كتب الإمام الأكبر في السنة

176 paragraphs · vol. 1, p. 365

Page 3 of 5

  1. عرّف الإمام فيها بصحيح البخاري مشيداً ومنوّهاً، واصفاً عناية علماء المسلمين به بقوله: "وقد انصرفَتْ عناية علمائنا إلى إيضاح معانيه، ومتابعة أغراضه، انصرافاً لا يعرف له نظير فيما صرفوا إليه الهمة من غيره حتى أغنوا الناظر، وشرحوا الخاطر، وعقدوا للعلم الأواصر. ولم يكن ما وضعه الإمام الأكبر بتأليفه هذا بقصد المسابقة أو المعارضة للشراح المتقدّمين، ولكنها آراء تخطر وملاحظات تظهر، وهو ماضٍ في رواية الصحيح، فتستوقف طَرَف الطَّرْف، وتستحث بياناً لذلك الحرف.

    vol. 1, p. 383
  2. فرأى صاحب التعليق تدوين ما حضره من خواطر بلمحات تدل الأريب، ولا يحار في توسّعها الرأي المصيب، تفادياً من التطويل، وإبقاء على الناظر صاحب الرأي الأصيل. وكانت طريقته في النظر الفسيح اجتناب تكرار التعاليق التي دوّنها في كشفه، ووضع الأحاديث والتعليقات مواضعها فيما تكرر وروده من ذلك في كتاب الجامع.

    vol. 1, p. 384
  3. فهو يتولّى الحديث بالشرح والتحرير في الباب الذي تتضمَّنُ معناه ترجمتُه، أو فيما هو مَظِنة لذكره فيه. ولا ينسى في آخر ديباجة الكتاب تقدير ما وقف عليه من الفوائد في كتاب المشارق لعياض وتضمين قدر منها في تقريراته. ثم هو بحكم تتبعه لكتب الجامع وأبوابه يجري على نسقه ولا يخالف ترتيبه. ويذكر ما يعنّ له من المسائل في محالها منه.

  4. وإذا كانت جملة أحاديث البخاري قد بلغت نحواً من ٢٧٦١ من الأحاديث الموصولة من غير المكررات والشواهد، فإن النظر الفسيح قد توقّف فيه المؤلف عند ستة وعشرين وأربعمائة موضع. اخترنا منها، للتعرّف على إفادته وتحريراته وضبطه وتقريراته، عشرة مواضع اعتبرناها كفيلة بتصوير طريقته. وقد وردت هذه المسائل في أحاديث عرضت فيها أو دلت عليها الموضوعات التي أراد الشيخ الوقوف عندها:

    * الأول: المقدمة التي وضعها المؤلف بين يدي كتاب التفسير.

  5. * الثاني: من كتاب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

  6. * الثالث: من باب كتابة الإمام للناس من كتاب الجهاد والسير.

  7. * الرابع: هي أحاديث باب ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعطي المؤلَّفة قلوبهم.

    vol. 1, p. 385
  8. * الخامس: حديث باب ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من المشركين بمكة.

  9. * السادس: الحجر.

  10. * السابع: باب {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} .

  11. * الثامن: حديث عائشة في باب نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها.

  12. * التاسع: حديث أفضل الذِّكر.

  13. * العاشر: فيما يكره من كثرة السؤال.

  14. [الأول: مقدمة كتاب التفسير في البخاري]

  15. وما ذكره المؤلف في بداية كتاب التفسير ليس تعليقاً أو بياناً، أو تحديد رواية أو مقارنة بين وجوه رواية، لذا أكتفِي بالإشارة إلى أن المؤلف أراد لشرف الموضوع أن يحدّد طريقةَ البخاري واصطلاحاتِه ومصادرَه وبعضَ روايات القراء لبعض الآي إرشاداً للقارىء وتنبيهاً للناظر. ونصُّ ما أورده في هذا المقام: اصطلح البخاري رحمه الله في كتاب التفسير على أن يخرج في تفسير كل سورة ما صحّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والسلف من معاني بعض الآيات، أو من أحكامها، أو نسخها، أو من أسباب نزولها.

  16. وربما افتتح كل سورة بتفسير غريب كلماتِها على حسب القراءة التي كان يقرأ بها البخاري، وهي قراءة عاصم بن أبي النجود. فهو

    vol. 1, p. 386لا يذكر قراءة غيره إلا قليلاً، ولا يلتزم في ترتيب كلمات القرآن مواقعها من الآي.

  17. وقد اعتمد فى تفسير غريب اللغة على أقوال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبي عبيدة معمر بن المثنى البصري اللغوي. وكل ما لم يعزُهُ فهو عن ابن عباس. ولذلك يكثر أن يقول: وقال غيره؛ من غير أن يتقدم ذكر ابن عباس.

