كتب الإمام الأكبر في السنة
176 paragraphs · vol. 1, p. 365
Page 4 of 5
- vol. 1, p. 392
وأما ثانياً: فقول المشركين: "فقد قتَلنا" قصدوا به إفحام النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يكفّ عن دعوتهم إلى الإسلام. وقد كانوا في الجاهلية مشركين ومجرمين بما ارتكبوا من الفواحش، وهو ما استوجب خلودهم في النار. فلا داعي إذن لدعوتهم إلى الإسلام. وبهذا يظهر إيراد هذا الخبر في هذا الباب لما يؤذن به قولهم من إيذائهم للرسول وقتلهم وتعذيبهم للمساكين، وهو ما كان يجبّه الإسلام لو أنهم آمنوا واستجابوا للداعي.
-
وأما ثالثاً: فنقل سعيد بن جبير تأويلَ ابن عباس لقوله: {إِلَّا مَنْ تَابَ} من الشرك وما معه بالدخول في الإسلام. فقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ} عنه، استغناء عن مجموع الجمل المذكورة قبله، وأن المهم قصد التوبة من الشرك، وما ذكر من الفواحش معه إنما ورد من أجل التشويه والتقبيح، فالاستثناء على هذا للمجموع لا للجميع. وهذا التأويل بعيد لأنه ينبغي أن يَرجع إليها جميعها أي إلى مدلول كل جملة منها. فإنّ كل واحد من الأوصاف مقصود بالذم ومرفوع بالتوبة. وإنّما أوكل ابن عباس آية الفرقان بهذا الوجه لحمله آية قتل النفس من سورة النساء على ظاهرها، وجعلها أصلاً في عدم قبول توبة قاتل النفس. فألجأ ذلك إلى تأويل ما يعارضها، وهو قول شاذ، لعموم جريانه على إجماع المسلمين في قبول التوبة في سائر
vol. 1, p. 393المعاصي. وقد أنكر هذا التأويل مجاهد حين تتبع تفسير آية النساء: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} (١) بأن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم خالداً فيها، فقال معقباً عليه: إلا من ندم (٢) .
-
[السادس]
-
١ - ثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: "لمّا مرّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحِجر قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين. ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي" (٣) .
-
٢ - ثنا ابن بكير، عن مالك، عن عبد الله بن عمر، عن عمر: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحاب الحِجر: لا تدخلوا على هؤلاء القوم (المعذَّبين) إلا أن تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم" (٤) .
-
٣ - ثنا محمد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مرّ بالحِجر: قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أن يصيبكم ما أصابهم، ثم تقنَّع بردائه وهو على الرحل" (٥) .
-
٤ - ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا معن، ني مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحاب
vol. 1, p. 394الحِجر: لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين. فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم " (١) .
-
جمع المؤلف، في تعليقه على حديث باب نزول النبي - صلى الله عليه وسلم - الحجر، جملة من روايات الحديث، رتبها على فقرتين:
الفقرة الأولى: تتناول روايةَ عبد الرزاق ورواية يحيى بن بكير، ورواية عبد الله بن المبارك.
-
والفقرة الثانية: مقصورة على رواية واحدة له هي رواية معن.
-
وتعرض الشيخ رحمه الله في الفقرة الأولى إلى ثلاث مسائل، الأولى ما يلاحظ في الروايات الثلاث من تقديم وتأخير لبعض ألفاظه على بعض، والثانية في تحرير القول في معنى النهي عن دخول الحجر ووجهه، الثالثة تأويل آخر للحديث.
-
المسألة الأولى: في بيان موقع "باكين " في رواية عبد الرزاق لحديث الباب. قال: " أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين ". والظاهر أن جملة " أن يصيبكم " مقدمة من تأخير وذلك للاهتمام، وأن محلَّها التأخير عن باكين لأن " أن يصيبكم " متعلق بباكين، والمتعلق به مقدم. وتشهد لهذا الروايات الثلاثُ الأخرى للحديث. ففي رواية يحيى بن بُكير وردت الجملة على هذا النحو: " إلا أن تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم " وفي رواية ابن المبارك: " إلا أن تكونوا باكين يصيبكم "، وكذلك في رواية معن: " إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم".
- vol. 1, p. 395
المسألة الثانية: إن النهي عن دخول مساكن الذين ظلموا ليس على إطلاقه. والحالة التي يجوز فيها الدخول هي حالة الاتعاظ والاعتبار والبكاء، والشعور بالضراعة والخشوع، كما يدل على هذا قوله جل وعلا: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} (١) . فإن كانت هذه هي الحالة المطلوبة عند دخول الحجر أو نحوه من مساكن المعذَّبين الذين ظَلَموا، فهي تقتضي عدم جواز الدخول لمن كان هازئاً أو آسفاً على أهل تلك المساكن. وهذا من عادات الجاهلية، يشهد له قول ابن سوادة:
وماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى تَزيَّنُ بالسَّنام
وماذا بالقليب قليب بدر ... من القينات والشرب الكرام (٢)
-
المسألة الثالثة: أن يكون معنى قوله في الحديث: أن يصيبكم؛ تعليقاً للنهي عن دخول الديار ويكون "إلا أن تكونوا باكين" استثناء لحالة الترخيص في الدخول.
