كتب الإمام الأكبر في السنة
176 paragraphs · vol. 1, p. 365
Page 2 of 5
- vol. 1, p. 376
أجرى المؤلف أولاً مقارنة بين رواية يحيى وبين رواية ابن وضاح في نقل كلام مالك. فاقتران الشطوي بلفظ "أو" أو بحرف العطف "و" ثابت في رواية يحيى، غير وارد عند ابن وضّاح. وعند ابن عبد البرّ في الحاشية "الواو" خطأ لم تقع لغير يحيى.
-
ويرى الإمام الأكبر أن الشطوي وما عطف عليه أصناف من الكتان، فلا وجه لعطف أولها على الكتان بأو ولا بالواو لأن الكتان نوعها. أما بقية الأصناف المذكورة بعد فإثبات "أو" فيها متعين.
-
ثم أضاف رحمه الله، إلى ما ذكر من أنواع الكتان، القوهيَّ نسبة إلى قُوهستان بلد بكرمان، وأصله كوه ستان. فكوه جبل، وستان المكان، بمعنى بلد الجبال. والقُوهي ثوب أبيض ينسج بقوهستان. ورد في شعر نُصَيْب:
سُوِّدْتُ فلم أملك سوادي، وتحته ... قميص من القوهي بيض بنائقه (٢)
-
٨ - عن ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "المتبايعان كل
vol. 1, p. 377واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما لم يتفرقا، إلا بيعَ الخيار". قال مالك: وليس لهذا عندنا حد محدود ولا أمر معمول به (١) .
-
موقف معلن فيه عن رفض العمل بهذا الحديث المروي عن ابن عمر وابن حزام، من طرف الإمام مالك. لذا أعقبه رحمه الله بقوله في موطئه: ليس لهذا عندنا حد محدود ولا أمر معمول به. وقد سبق لنا الحديث عن هذه المسألة في بداية فصل احتياج الفقيه إلى معرفة المقاصد الشرعية (٢) .
-
وأشار رحمه الله إلى وقوع الخلاف في هذه المسألة بين الفقهاء كما فصّل فيها القول ابن العربي في القبس (٣) .
-
والمهمّ الذي نبّه إليه الشيخ رحمه الله في كتابه: أنه لم يجد فيمن عَمَد إلى تحرير المذهب من قام ببيان المراد من قول الإمام مالك: ليس لهذا عندنا حد محدود ... إلا كلمة لابن العربي، قال: هي إشارة إلى أن المجلس مجهول المدة، ولو شرط الخيار ومدة مجهولة لبطل إجماعاً. وكيف يثبت حكم بالشرع بما لا يجوز شرطاً في الشرع. وهذا شيء لا يتفطّن إليه إلا مثل مالك. قال الشيخ ابن عاشور: وجد الإمام محمَل الحديث غير بيّن، لأن المجلس لا ينضبط. وشأن التشريع في الحقوق أن يكون مضبوطاً، لتتمكن للمتعاملين المطالبة بالحقوق، ويتيسر للقضاة فصل القضاء. ويضيف بعد هذا: إن الحديث من غير ضبط يجعله مانعاً من الاستفادة منه، لكونه مجملاً لم يصحبه ما يبيّنه، ولا أمر معمول به، كما قال مالك.
- vol. 1, p. 378
ويختم تقريره هذا بقوله: إن الأدلة المجملة لا تكون أدلة تفقّه، فيجب التوقّف والرجوع إلى القواعد الشرعية، إذ الأصل في البيوع الانضباط وطرح الغرر (١) .
-
٩ - عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب كان يأكل خبزاً بسمن. فدعا رجلاً من أهل البادية فجعل يأكل ويتّبع باللقمة وضَر الصحفة. فقال عمر: كأنك مقفر! فقال: والله ما أكلت سمناً ولا لُكْتُ أكلاً به منذ كذا وكذا. فقال عمر: لا آكل السمن حتى يَحيا الناسُ من أول ما يَحْيَوْن (٢) .
-
ويحتاج هذا الحديث إلى تحقيق روايته، وبيان وجوهها في الجزأين. وهذا ما عُني به صاحب الكشف ضابطاً ومقارناً:
وَرَد الجزء الأول منه في المشهور من الروايات بلفظ: ولا رأيت آكلاً به، وبذلك يكون مناسباً لرواية الجزء الثاني بصيغة: لا آكل السمن حتى يَحيَا الناس.