  18. كما اعتمد في تفسير المعاني على ما يروى عن ابن عباس غالباً من رواية السدّي وعطاء وعلي بن أبي طلحة. ولم يتقصَّ القراءات، ولا ذكر الاختلاف بين القراء إلا نادراً (١) .

  19. الثاني: حديث عائشة - رضي الله عنها -، قالت: أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصالحة. ومنه: قول خديجة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتُكسب المعدوم، وتُقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق ... الحديث (٢) .

  20. موضع النظر والتعليق في هذا الحديث جملة: "وتُعِين على نوائب الحق" . يذكر المؤلف أنه لم يرد لها بيان شافٍ في شروح الصحيحين، وفي كتب غريب الحديث واللغة، وإنما هو بيان معنى النوائب والاقتصار عليه، دون ذكر لمعاني الحق، وللمناسب منها لهذا المقام، ومن غير التفات إلى إضافة النوائب إلى الحق أو شرح لذلك.

  21. وقبل أن يتدارك الأنقَاص التي ربّما احتاج إليها القارىء لِمَتْن البخاري أو الدارس لكتاب الصحيح، ذكر أن جملة: "وتُعين على نوائب الحق" مما جرى مجرى الأمثال في كلام العرب، يدل على هذا نظمها على إيجاز بالغ شأنَ الأمثال، وذكر ورودها على لسان ابن الدَّغُنَّة في حديث عائشة، قال يخاطب أبا بكر: إن مثلك لا يَخرج ولا يُخرج، فإنك تُكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق (١) .

    vol. 1, p. 387
  22. والحق هنا ضد الباطل، والمراد من النوائب المعنى الاسمي دون الوصفي. وإضافة النوائب إلى الحق من باب الإضافة المحضة. وعدّى لفظ الإعانة بعلى لإفادة الاستعلاء، وهو استعلاء مجازي. واسم النوائب يشعر بحوادث انتابت وجدّت. وبعد التمثيل لها بجملة من الصور قال: والتقدير: وتعينُ صاحب الحق على تحصيل حقِّه لمن عليه في نوازل الحقّ وتحصيله عند نوائبه (٢) .

  23. الثالث: حديث حذيفة - رضي الله عنه -، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اكتبوا لي من تلفّظ بالإسلام من الناس" . فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجل. فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة. فلقد رأيتُنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف (٣) .

  24. توقَّفَ الإمام عند خمسة أغراض في هذا الحديث:
  25. الغرض الأول: حصر عدد المسلمين؛ أي ما ينبغي أن تشتمل عليه القوائم. وقد أوضح ذلك بقوله: طلب النبي - صلى الله عليه وسلم - من الناس أن يكتبوا له جميع المسلمين من الرجال الذين بالمدينة خاصة دون الأعراب النازلين حولها، فأخرج بذلك النساء، مستدلاً على رأيه هذا بأدلة كثيرة مقنعة.

    vol. 1, p. 388
  26. الغرض الثاني: الإشارة إلى أن المقصود عدُّ من كان من المسلمين في وقعة الخندق داخل المدينة، فإنّ جميعهم كان في الجيش يدافع عن المدينة.

  27. الغرض الثالث: الإشارة إلى هول هذه الوقعة. وما مسّ فيها المؤمنين من أهوال. قال تعالى {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} (١) .

  28. الغرض الرابع: التنبيه على اختلاف راوييْ حديث حذيفة عن الأعمش في عدد المسلمين بالمدينة يومئذٍ. والظاهر أن سفيان عدّ جميع من تلفّظ بالإسلام، وعدّ أبو حمزة المقاتلة من المسلمين دون غيرهم.

  29. الغرض الخامس: بيان مقالة حذيفة: فلقد رأيتُنا ابتلينا، فهذا منه إشارة إلى ما كان من فتنة أهل مصر حين نزلوا المدينة في عهد عثمان ناقمين عليه. ونبّه الشيخ رحمه الله إلى أن شراح الصحيح افترضوا احتمالات غير واضحة لا بأس من الرجوع إليها (٢) .

  30. الرابع: حديث أنس - رضي الله عنه -، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأنصار: "إنكم سترون بعدي أَثَرَةً وأموراً تنكرونها" . وقال عبد الله بن زيد: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض" (١) .

    vol. 1, p. 389
  31. اشتمل هذا الباب على ستة أحاديث، هذا أقصرها، وتعدّدت محامله بالنظر إلى طرفيه أوله وآخره. ومورده، كما يدل عليه عنوان الباب، أن الأنصار رضوا على أن أعطى رسول الله رجالاً من قريش من فيء هوازن، غير أن فريقاً من حدثانهم كرهوا ذلك، ثم تبيّنوا الحق فآبُوا إلى الله ورسوله ورضوا بما فعله. وهذا الذي أعطاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - تألفاً لقريش كان من قسمه الخاص به، وهو خُمس الخُمس، كما يرى ذلك الإمامان مالك والشافعي.

