كتب الإمام الأكبر في السنة

176 paragraphs · vol. 1, p. 365

Page 1 of 5

  1. أما تآليف الإمام الأكبر في السنة: فـ كشف المغطّى، والنظر الفسيح. وهذان الكتابان نمط فريد من التصنيف يَكملُ به جميع ما قاله المحدّثون والشراح من رجال العلم النبوي في موطأ الإمام مالك الذي يعتبر كما قال الإمام الشافعي: أصحّ كتاب يظهر على الأرض بعد كتاب الله، وفي الجامع الصحيح للإمام البخاري الذي كان صاحبه يذبّ عن السّنة الكذب، فلم يخرّج في كتابه إلا صحيحاً، وما ترك من الصحيح أكثر، احترازاً من التطويل.

    vol. 1, p. 365
  2. الكتاب الأول: كشف المغطّى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطّا.

  3. نبتت فكرة تصنيفه في ذهن شيخنا رحمه الله من أيام تولّيه

    vol. 1, p. 366تدريس مادة كتاب الإمام مالك. وكان يأسره ويشدّه إليه جانبان هامان منه: جانب السنّة والآثار، وجانب الفقه والفتوى. وهو قد استعد لهذا الغرض بطول مزاولته للموطأ وكثرة مثافنته له. وهو ككبار أئمة العلم ممّن حدثنا عنهم أو سعدنا بلقائهم في حلقات الدروس، لا يقدم على محاضرته أو إملائه لموضع درسه من الكتاب إلا بعد الرجوع إلى أهم المصادر، واستيفاء مقالات العلماء البارزين فيه، وتعليقات الشيوخ المتمكّنين عليه. وهكذا يمكننا أن نعدّ من مصادر كشف المغطى الأساسية دروسَ الإمام في الموطأ وما رجع إليه فيها من شروح وتصانيف كانت متداولة بين الأساتذة والطلاب، مثل المنتقى للباجي، وشرح الزرقاني وتعليقات السيوطي على الموطأ، أو كانت عزيزة نادرة اجتمع له منها: القبس لابن العربي، وقسم من ترتيب المسالك له، وقطعة من التمهيد لابن عبد البر، وقطعة من الأنوار في الجمع بين المنتقى والاستذكار لابن زرَق، وتعليق لأبي محمد بن السيد البطليوسي في غريب الموطأ، ونسخة من مشارق الأنوار لعياض، وصلت إليه متأخّرة بعد أن كاد يفرغ من وضعه لكتابه.

  4. وقد كان في أول الأمر يتطلّع إلى وضع شرح وافٍ على الموطأ يشتمل على ما انقدح له من رأي في جلسات الدرس وقبلها، فَيُلمّ بما كتبه الشراح، مضيفاً إليه ما حصل له من أفهام، أو حرّره من حقائق، أو استدركه من أنقاص، أو حلّه من مشاكل. لكن عوائق كثيرة حالت دونه ودون رغبته السامية تلك، فاقتصر على تصنيف الكشف، هذا المختصر، إنجازاً لبعض ما عزم عليه وتقييداً لملاحظاته وتعليقاته على الموطأ بما لم يسبق إليه.

  5. وفي بداية هذا التأليف ومقدمته عرّف بموطأ الإمام مالك بن

    vol. 1, p. 367أنس وذكر أن طريقة الإمام مالك كانت جامعة بين التمحيص والتصحيح والتقرير والتحرير. وهكذا أثبت في موطئه ما صحّ عنده من الآثار المروية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما روي عن الخلفاء الراشدين، وفقهاء الصحابة، - ومَن بعدهم - من فقهاء المدينة، وما جرى عليه العمل عندهم. فجمع بين النصوص التشريعية من السنة الصحيحة، وبيّن استنباط الأحكام والتطبيقات وفتاوى الأئمة في ذلك العصر. ولتيسير الإفادة من هذا الكتاب جعله على أبواب الفقه كي يتسنّى لطلاب الأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات، ولِشُدَاة العلم والأدب أن يظفروا بسرعة. كلٌّ بما هو في حاجة إليه من ذلك الموطأ، وأن ينهلوا من ينابيعه العذبة ما فيه من شفاء للصدر وتزكية للنفس.