-
والرواية الثانية: ولا رأيت أُكْلاً به، بضم همزة أُكْل، بمعنى: ولا رأيت طبيخاً بالسمن. وهي دون الرواية الأولى.
-
والرواية الثالثة - وهي الأخيرة في الرتبة -: ولا لُكْتُ أكلاً به، يعني أنه ما أكل سمناً محضاً، ولا مضغ طعاماً مأدوماً بالسمن.
-
وورد الجزء الثاني من الحديث بصيغة قول عمر: لا آكل
vol. 1, p. 379السمن حتى يُحيا الناس من أول ما يُحيون. وفيه روايات ثلاثة أيضاً:
الأولى: بضم الياء الأولى في الفعلين، وبكسر الثانية في (يُحيِي) وضمها في (يُحْيُون) :
حتى يُحيِي الناس من أوّل ما يُحيُون.
-
الثانية: بفتح الياء الأولى والياء الثانية في الفعلين:
حتى يَحيَا الناس من أول ما يَحيَون.
-
وبالضبط الأول وردت في أصل ابن أبي الخصال، وكذا عند الطلمنكي وعند أبي علي الصدفي.
-
الثالثة: بضم الياء الأولى في الفعلين وفتح الياء الثانية فيهما:
حتى يُحيَى الناس من أول ما يُحيَونَ.
-
هكذا ضبطها أبو عمر بن عبد البر، وأبو الوليد الوقشي.
-
واختار الوقشي في الفعل الأول (يُحيِي) بضم الياء الأولى وكسر الثانية فاختار في الفعل الوجه الأول.
- ويتقرر ببيان ما ذكر هنا من الأوجه:
-
أن يكون مِنْ (أحيا) يقال: أحيا القومُ إذا حَيِيَتْ ماشيتُهم أو صاروا في الحيا، أي الخصب. كذا في القاموس. أي مشتقاً من الحَيى بالقصر وهو المطر. وقال ابن السيد البطليوسي: أحيا الناس يُحيُون، إذا حييت أموالهم وأخصبوا، على حدِّ قولهم: أَهْزَلَ الناسُ، فهم مُهزِلون إذا أجدبوا فهزلت أموالهم. ونبّه الشيخ رحمه الله على أن هذا الوجه هو الذي رجّحه أكثر الرواة للموطأ وهو الأظهر عربيّة.
-
ويكون من حَيِيَ الناس إذا صاروا أحياء، بمعنى رجعوا إلى
vol. 1, p. 380حالة الشِّبع، على تشبيه الجدب والجوع بالموت، وتشبيه الشبع والخصب بالحياة على نحو قوله تعالى: {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} ، وقوله سبحانه: {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} .
قال ابن السيد في شرح مشكل الموطأ: والفقهاء يروونه يَحيا ويَحيَون بفتح الياءين في الفعلين. وهذا الوجه دون الأول.
-
أو يكون يُحيَى ويُحيَون، بضم الياءَيْن الأولين في الفعلين، وفتح الثانيتين فيهما على أنه مبني للمجهول. وهذا أضعف الوجوه (١) .
-
١٠ - عن عطاء بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة" . فقال رجل: يا رسول الله لا تخبرنا؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال مثل مقالته الأولى. فقال له رجل: لا تخبرنا يا رسول الله. فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك أيضاً. فقال الرجل: لا تخبرنا يا رسول الله. ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك أيضاً. ثم ذهب الرجل يقول مثل مقالته الأولى. فأسكته رجل إلى جنبه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من وقاه الله شرّ اثنتين دخل الجنة: ما بين لحييه وما بين رجليه، ما بين لحييه وما بين رجليه، ما بين لحييه وما بين رجليه" (٢) .
-
هذا الحديث من باب تقديم العلم وعرضه، أو من باب النّصيحة، أو من باب التبشير والترغيب، والظاهرة التي يتجلّى فيها هذا الخبر أنه لم يكن حديثاً يروى فحسب، أو كلاماً ينقل، ولكنه
vol. 1, p. 381حوار وتجاوب بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته، وحِرْصٌ من النبى - صلى الله عليه وسلم - على الإبلاغ، ومن أهل مجلسه على التحمّل. وتعمُّق الإمام الأكبر في بيان وجوه معانيه وأسراره متولدٌ بدون شك من وقوفه على الروايتين الواردتين فيه.
