من فتاوى المجلة الزيتونية، وعددها ثمانية عشر

143 paragraphs · vol. 1, p. 425

Page 4 of 4

  1. في هذا الموضوع كلام مفصّل جليل لا يجوز أن يُنْحَرَف به إلى

    vol. 1, p. 452إباحة تعدد الزوجات أو منعه، وإنما هو الرخصة المقيّدة، تَحدَّثَ عن جميع ملابساتها الإمام الأكبر في تفسيره لقوله عز وجل: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} (١) . وبذلك تحصَّل القول الفصل من كلامه في مفردات عديدة قصدها الشارع أو نبّه عليها، نقف عند بعضها لمزيد البيان. فمن ذلك: أحوال وأحكام النكاح في الجاهلية والإسلام، وتحديد عدد الزوجات وتوزيعه، وأهداف التعدد، والعدل بين النساء، والاكتفاء بالواحدة والاقتصار عليها لمن لا يستطيع العدل بينهن، أشار إلى المقارنة بين ما كان عليه الزواج في الجاهلية وما جاء به الإسلام بقوله: قال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي وقتادة: كانت العرب تتحرَّج في أموال اليتامى ولا تتحرج في العدل بين النساء. فكانوا يتزوّجون العشرة فأكثر فنزلت الآية في ذلك. وعلى هذا القول فمحل الملازمة بين الشرط والجزاء إنما هو فيما تفرع عن الجزاء من قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} ... وقال عكرمة: نزلت في قريش. كان الرجل يتزوج العشر فأكثر، فإذا ضاق ماله عن إنفاقهن أخذ مال يتيمة فتزوج منه.

    وقال مجاهد: الآية تحذير من الزنى.

    vol. 1, p. 451
  2. وليس قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} إثباتاً لمشروعية النكاح، لأن الأمر معلّق على حالة الخوف من الجَور في اليتامى، فهو إذن للإرشاد. ومشروعية النكاح ثابتة بالإباحة الأصلية لما عليه الناس قبل الإسلام مع إبطال ما لا يرضاه الدين كالزيادة على الأربع، ونكاح المقت، والمحرّمات من الرضاعة، والأمر بأن لا يخلو النكاح من الصداق.

  3. وتعدّد الزوجات مع التوزيع مثنى وثلاث ورباع يكون باعتبار اختلاف المخاطبين في السعة والطَّوْل، والزيادة على الأربع محرّمة بالسنة تمهيداً لشرع العدل بين النساء. فقد قال - صلى الله عليه وسلم - لغيلان بن مسلمة حين أسلم على عشر نسوة: أمسك أربعاً وفارق سائرهن. وظاهر الخطاب للناس يعم الحر والعبد عند مالك، وهو قول أبي الدرداء، والقاسم بن محمد، وسالم، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومجاهد. وبه قال أبو داود خلافاً لأبي حنيفة والشافعي. وينسب التنصيف للعبد إلى عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وابن سيرين، والحسن.

    vol. 1, p. 453
  4. وإنما شرع تعدّد الزوجات للقادر العادل لمصالح جمة: منها تكثير عدد الأمة بازدياد المواليد فيها، ومنها كفالة النساء اللائي هن أكثر من الرجال عدداً، ومنها الحيدة عن الزنى الذي حرمته الشريعة لما يجر إليه من الفساد في الأخلاق والأنساب وانتظام العائلات، ومنها قصد الابتعاد عن الطلاق إلا للضرورة.

  5. والاقتصار على الواحدة حق لمن يخاف عدمَ العدل بين الزوجات، أي عدم التسوية بينهن في النفقة، والكسوة، والبشاشة، والمعاشرة، وترك الضر عن كل ما يدخل تحت قدرة المكلف وطوقه دون ميل القلب.

  6. وقوله: {فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} إشارة إلى الحكم الذي يسلم معه الإنسان من الجور. فإن التعدّد يعرّض المكلَّف إلى الجور، وإن بذل جهده في العدل لما في النفس من رغبات وغفلات. وهكذا يصبح الاقتصار على المرأة الواحدة ساداً لذريعة الجور، كما تتضمن الآية ترغيباً في الاقتصار على الواحدة تقليصاً للنسل وتقليلاً للنفقة فيبقيان على الزوج مالَه ويدفعان عنه الحاجة.

  7. وفي بيان هذه الأحكام وتقريرها في تفسير الإمام التحرير والتنوير ما يبطل تأوّلات المخالفين، وتقولات الملفّقين، ويدفع المؤمنين إلى الالتزام بشرع الله والعمل بكتابه وسنة رسوله (١) .

    vol. 1, p. 454
  8. [٧ - حكم التجنس أو فتوى التجنيس]

  9. التجنّس: الحصول على جنسية، وأصله فهو مطاوع للأول، والتجنيس والجنسية هي الصفة التي تلحق بالشخص من جهة انتسابه لشعب أو لأمة.

  10. وحكم التجنس، أو فتوى التجنيس، قضية شاعت في البلاد التونسية وشغلت الناس كلهم بداية من العقد الثاني للقرن العشرين. وسببها في حقيقة الأمر موقفان متناقضان متدافعان: موقف المحتل الأجنبي الفرنسي، وموقف المناضل المكافح التونسي.