  6. وتبويب الموطأ كان مثالاً جرى عليه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي، كما سار مسلم على مثل ما سار عليه في تقسيمه جامعه الصحيح إلى كتب. وتعرّضت هذه المقدّمة إلى شروط الصحة عند أهل الأثر، وإلى طرق نقد الأخبار من جهتي الأسانيد والمتون. فنبّه إلى ما التزم به الإمام مالك من ذلك في كتابه، مع مقارنته بشروط الصحة عند الإمامين البخاري ومسلم.

  7. وتميّز الموطأ ببعض العبارات والكلم والمصطلحات التي أطلقها صاحبه على بعض التصرّفات فيه كقوله: باب جامع، والأمر المجتمع عليه، والأمر الذي أدركت عليه أهل العلم، أو سمعته من أهل العلم، وقوله: فيما نرى، أو فيما أرى والله أعلم، وعلى مذهب من لقيته، وحتى وقع الحق، وهو شيء استحسنته من قول العلماء، ومالك عن رَجل، ومالك عن الثقة عنده، وما جاء في جواز كذا، وما جاء في تحريم كذا، ونحو ذلك.

  8. وتحدث الشيخ ابن عاشور في مقدمة كشف المغطّى عن أسانيد مالك العالية وطرقها. فهو يروي عن عدد كبير من الصحابة، منهم ابن عمر وأنس بن مالك وسهل بن سعد وجابر بن عبد الله وأبو شريح الكعبي وأبو سعيد الخدري وعمر بن أبي سلمة.

    vol. 1, p. 368
  9. وأخذ الموطأ من أصحاب الإمام عنه ألف وثلاثمائة راوٍ، رتبهم عياض في كتاب المدارك على حروف المعجم.

  10. ومن الموطآت الشهيرة المعروفة: موطأ يحيى بن يحيى الليثي وهو أشهرها وأوعبها، وموطأ مطرف، وموطأ يحيى بن بكير، وموطآت أخرى كثيرة تنسب إلى أبي مصعب، ومحمد بن عبد الله، وابن القاسم، وابن وهب، والقعنبي، ومحمد بن الحسن، ومعن بن عيسى بن دينار، وعبد الله بن يوسف، وعبد الله الزبيري، وسويد بن سعيد، وعلي بن زياد، والزهري، وأحمد بن إسماعيل السهمي، وابن أبي ذئب. وختم الإمام الأكبر هذه الدراسة ببحث لغوي يفسّر به وجه تسميته بالصحيح.

  11. وعني بهذا الكتاب، الأول من كتب الصحاح، عدد من الأئمة والفقهاء والمحدثين، فوضعوا عليه شروحاً كثيرة وتفاسير جيدة.

  12. وأحصى العلماء عدد ما ورد فيه من أحاديث بلغ بها الأبهري ١٧٢٠ حديثاً: ٦٠٠ منها من المسند المتصل، ٢٢٢ مراسيل، ٦١٣ موقوفة. وأحاديث أخرى ما بين منقطع، وبلاع، وأقوال الصحابة، وفقهاء التابعين، وما استنبطه الإمام في الفقه استناداً إلى العمل أو إلى القياس أو إلى قواعد الشريعة.

  13. ولكثرة هذه الأحاديث وتنوّعها لم يكتب عن كل واحد منها في كشف المغطّى. ولكنه كما قال: اقتنع فيه بإثبات أهمّ ما يلوح له من

    vol. 1, p. 369النكت والمسائل وكشف المشاكل، أو تحقيق مبحث، أو فصل نزاع، أو بيان استعمال عربي فصيح، أو مفرد غير متداول.

  14. ولا يتَّسِع الظرف لاستعراض ما تناوله كشف المغطّى من أحاديث ومسائل بلغت نحو الثلاثمائة، وأنّى لنا ذلك في مثل هذه العجالة، وإني لأكتفي بذكر أمثلة من ذلك انتزعتها من عدة كتب وأبواب من الموطأ، لنتبين من عمل شيخنا فيها المنهجَ الذي سار عليه، والطريقةَ التي اعتمدها فيه وأنواعَ الملاحظات والإفادات التي قدّمها لنا وأفادنا بها.