-
وخصَّ المؤلف الفقرة الثانية من تعليقه بذكر رواية معن للحديث، والإشارة إلى ما تميّزت به في نظمها من تقديم وتأخير يظهر بينها وبين بقية الروايات. والأصل أن مجرد الدخول لتلك الديار لا يصاب فاعلوه بما أصاب أهليها من العذاب، لأنّهم لم يرتكبوا ما ارتكبه الظالمون من الجرم.
-
ورواية معن أَبينُ وأخفُّ من رواية سالم عن ابن عمر. والحديث ينظر إلى قول الله تعالى: {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا} (٣) وهذا من غضب الله عليهم إذ قدر أن تكون
vol. 1, p. 396ديارهم خراباً. و "إلا قليلاً" أي قليلاً من السكنى. وذلك ما كان يفعله المربي الصالح العالم الفقيه الشيخ محرز بن خلف الصديقي (١) حين ينزل بأطلال قرطاجنة للموعظة. يشهد لهذا شعره في هذا الغرض:
مررت بِرَبْع بالسراب تلفّعا ... وطود جلال بالخطوب تصدّعا
فقلت وقد أجرت جفوني أدمعا ... خليلي مرّا بالمدينة واسمعا
مدينة قرطاجَنَّة ثم ودّعا
ومما اشتملت عليه الفقرة الثانية من التعليق، ذكر ارتباط "أن يصيبكم" بـ "باكين" والتنبيه على أن هذا الحديث غير موجود في موطأ الليثي. وأن التقنّع كان من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكمال كراهيته آثار الظالمين. فهو يأبى أن يراها، ولذلك لم يأمر به. وختم المؤلف هذه الإفادات بالإشارة إلى حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهاهم عن الشرب من آبار الحجر عدا البئر التي شربت منها ناقة صالح. وهو ما سبق لهم الحديث عنه عند تعليقه على باب قول الله تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} (٢) .
-
السابع: عن ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله تعالى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} (٣)
قال: نزلت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مختفٍ بمكة كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن. فإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به. فقال الله تعالى لنبيه: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، {وَلَا تُخَافِتْ
vol. 1, p. 397بِهَا} عن أصحابك، فلا تسمعهم، {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} (١) .
-
هذا الخبر ليس مروياً عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكنه بيان من ابن عباس - رضي الله عنهما - للآية. وقد اشتمل عليه التعليق كما في الحديث السادس السابق، وجعله المؤلف فقرتين أيضاً.
-
الأولى: في النهي عن سبّ المشركين لتجنيبهم سبّ القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فإنهم كفروا بما هو أشد وأقطع من قول وفعل، ولكن لما في النهي من سدّ لذريعة السبّ، فلا يزدادون كفراً ولا يزدادون قسوة في قلوبهم ولا نفوراً عن الإسلام. فإن ذلك يتعارض مع أصل الدعوة والرسالة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث مرغباً لا منفّراً. وينظر قوله تعالى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ...} إلى قوله عز وجل: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (٢) . وبالرغم من كون سبّ آلهتهم قربة، نهى الله رسوله عنها لأنّها ذريعة لازدياد كفرهم وتصلّبهم فيه.
-
وفي بيان معنى الاختفاء بمكة يريد به على وجه الاستعارة: الانزواء والاستضعاف، إذ ليس المقصود منه الاختفاء الحقيقي لمنافاته لقوله: فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته.
-
والثانية: نقل لما ورد ببعض النسخ الأم من التعليق بما نصه: قال الفربري: قال محمد بن عياش: هُشيم صاحب تدليس. وفي أخرى قال محمد بن عباس: وابن عياش هذا غير معروف لديَّ. وهو لا محالة أحد أصحاب البخاري المتقدمين على الفربري ومن جاء بعده (٣) .
- vol. 1, p. 398
الثامن: حديث عائشة - رضي الله عنها -، قالت: "جاءت هند بنت عتبة فقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل مسيك. فهل عليّ حرج أن أطعم من الذي له عيالنا. قال: لا، إلا بالمعروف" (١) .
-
نبّه المؤلف أن في بعض روايات الحديث: "أن أطعم مِن الذي له عيالنا بدون إذنه" .
-
بدأ الشيخ رحمه الله ببيان ألفاظ الحديث.
