البحوث في الحديث
144 paragraphs · vol. 1, p. 330
Page 2 of 4
- vol. 1, p. 339
ثانيها: تحقّق عدم الالتباس والاشتباه. وهو نتيجة قوّة التمييز التي تحول بين الراوي وبين التدليس والغفلة. وهذان الشرطان يكفلان الاطمئنان إلى صحة الإسناد.
-
ثالثها: تحقّق مطابقة ما يرويه الراوي للثابت من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. وعنه تتولّد شروط الترجيح عند التعارض. وهذا الشرط يرتبط بنقد المتن والتأكد من صحة معنى الحديث.
وقال آخرون: إن من الأسباب الموجبة للطعن في الحديث وردّه ما ذكروه من الكذب، والنسيان، والخطأ، والترويج، والتفاخر. وقد فصّل القول في كل شرط من الشروط، وكل سبب من هذه الأسباب مترجمنا، مبيناً طريقة إمام دار الهجرة في نقدها، ومشيراً إلى طريقته في دفع كل سبب من الأسباب الخمسة المتقدمة.
-
وبهذا ينتهي الجزء الأول من بحثه المقصود منه بيان مقام السنة إلى ظهور الإمام مالك، وما أخذ به من الأحكام والقواعد ليسلم لمدوّني ما يروونه من الأحاديث والأخبار.
-
وفي بداية القسم الثاني من البحث تحدّث عن غرض الإمام مالك من تأليف الموطأ، وعدّ ما اشتمل عليه من مواد: وهي جمع ما صحّ عنده من الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن أقوال الصحابة
vol. 1, p. 340والتابعين، وما عليه عمل أهل المدينة، مُودِعاً في مروياته جملة من الأحكام الشرعية، مفسّراً للغريب، مورداً من الآثار ما يسلم عنده في معيار النقد.
-
ويظهر ممّا نقله الشيخ أن لأبي جعفر المنصور يداً في إنجاز هذا العمل الهام، بدعوة الإمام مالك إلى ضمِّ هذا العلم وتدوين كتبه وتجنب إيراد شدائد عبد الله بن عمر، ورُخَص ابن عباس، وشواذ ابن مسعود فيه. ونصحه بأن يقصد أوسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة.
-
وما زال الإمام مالك، بعد جمعه سبعة آلاف أو أربعة آلاف من الأحاديث في موطئه، يتعهَّده مرّة بعد مرّة إلى أن جعله نحواً من سبعمائة حديث. كل ذلك حرصاً منه على الصحة، وبعداً عن المشتبه فيه من مرويات المتقدّمين. ولهذا الغرض اعتبر الموطأ أصحَّ الكتب بعد القرآن. وقد ذكره أهل العلم منوّهين به كإِلْكِيا الهرَّاسي، وسليمان بن بلال، وابن مهدي، وأبي بكر ابن العربي. ومن وصف هذا الأخير له قوله في مقدمتِه لـ عارضة الأحوذي: اعلموا، أنار الله أفئدتكم، أن كتاب الجعفي هو الأصل الثاني في هذا الباب، والموطأ هو الأول واللباب، وعليهما بناء الجميع كالقشيري والترمذي (١) .
-
والإمام مالك مختلف في منهجه عن الإمامين في صحيحيهما بقبوله الحديث المرسل والمقطوع. فهو يراه صحيحاً وحجة. وإلى هذا ذهب الإمام أبو حنيفة، وعلى طريقته جرى الترمذي. ورأي مالك عند الإمام الأكبر هو الأرجح، لأن العبرة بتحقّق أو ظنّ صحة النسبة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
- vol. 1, p. 341
وفي نهاية البحث ذكر الإمام الأكبر بعض الموطآت المروية عن الإمام مالك. وعدّ منها موطأ سُويد بن سعيد، وقطعة من موطأ القعنبي، وقطعة من رواية علي بن زياد، وقطعة من رواية صاحب الإمام عبد الرحمن بن القاسم، وقطعة من رواية الزهري. وختم هذه الدراسة ببحث لغوي يفسر به وجه تسمية هذا الصحيح بالموطأ (١) .