  15. أمثلة تحدِّد منهج الإمام مالك في الموطأ:

    فمن أمثلة ذلك:

    ١ - مالك عن ابن شهاب: "أن عمر بن عبد العزيز أخّر الصلاة يوماً، فدخل عليه عروة بن الزبير فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوماً وهو بالكوفة. فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري. فقال: ما هذا يا مغيرة؟ أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول الله ... " الحديث (١) .

  16. بدأ الإمام الأكبر ببيان خصائص هذا الحديث قائلاً:
  17. هذا حديث أغرّ: فيه مراجعة فقيهين لأميرين، وفيه تلقّي تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابي، ورسول عن رسول. وكان عمر بن عبد العزيز أمير المدينة، وكان المغيرة بن شعبة أمير الكوفة.

  18. ثم أشار إلى ما في هذا الحديث من بيان إجمالِ آياتِ أوقاتِ الصلوات.

  19. وفيما بدا من إنكار الفقيهين، عروة بن الزبير وأبي مسعود الأنصاري، على الأميرين عمر بن عبد العزيز والمغيرة بن شعبة، تأخيرَ الصلاة ليس من أجل الغفلة عنها إلى خروج الوقت، وإنّما للتأخّر بها عن أول الوقت. فالسلف كانوا يخشون تعيّنه لإيقاع الصلاة، وأن في التأخّر عن أول الوقت بدون عذر إثماً. ذاك كان دأبهم في المحافظة على السنة. فكانوا يرون أن وقت أول الواجب الموسع هو أول الوقت، وأن ما بعده قضاء سدّ مسدّ الأداء. وهذا خلاف رأي الجمهور الذي يعتبر جميع وقت الواجب الموسع محلاً للأداء.

    vol. 1, p. 370
  20. وهذا الحديث مما رواه البخاري عن عبد الله بن سلمة عن مالك (١) . ومحل الاحتجاج فيه لمقالة السلف: أن جبريل نزل فصلّى عند الوقت أي في بدايته، وصلّى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بصلاته. وهكذا عقبت الصلاةُ النزولَ بلا تريث، وفيه الإشعار بوجوب المبادرة إلى الصلاة. ويقابل هذا الرأي قول الفقهاء: أوقات الصلاة ذات مبادىء ونهايات، وأن الأمر إنما جاء لتأكيد الأداء في أول الوقت، أو هو أمر لغير ذي العذر بالمبادرة إلى الصلاة. وفي هذا سعة، والشريعة لا يفارقها التيسير.

  21. وقد اشتمل هذا التعليق على ملحظ لطيف دلّ على أهمية الصلاة وشرفها: يظهر الأول في صلاة جبريل الأوقات الخمسة برسول الله، تبليغاً عملياً لأوصافها وكمال أدائها. ويظهر الثاني في فرض الله الصلاة بحضرة الملائكة في الإسراء، وبيان حقيقتها وصور القيام بها عن طريق نزول الروح الأمين جبريل - عليه السلام - بها (٢) .

  22. ٢ - مالك أنه بلغه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "استقيموا ولن تُحصوا، واعملوا وخير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" (١) .

    vol. 1, p. 371
  23. أورد الشيخ رحمه الله هنا الجزء الأول من الحديث. فنوّه بإيجاز لفظه واتساع دلالته، جاعلاً إيّاه من جوامع الكلم. ووقف عند كلمتي: الاستقامة والإحصاء؛ شارحاً معنييهما، ذاكراً دلالتيهما الحقيقية والمجازية. فالاستقامة على الحقيقة مشتقة من القَوام أي الاعتدال وعدم الاعوجاج. قال سحيم:

    وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرتُ كعوبَها أو تستقيما

    وهي "مجاز" بمعنى حُسن العمل.

  24. وقول: ولن تحصوا، من الإحصاء. وهو معرفة كامل العدد. وهو هنا بمعنى: ولن تحيطوا بكمال الاستقامة. وقد ذكر على دلالة هذا اللفظ شواهد من القرآن. ومجازُ: ولن تحصوا، العجزُ عن العمل. وفي آخر التعليق بعد شرح الكلمتين السابقتين في الحديث، يذكر أن الواو في "ولن تحصوا" هي واو الحال. والمعنى: استقيموا وإنكم لن تحصوا غاية الاستقامة. فالكلام مسوق مساق الإغراء بالعمل على حدّ قولك: افعل كذا ولا تقدر، أو قولك: ولا أظنّك تفعل (٢) .