  11. يدعو الأول إلى تكثير سواده في البلد بإدخال العناصر الكثيرة المتساكنة بتونس من إيطاليين ومالطيين ويهود وغيرهم في جنسيته ليكونوا فرنسيين، وفي صفه. ويفتح الباب على مصراعيه لتحويل السكان الأصليين العرب عن قوميتهم والإنعام عليهم بجنسية الحاكم المغتصب. وشرعت لهذه الغاية قوانين التجنس: الأول الصادر بتونس في ٣/ ١٠/ ١٩١٠، والثاني المؤرخ في ٢٠/ ١٢/ ١٩٢٠. ثم محاولة التجنيس بصفة أوسع وأشمل في ١٩٣٣ للسيطرة على كل المؤسّسات والهيئات النيابية وبالزيادة الملموسة في مرتبات حاملي الجنسية الفرنسية بتونس من أصحابها ومن الملحقين بهم.

  12. ويتولّى الثاني الدفاع عن بلده والذود عن حوضه وبذل كل الوسائل

    vol. 1, p. 455واستخدام كل طرق المقاومة والكفاح من أجل أن يبقى وطنه محافظاً على هويته، متميزاً بقيمه وعاداته وتقاليده، وعقيدته وشرعه ونظامه، غير قابل للاستلحاق ولا للذوبان في الغير مهما كان هذا الغير.

  13. وسبق كل تدبير كيدي من الفئة الأولى ما روّجته الفئة الثانية عن المتجنس من كونه مفارقاً للجماعة، فاراً من الأحكام الشرعية إلى الأحكام الأجنبية، مرتداً عن الإسلام، لا ينبغي أن يعامل معاملة المسلمين ولا أن يدفن في مقابرهم.

  14. وحين أيقن الفرنسيون بقصورهم عن تحقيق رغبتهم والوصول من وراء قوانين التجنيس إلى هدفهم قرروا استعمال الحيلة. وجرت مشاورات بين المقيم العام ممثل فرنسة، والباي حاكم البلاد، والوزير الأكبر للحكومة التونسية. وتقدم الجانب الفرنسي عن طريق الوزير الأكبر باقتراح استصدار فتوى في التجنيس من المجلس الشرعي بقسميه الحنفي والمالكي تسهيلاً لإقبال التونسيين على الدخول في الجنسية الفرنسية. ونص السؤال المطروح على المجلس الشرعي:

    إذا اعتنق شخص جنسية يختلف تشريعها عن أحكام الشريعة الإسلامية، ثمّ حضر لدى القاضي الشرعي ونطق بالشهادتين، وأعلن أنه مسلم، وأنه لا يرتضي غير الإسلام ديناً. هل يحق له طول حياته أن ينتفع بنفس الحقوق والواجبات التي يتمتع بها المسلمون؟ وهل يحق له بعد وفاته أن تُصلى عليه صلاة الجنازة، وأن يدفن في مقبرة إسلامية؟

  15. ما من شك في أن هذا السؤال قد تسرّب إلى أوساط كثيرة، ولمّا تقعِ الإجابة عنه من طرف فقهاء الشريعة، وقد أثار مع الغموض إشاعات عديدة منها: أن الحكومة (الفرنسية) ضغطت على المجلس الشرعي لإصدار فتوى موالية للمتجنسين ولفائدتهم، كما حملت الأنباء

    vol. 1, p. 456صحفَ المعارضة الصادرة يومئذٍ بالفرنسية: العمل التونسي، وصوت الشعب، وصوت التونسي، على إطلاق صيحة الفزع منذرة بأن الجنسية التونسية أصبحت مهدّدة بالخطر، وأن عملية التجنيس سوف تستشري بسبب ما روّجته العامة من احتفاظ المتجنّسين بحقوقهم كمسلمين.

  16. ومن ثم استطاعت الصحف الوطنية بواسطة الحملة الصحفية التي نظمتها إثارة الرأي العام التونسي، وبث روح المناهضة للمسلمين المتجنسين بصورة تكاد تكون جماعية. ومثل هذه الحملة التي أُسقط بها ما بأيدي الفرنسيين، وقضت بالانتصار عليهم، قد مسّت بشدّة وعنف أعضاء المجلس الشرعي، وبخاصة الإمام الأكبر، لترويج المعادين له والمتحاملين عليه بأنه كان متعاوناً مع الاستعمار وموالياً له في قضية التجنيس. وربما كان في مثل هذا التصرّف تخييب لآمال المستعمرين بما نتج عن هذا الموقف العدائي من فجوة عميقة وبُعدِ شقّة بين الأمة وقادتها العلماء، فلا ينفع المستعمر بعد ذلك الالتجاء إليهم، أو سدّاً لطريق انزلاق الفقهاء وراء استفتاء الإقامة العامة بما يعزّز موقفها ويكون حرباً على الحركة الوطنية وأصوات المعارضة.