-
٥ - حديث: "شفاعتي لأهل الكبائِر من أُمتي" :
اقترحه الأستاذ حسين إبراهيم بن موسى. نشر ذلك على صفحات مجلة هدي الإسلام، راغباً من الإمام الأكبر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور أن يتناول بالدرس والتحقيق حديث: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (٢) . فاستجاب لذلك مترجمنا، لما لهذا الموضوع من تعلق بالسيرة وبأصول الدين. وقد اخترنا أن يكون هذا الموضوع من جملة البحوث التي أوردناها في هذا المقام.
- تناول هذا البحث جوانب ثلاثة:
-
أولاً: تعريف الشفاعة لغة، وذكر الشواهد على ذلك من القرآن والسنة وكلام العرب وأشعارها. والحديث عن قصة شفاعة أبي حامد الإسفراييني في تولية الخليفة القادر بالله محمود الغزنوي ولاية خراسان.
- vol. 1, p. 342
ثم بيان المراد بالشفاعة الثابتة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وذكر نظائر هذا الحديث ممّا أوردته في العديد من الأبواب كتبُ السنة مثل صحيح البخاري وصحيح مسلم. وذكر السيوطي في الجامع الصغير: أن الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم عن أنس، ورواه الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس، والحاكم عن جابر، ورواه الطبراني عن ابن عباس، والخطيب عن ابن عمر (١) .
-
ثانياً: بيان حكم هذه الشفاعة. وهو الثبوت على الجملة بأدلة القرآن، وبما ورد في الصحيح.
-
والشفاعة خمسة أقسام كما ذكر ذلك علي القاري في مرقاة المفاتيح:
١ - الشفاعة العظمى في إراحة الأمم من هول الموقف.
-
٢ - الشفاعة لإدخال قوم من المؤمنين الجنة بغير حساب.
-
٣ - الشفاعة فيمن استوجب النار ولم يدخلها وهم العتقاء.
-
٤ - الشفاعة لإخراج المؤمنين من النار.
-
٥ - الشفاعة لرفع الدرجات في الجنة عند الله.
-
والأقسام الأربعة الأولى: منها ما هو من اختصاص الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو الشفاعة العظمى، ومنها - وهو الثاني والثالث - ما ثبت بصحيح الأخبار التي لا معارضَ لها من مثلها، ومنها - الرابع - الذي وردت بعض صحاح الأخبار بأن الأنبياء والملائكة يشفعون هذه الشفاعة. جزم به عياض. والقسم الخامس والأخير ليس من الشفاعة على
vol. 1, p. 343الحقيقة، وإنما هو مجاز وتسامح لأنه وساطة ووسيلة لزيادة النفع، وهو كسابقه ليس من خصائص الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
-
ثالثاً: تعرّض الباحث إثر هذا إلى إثبات الشفاعة على الإطلاق وفي كل أفراد الأمة. وذكر موقف عياض من ذلك، وإلى تخصيصها بأهل الكبائر. ثم خلص إلى تحديد رأيه بقوله: إثبات شفاعة النبيين وصالحي المؤمنين والملائكة شفاعة مجازية، لأنها إما دعاء، وإما شهادة وتعريض بالتشفّع، وإما تلقّي الإذن بذلك من الله تعالى. وعلى هذا يكون حمل حديث الموطأ والصحيحين، المصرِّحِ بـ "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطي الشفاعة، ولم يُعطها أحد قبله" على ظاهره.