  25. ٣ - "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطع لبلال بن الحارث معادن القبلية. وهي من ناحية الفُرع. فتلك المعادن لا يؤخذ منها - إلى اليوم - إلا الزكاة" (٣) .

  26. توقّف المؤلّف عند كلمة "قطع له" في هذا الحديث بمعنى أعطاه، ووجد أن من اللغويين مَن لا يقبل هذا الاستعمال في هذا الغرض، وأن الموجود (أَقْطَعَ) الرباعي متعدّياً بنفسه، ولم يذكروا (قَطَع له) . وذكر أن الكلمة هنا واردة بصيغة الماضي الثلاثي ومعداة باللام فَعَل - لـ. وقال: وهي بلفظ المضارع الثلاثي أيضاً كما في حديث الصحيحين: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يقطع للأنصار من البحرين فقالوا: حتى تقطع لإخواننا من المهاجرين" (١) . وللجمع بين مقالة اللغويين وما ورد في نصوص السنة من ذلك، ما نقله عن عياض في المشارق من قوله: أصله من القطع، كأنه قطعه له من جملة المال. وصحّح الإمام هذا الاستعمال بجريانه على القياس في اللغة (٢) .

    vol. 1, p. 372
  27. ٤ - عن سعد الجاري مولى عمر بن الخطاب أنه قال: "سألت عبد الله بن عمر عن الحيتان يقتل بعضها بعضاً، أو تموتُ صَرَداً" (٣) .

  28. تعرّض المؤلّف هنا في تعليقه على هذا الحديث إلى التعريف بأحد رجال الإسناد فيه، وإلى تفسير كلمة لغوية.

  29. فالأول قوله: سعد بن نوفل الجاري، ينسب إلى الجار، اسم مرفأ بالمدينة قديم، استعمله عمر عليه. وهذا الراوي ذكره الحموي

    vol. 1, p. 373في الجار في معجم البلدان، ولم يرد ذكره لا في تهذيب التهذيب لابن حجر، ولا في إسعاف المبطّأ للسيوطي، ولا في الكاشف للذهبي. وذكر الحموي: أن سعد الجاري هذا مختلف في حديثه، وأن له ولدين هما عبد الرحمن وعمر، وكلاهما من المحدثين.

  30. والثاني تحرير جملة "أو تموتُ صَرَداً" . الصّرَد بالتحريك شدة البرد، وهو منصوب على نزع الخافض. قال النابغة:

    فارتاع من صوت كلاب، فبات له ... طوعَ الشوامت من خوف ومن صَرَدِ (١)

  31. ٥ - عن أبي الزبير المكي: "أن رجلاً خطب إلى رجل أختَه. فذكر أنها قد كانت أحدثت. فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فضربه، أو كاد يضربُه. ثم قال: مالك وللخبر؟ " (٢) .

  32. هذا الخبر يعرض علينا تصرّفين متقابلين: أحدهما تصرف رجل يشهّر بأخته لدى خاطبها، صوناً له من الارتباط بما يكره والوقوع فيما يحذر، معتبراً ذلك من الخلال الكريمة التي يأمر بها الشرع، وثانيهما التصرّف المقابل له تصرّف عمر بن الخطاب، الوقّاف عند أحكام الشرع الذي غَضب على الأول أشدّ الغضب وضربه أو كاد أو عزم على ضربه تأديباً له لتصرّفه تصرّفاً غير شرعي بما قام به.

  33. ولتحرير الوجه الفقهي في هذه القضية يلفت المؤلف النظر إلى زجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً أخبر بزنى رجل مسلم. فقال: هلا سترته بردائك؟ ويقتضي هذا بدون شك تحقيق مقصد شرعي سامٍ، يتمثّل في ستر المسلم فيما زلّ فيه من المعاصي ما لم يُخش من ذلك ضرر

    vol. 1, p. 374على الأمة. قال - صلى الله عليه وسلم -: "فمن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة" .