-
فيحيى بن يحيى الليثي وابن القاسم روياه بلفظ: "لا تخبرنا" ، بصيغة النهي. ورواه عبد الله بن مسلمة القعنبي بلفظ "ألا" التي للعرض. وقال: ألا تخبرنا، بزيادة الهمزة على "لا" في الرواية الأولى.
-
ويترتب على هذا الاختلاف في الرواية اختلاف في المعنى، وحصول تأويلات لضبط دلالته، وسبب داع إلى الترجيح بين الروايتين المختلفتين أو الجمع بينهما، وهذا الاهتمام بلفظ الحديث ومتنه يكشف عن إرادة قوية وعزم شديد على تتبّع الآثار النبويّة، ودقّة فهمها، وجودة تقديمها، وضرب المثل في حُسن الدراية.
-
يقول الشيخ ابن عاشور: ففي رواية يحيى وابن القاسم أشكل على الشارِحين موقع لفظ "لا تخبرنا" في الرواية الأولى، فتأوّله المتأوّلون. وذهب الباجي في المنتقى إلى أن الرجل أراد أن تتسابق أفهام الحاضرين، اجتهاداً منهم، إلى تعيين هذين الاثنين. وهذا أقرب ما ورد من التآويل. وليس في حكاية الراوي ما يؤذن بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد اختبارَ فهمِ أصحابه، فيكون لفظ "لا تخبرنا" ما اقتضاه الكلام، ولأن الخبر متعلق بأمر الآخرة، وهو مما لا مجال للعقول في تعيينه.
-
وفي رواية القعنبي: "ألا تخبرنا" وهى أقرب الروايات. فهي تقتضي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك وسكت قليلاً أو اشتغل بشيء. فقال ذلك أربع مرات.
- وترجِّح روايةَ القعنبي خمسة أمور:
-
أولها: أن من شأن أهل مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحرصَ على الاستفادة. واحتمال - كون المراد اختبار تنبّههم - لم يحك الراوي ما يقتضيه.
-
ثانيها: أن المقام مقام تبشير وترغيب. فلا يظنّ أنّ الرجل قال: "لا تخبرنا" بسبب ما تأوّله ابن حبيب فيما حكاه الزرقاني عن الباجي عنه.
-
ثالثها: أن السكوت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كلّ مرّة كان بقصد التشويق للخبر.
-
رابعها: أن سكوت بقية الحاضرين عن الرجل بينهم في مراجعته دليل على أن هذا الرجل كان سائلاً عمّا فيه رغبة جميعهم.
-
خامسها: أن رجلاً بجنب السائل أسكته خشية أن يكون فيما يفعله إلحاح لا يتناسب ووقت اختيار الرسول الإعلام بذلك.
-
أما وجه الجمع بين الروايتين فيكون بسبب تحديث الراوي بقول أحد الحضور في المجلس، فحدّث الراوي بقول هذا مرّة، وبقول الآخر مرّة أخرى، فتكون كلتا الروايتين مما حدّث به مالك أو زيد بن أسلم أو عطاء (١) .
-
[الكتاب الثاني: النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح.]
-
هذا الكتاب هو صنو كشف المغطّى في نوعه ونهجه ومادته
vol. 1, p. 383ومسائله. ولئن كان الكشف تعليقات وإفادات بعد مراجعات وتحقيقات لموطأ الإمام مالك، فإن الثاني مثله تعليقات وإفادات هي نتيجة لمراجعات وتحقيقات قام بها المؤلف في كتاب الجامع الصحيح للإمام البخاري.
-
وهذان الكتابان، الموطأ والجامع الصحيح، أكثر كتب السنة انتشاراً، وخاصة في البلاد المغربية بين الشيوخ والطلاب بجامع الزيتونة، وبين الفقهاء والمتعلمين بجامع القرويين.
-
والأول منهما فيه، مع ما دوّن به من أحاديث صحيحة: فقهٌ وأحكام وفتاوى. فهو الأصل الذي تخرّج عليه المالكية في مختلف الديار، بجانب ما يروونه من مسائل تضمّنتها المدوّنة المروية عن ابن القاسم عن الإمام مالك.
-
والثاني: هو أهم كتب الصحاح، وأولها بين المحدّثين تكوّنت به كما تكوّنت بنظيره مدرسة علمية معروفة المعالم، ملموسة النتائج. وفي تمهيده أو خطبته بعد حمد الله مستحِق الحمد ووليَّه، جماعُ ما أراد المؤلف الإشارة إليه بطريقة موجزة وملهمة. وتلك هي خاصية الكتابين.