-
ثم أشار إلى آراء أصحاب أهل الأهواء من المبتدعة، كالخوارج في عصر الصحابة، فإنّهم أنكروا الشفاعة. وهذا بناءً على أصلهم أن مرتكب الكبيرة مستوجب الخلود في النار إلا أن يتوب وقولهم هذا منصبٌّ على الأقسام الثاني والثالث والرابع من الشفاعة. وبقولهم أخذت المعتزلة. وحديث جابر بن عبد الله من أعظم الحجج على بطلان مقالتهم. أما مذهب أهل السنة فهو اعتقاد أن الشفاعة ثابتة، ودليل ذلك أنها جائزة عقلاً، وأنها ليست بقبيحة (١) .
-
القسم الثاني: تنبيه على جملة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة وفيه أربعة عشر حديثاً:
ومن هذا القسم مقالات ورسائل نقدية أكثرها تحقيق لنظر أو بحث في أثر. منها:
vol. 1, p. 344١ - التنبيه على أحاديث ضعيفة أو موضوعة رائجة على ألسنة الناس (١) :
وهو بعد بيان خطر ذلك على السنة، ودعوته إلى الذبّ عنها، والتحفّظ من المشكوك فيه منها، يورد جملة من الأحاديث الموضوعة والضعيفة تنبيهاً عليها. وهي في هذا المقال أربعة عشر حديثاً:
١ - أنا مدينة العلم وعلي بابها. حديث موضوع، سيأتي تفصيل القول فيه في المقال الثاني من هذا القسم.
-
٢ - أحبوا العرب لثلاث، لأني عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة في الجنة عربي. رواه الحاكم، وقال الأئمة: هو ضعيف.
-
٣ - إن الله خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم. أخرجه ابن عدي في كتاب الضعفاء.
-
٤ - إذا ذلت العرب ذلّ الإسلام. صحّحه العراقي، وضعّفه المناوي.
-
٥ - بعثت لأتمم صلاح الخلق. ك والبيهقي. ضعيف.
-
٦ - حبّ العرب إيمان، وبغضهم نفاق. ك. ضعيف.
-
٧ - حبّ العرب إيمان، وبغضهم كفر. فمن أحب العرب فقد أحبني، ومن أبغض العرب فقد أبغضني. ضعيف.
-
٨ - طلب العلم فريضة على كل مسلم. ضعيف. خصّه شيخنا رحمه الله ببحث في رواياته وطرقه.
- vol. 1, p. 345
٩ - من تشبّه بقوم فهو منهم. رواه أحمد والطبراني. وهو ضعيف.
-
١٠ - من كان يحسن أن يتكلّم بالعربية، فلا يتكلَّم بالأعجمية، فإنه يورث النفاق. ك. أنكره الذهبي.
-
١١ - الصلاة تُبْئِسُ وتُمَسْكِنُ. لا يعرف أصله.
-
١٢ - قدّموا قريشاً ولا تَقَدَّموها. وتعلّموا منها ولا تعالموها. لولا أن تبطر قريش لأخبرتها ما لخيارها عند الله. أسانيده كلها ضعيفة.
-
١٣ - يا جابر أول خلق الله نور نبيك. منكر يتردّد بين الضعف والوضع (١) .
-
١٤ - لا عزاء بعد ثلاثة. تفصيل وبيان ومراجعة من الشيخ الرابحي وإجابةٌ من الإمام الأكبر (٢) .
-
[٢ - الأسانيد المريضة الرواية في حديث "طلب العلم فريضة" ]
-
ما جاء تفصيلاً لما أشير إليه في المقال السابق عن الأسانيد المريضة الرواية لحديث: طلب العلم فريضة. روى هذا الحديث عدد كبير من الرواة من طرق مختلفة متعددة. وقد جعلها الإمام الأكبر ثماني روايات تحدث عن جميعها مع بيان أقوال الحفاظ في رجال أسانيدها، وذكرِ آرائهم في متونها وحالاتها.
- والروايات الثمانية للحديث هي كالتالي:
- vol. 1, p. 346
١ - طلب العلم فريضة على كل مسلم.
-
٢ - طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجواهرَ واللؤلؤَ والذهب.