤلاء الأئمة يعود إلى عصر واحد.
-
وأتبع الباحث هذا بما لاحظه مؤرخو المادة من اختلاف في الآثار المدوّنة قوّة وضعفاً، منتهياً إلى تقديم طريقة أهل المدينة في
vol. 1, p. 339الجمع والاختيار على غيرها. وتأكيداً لرأيه خصّص قسماً من هذا البحث بما يعرّف بشروط الصحة التي هي القاعدة الأساسية المنطلق منها إلى عملية نقد الحديث.
- فشروط الصحة ثلاثة:
-
أولها: تحقّق أمانة الراوي فيما رواه. ويشمل هذا العدالة والسلامة من الابتداع.