  17. وجدَّت أحداث كثيرة فحيل بين المتجنسين وبين دفن موتاهم في مقابر المسلمين. وكان الإضراب العام الذي أغلقت بسببه الأسواق والمحلات التجارية يوم ١٤/ ١٢/ ١٣٥١ الموافق ٨/ ٤/ ١٩٣٣، احتجاجاً على ما تخيّلوه أو توقّعوه من صدور فتوى التجنيس أو فتوى توبة المتجنس عند المجلس الشرعي. وكان إضرابُ طلبة الجامع الأعظم عن الدروس. وانتشر الاستنكار الشعبي في أطراف البلاد، وتظاهرت جماهير المواطنين أمام قصر الباي بحمام الأنف إعراباً عن استيائها من فتوى التجنيس.

  18. وتضاربت السياسة الوطنية ودارُ الشرع بسبب ما لفّق من أخبار

    vol. 1, p. 457وادعي من تصرّفات لم تكن قائمة إلا في أذهان المتوهّمين والحمقى من الناس. وكادت تستعر نار الفتنة بين أفراد طبقات الشعب. وتحوّل الصراع فيما بين المستعمر والمواطنين إلى ما كاد أن يقضي على وحدة الشعب وتماسك طبقاته وأفراده. وما هي إلا فترة حتى رفع الحجاب عن حقيقة تلك الفتوى، وظهرت للتونسيين فتوى عامة تحملُ في سطورها ونصوصها مواقف التأييد والمناصرة للشعب، والرفض لما كان يلتمسه المستعمر من الشيوخ من تيسير التجنيس وتسهيل أمره، بضمان حقوق للمتجنسينَ قد تنازلوا عنها بتجنّسهم وابتغائهم الانتساب إلى أمة غير أمتهم ووطن غير وطنهم.

  19. وشاهدُ ذلك أولاً ما أجاب به فقهاء الحنفية بالإثبات في جواب مختصر على صيغة الاستفتاء المذكور أعلاه. واختلفت فتوى الدائرة المالكية عن فتوى الدائرة الحنفية إذ أضافت إلى وجوب النطق بالشهادتين لدى القاضي الشرعي التصريحَ في الوقت نفسه بأن (المتجنس) يتخلّى عن الجنسية الجديدة التي اعتنقها. وتضيف فتوى المالكية في تقرير مونصورن: ولا يهم كثيراً بعد ذلك لو احتفظ بالجنسية التي اعتنقها وبقي خاضعاً لقوانينها إذا ما تعذر عليه التخلّص منها. وزاد أحد أعضاء المجلس الشرعي من المالكية: ينبغي أن تتمثل توبة المتجنس في الإقلاع عن الامتيازات التي تحصّل عليها بموجب جنسيته الجديدة.

  20. وعقَّب صاحب التقرير على هذين النصين من فتوى الأحناف وفتوى المالكية بقوله: لكن فتوى المالكية تجعل من المستحيل الإقدام على نشرهما. وفي هذا تبرئة للعلماء مما ألحق بهم، وتجنيب لهم مما وُصِمُوا به. وهذه شهادة من خَصمٍ لم يتمكن من الاستفادة من فتوى التجنيس أو ردة المتجنس، فأسرّها ولم يعلنها إلا في

    vol. 1, p. 458التقرير الذي رفعه إلى وزير الخارجية الفرنسي في ذلك العهد.

  21. وكما جاءت الشهادة بهذه البراءة وبالتقيّد بالملة والدين آل رجال الشرع على أنفسهم قولَ الحق وخدمةَ دينهم. فظهر الجواب حول جواز ردة المتجنّس بشروط ذكروها استحال معها استغلال هذه الفتوى حسب المصادر الاستعمارية نفسها (١) . ويضيف د. الغالي: ولكن الإشاعة الكاذبة روّجت لهذه الفتوى ونسبتها للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور للنيل من منزلته العلمية، وتعطيل جهوده الإصلاحية، والحدّ من إشعاعه (٢) .

  22. [٨ - الإفطار في رمضان]

  23. مثلما كانت الفتوى السابقة صراعاً مع الاستعمار وتمت بإذن الله الغلبة عليه. فإن هذه الفتوى كانت مواجهة للنظام في البلاد. ذلك أن الرئيس بورقيبة دعا الشعب التونسي إلى تعطيل فريضة الصيام، متعلّلاً بأن الشعب محتاج إلى مزيد بذلِ الجهدِ للتنمية والتقدم بالبلاد، واعتبر ذلك جهاداً أكبر يخرج به الشعب من التخلّف، ومن ثم فإنّ عليه مقاومة الكسل والخمول الذي يزيد بالصيام. ومن أجل ذلك حُمل الشعب على الإفطار ليقوى على عدوّه. وطلب الرئيس من الإمام الأكبر الإدلاء بتصريح في هذا الشأن، فقام رحمه الله بالإعلان في الإذاعة بأن الصوم ركن من الأركان الخمسة الأساسية للدين، وأن الإفطار لا يجوز إلا لأعذار حددها الشرع لا يمكن تجاوزها، وأن من أفطر متجاوزاً ما حدده الشرع فإن عليه القضاء والكفارة.