  32. ولو كان من أصل الغنيمة لاستأذن الرسول المسلمين فيما هو من ملكهم، وراجع السهم. ونفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رؤساء القبائل والعشائر جائز، لما فيه من تقوية الإسلام وشوكته وأهله، وما فعله من ذلك لم يكن عبثاً ولا قدّره سدى بل هو عينُ المصلحة والحكمة والعدل والرحمة. وهذه الأثرة الأولى التي رضيها الأنصار غير طامعين من ورائها في شيء، ولكنه الإخلاص لله ورسوله ودينه، فاقتضت من الرسول أن يُوصيهم بالصبر على الدوام فيما يقضيه الله ورسوله.

  33. وقد اختُلف في الأثرة الثانية على أقوال، أظهرها أنها الخلافة آثر بها قريشاً، ووردت بذلك السنة، وادَّعاها كبار الصحابة يوم السقيفة، فلم يتردَّدوا في ذلك لكونها حقاً وليست من الباطل. فالصبر على ذلك صبر واجب، له دخل في الوفاء للدين والإخلاص لله ولرسوله.

  34. وقيل: ورد الحديث إيصاء من الرسول - صلى الله عليه وسلم - للأنصار بالصبر على الجور إن نزل بهم حرمانٌ من حقوقهم، وهذا صبر غير واجب. وقد ذيّل الإمام الأكبر نصَّ هذا الحديث بما نقله عن أنس من قوله: "فلم نصبر" . ولعل في هذا إشارة إلى ما كان بين الأنصار ويزيد بن معاوية من نزاع كانت عاقبته وقعة الحرّة.

    vol. 1, p. 390
  35. ولم يترك المؤلف هذا الفهم بدون نقاش. فقال: إن أنساً أخذ بعموم الأمر في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فاصبروا" على وجه الاحتياط. وهذا لا يصحّ، لكون الفعل لا عموم له، ولأن لفظ "أثرة" نكرة واردة في سياق الإثبات فلا تفيد عموماً، فالحمل على هذا حمل بعيد، ولا يعدُّ الأنصار مخالفين لما أمرهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

  36. ويمضي بعد هذا مؤكَّداً لمعنى الأثرة الثانية بأن القصد منها تخصيص المهاجرين بولاية الأمر من بعده. يشهد لذلك ما ورد من زيادة في حديث أنس في باب مناقب الأنصار: "قال: دعا النبي الأنصار إلى أن يُقْطِعَ لهم البحرين. فقالوا: لا، إلَّا أن تُقْطِعَ لإخواننا المهاجرين مثله. قال: إما لا، فاصبروا حتى تلقوني، فإنه سيصيبكم بعدي أثرة" (١) . وكان في ذلك منهم تعلق بما وصفهم به القرآن. فحرصوا على أن لا يُؤثَروا على المهاجرين بمزية. فجاء الحديث تذكيراً بمنقبتهم هذه خشية أن تحملهم الأنفة على منازعة المهاجرين فيما آثرهم الله به من ولاية الأمر بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - (٢) .

  37. [الخامس: باب ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - من المشركين بمكة]

    vol. 1, p. 391
  38. " ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن منصور، ني سعيد بن جبير قال: ني الحكم، عن سعيد قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى قال: سل ابن عباس عن هاتين الآيتين ما أمرهما؟ {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ} ، {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} . فسألت ابن عباس فقال: لما أنزلت التي في الفرقان قال مشركو أهل مكة: فقد قَتَلنا النفس التي حرّم الله، ودعونا مع الله إلهاً آخر، وقد أتينا الفواحش، فأنزل الله {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ ...} الآية. فهذا لأولئك، وأما التي في النساء: الرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قَتَلَ فجزاؤه جهنم خالداً فيها. فذكرته لمجاهد فقال: إلا من ندم" (١) .

  39. وتوقف الشيخ رحمه الله في هذا الحديث عند نقط ثلاث: تحقيق نسبة الآية الأولى، ووجه إدراج هذا الحديث بين أحاديث الباب، وتأويل ابن عباس للآية الثانية مع ما اقتضاه ذلك من تكلف عند القول في الآية الأولى.

  40. أما أولاً: فقد سها الراوي في هذا الخبر إذ أورد فيه ذكر آيتين سأَل عنهما ابنَ عباس: الأولى من سورة الفرقان، والثانية من سورة النساء. فجعل آية الفرقان: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا} (٢) . وهي من سورة الإسراء لا من سورة الفرقان. وهي غير مقترنة بذكر التوبة، فليست المسؤولَ عنها، إذ لا تعارض بينها وبين آية النساء، وإنما التي هي من الفرقان فقوله سبحانه:

    vol. 1, p. 392{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} (١) .