-
"قال: لا" : أي لا تطعمني، بدليل قوله: "إلا بالمعروف" .
-
وفسّر المعروف في هذا الحديث بقوله: ما يحمله مثل أبي سفيان من الإنفاق على مثل عياله.
-
والحكم: جواز إنفاق المرأة من مال زوجها عند غيابه على عيالها بالمعروف. ووجهه:
١ - أن الإنفاق بالمعروف واجب عليه لعياله، فليس له حق منعهم منه.
-
٢ - أن أبا سفيان لشدّة شحه، لو توقّفوا على إذنه لما أذنهم.
-
٣ - أنه لو شكوه للرسول في كل حاجة لشق ذلك عليهم، ولحدث بسببه بينه وبينهم شنآن.
-
ومقتضى الحكم ولازمه أن ما تجاوز المعروف من الإنفاق لا حق لها ولا لعياله فيه، إلا برضا صاحبه.
-
ويتبيّن مما قضى به الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه أقام المرأة في هذه الحال
vol. 1, p. 399مقام الوكيل على أبنائها وعيال بيتها على وجه الرخصة. فهي راعية المنزل وربة البيت.
-
وهنا شرع المؤلف في الحديث عن مسألة أصولية مقصدية اختلفت فيها أنظار الأئمة. فقال: إن هذا التصرّف من الرسول - صلى الله عليه وسلم - فتوى وتشريع يعم هنداً وغيرها من أزواج الأشحة. وهذا هو قول مالك. وذهب الشافعي إلى أنه من قبيل القضاء. وردّ الشيخ هذا الوجه بكون مأخذه ضعيفاً. وأكّد ما ذهب إليه إمامه بأن هنداً جاءت إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - مستفتية لا مدّعية، وأن إحضار زوجها كان ممكناً، فلا يكون الأمر من باب القضاء على الغائب.
-
وأنّه وإن اعتبر قضاءً فإن قضاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - من جهةٍ قضاءٌ بالنسبة إلى الخصمين، وهو تشريع لغيرهما ممن يساويهما في الوصف المؤثّر، سواء جاء في خصومة أم مستفتياً.
-
وختم الإمام تعليقه على حديث النفقة هذا ببيان طريق التوصل إلى الحق قائلاً: وليس لصاحب حق عند آخر مَنعَهُ منه، أَن يعمد إلى أخذ حقِّه بنفسه بغصب أو خلسة، اعتباراً للمقصد الشرعي من إقامة القضاة والحكام، ولأن مثل هذا التصرّف يؤول إلى التقاتل والتهارج. فلا تتجاوز الرخصة محل العذر، وهو عسر الرفع إلى القاضي، أو توقع ضرر من الخصومة هو أعظم من ضرر ترك الإنفاق (١) .
-
[التاسع: من حديث طويل لأبي هريرة - رضي الله عنه -]
-
قوله - صلى الله عليه وسلم -: "هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم" (٢) .
- vol. 1, p. 400
توقف المؤلّف عند هذه الجملة وحدها لبيان معنى الجليس وحقوقه.
-
الجلساء، التعريف في هذا اللفظ للتعظيم. وهو على حد قول الشاعر:
هم القوم كل القوم يا أم مالك
وواحد الجلساء: الجليس، وهو المشارك فى المجلس. ولكون المجالس والجلساء تختلف، ميّز الله في هذا الحديث القدسي الجليس الذاكر لله عز وجل بكونه أكرم صنف، وميّز فئة، فقال: "هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم" . وفي هذا إيماء قوي يرفع منازل هؤلاء الجلساء، لأنّهم يجتمعون على ذكر الله.
-
ومعنى "الجلساء لا يشقى بهم جليسهم" أنه لا يكون دونهم منزلة، وأنهم لا يتميّزون عليه تميّزاً يلحق به أذى. فهم سعداء متلائمون متوادّون.
-
وقوله: "لا يشقى بهم جليسهم" يحتمل السببية أو الملابسة. فالباء من "بهم" سببية، وهي بمعنى لا يكون الجلساء سبباً في تعب جليسهم وإعناته وإيذائه. وهذا كما في قول الطرماح:
وإني شقي بآلام ولا ترى ... شقياً بهم إلا كريم الشمائل
أو توسع في استعمال الباء للدلالة على الملابسة، وصار المعنى انتفاع جليسهم بهم على وجه الكناية، إذ في السلامة من الأذى إكرام له. قال الشاعر:
وكنت جليس قعقاع بن شور ... ولا يشقى بقعقاعٍ جليس
أراد أن جليسه مكرم سعيد.
- vol. 1, p. 401
وهذا الاستدلال ينظر إلى قول الله جل ذكره: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} (١) أي لم أكن شقياً مع دعائك، فإني لم أعهد عدم استجابة دعائي.