  34. ومن هذا التقرير تتضح لنا عناية المؤلف بالمقاصد الشرعية، واهتمامه بها، وترتيبه الأحكام عليها. فالستر على المسلم فيه مصالح كثيرة تجلب منفعة أو تدرأ ضرراً. فممَّا تجلبه من المصالح: إبعاد المقترف للذنب عن استخفاف الناس به وكراهيتهم له. وأن من حَصَلت منه المعصية على وجه الفلتة إذا ستر أمره بقي له من وقاية مروءته ما يصدّه عن معاودة الوقوع في ذلك الإثم. ومن المفاسد التي يدرؤها الأخذ باعتبار مصلحة الستر على المسلم فيما حصل منه واجباً بل محمدة، إن في التسميع بالمعاصي مظنّة قصد التشويه به بالذنب، وأنه بإشاعة المعاصي يسهل أمرها على متجنّيها. وهو مما جاء التحذير منه، والتهديد عليه في الذكر الحكيم بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} (١) ، كما أن التشهير يحدث عداوة بين المشهِّر والمشهَّر به. وهذا ينافي مقصد الإسلام من دوام الألفة والمحبة بين المسلمين.

  35. ويساير الإمام نصّ الحديث، فيذكر أن ما حصل من الأول من سوء التصرّف كان ممّا لا منفعة فيه للخاطب، وأنّه بسبب ذنب مضى، وليس هو عيباً بالخلقة كعيوب الأبدان والأخلاق، مِن مرض أو جنون أو حماقة، يجب الإعلام به لتجنيب الخاطب الغرر، على أن النصيحة لا تكون من ولي المرأة، فإن في مثل هذه مضاعفة لسوء التصرّف الذي يشير إليه الفقعسي الحماسي:

    رأيت مواليَّ الأُلَى يخذلونني ... على حدثان الدهر إذ يتقلَّب

    vol. 1, p. 375ومن أجل التبغيض في مثل هذه الفعلة ورد بآخر الحديث الاستفهام الإنكاري من الخليفة الراشد عمر: مالك وللخبر؟ (١) .

  36. ٦ - قال عمر: "فليبع كيف شاء الله، وليمسك كيف شاء الله" ووقع فيه: "وإما أن تَرفَع من سُوقنا" (٢) .

  37. وفي التعليق على هذين الحديثين بيان للأول: أي كيف شاء الله له، بمعنى كيفما تيسّر له.

  38. وتصحيح للثاني أساسه ضبط صيغة الحديث الثاني: أن تَرفَع من سوقنا، بفتح التاء الفوقية والفاء من نفس الكلمة. قال الشيخ ابن عاشور: ولا يصحّ ضم الفوقية، لأن حاطباً لم يكن ملازماً للسوق. وأيّد هذا بأن هذه هي الرواية التي وقف عليها في نسختين صحيحتين. وأكّد هذا بما وقع في قصّة حاطب من قول عمر له: وإلا فارفع من سوقنا. وهي الرواية المنقولة عن عيسى بن دينار، نقلها عنه ابن أبي الخصال. قال: كان حاطب يبيع من زبيبه بأقل ممّا يبيعه به أهل السوق. فقال له عمر: إمّا أن تبيع كما يبيع الناس، وإلا فارفع من سوقنا. ومن رواية أخرى قال عمر: حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيباً. وهم إذا وضعوا بجنبك اعتبروا بسعرك، فإمّا أن تَرفَع في السعر، وإمّا أن تُدخل زبيبك البيتَ فتبيعه كيف شئت. وتمام هذه الرواية أن عمر بن الخطاب أتى حاطباً في داره. فقال: إن الذي قلت لك ليس بعزيمة ولا قضاء، إنّما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد. فبع كيف شئت (٣) .

  39. ٧ - بلغ مالكاً أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن بيع وسلف" . قال مالك: ولا بأس أن يشتري الثوب من الكتان أو الشطوي أو القصبي بالأثواب (١) .

    vol. 1, p. 376
  40. التعليق هنا لا يتصل بنوع الحديث ولا بمتنه، وإنما هو منصبٌّ على الجملة من تفسير مالك التي أوردها إثره.