من فتاوى المجلة الزيتونية، وعددها ثمانية عشر
143 paragraphs · vol. 1, p. 425
Page 3 of 4
- vol. 1, p. 442
دلالة الحساب الذي يضبطه العلماء بسير النجوم: وهو علم لا يتطرق قواعدَه الشكُّ، وحساب تحققت سلامته من الغلط، ويسمى هذا الحساب تقويماً. وجرى العمل به في التقويم الشمسي قديماً وحديثاً، واتبعه المسلمون في تحديد أوقات الصلوات، وأوقات الإمساك والإفطار في رمضان. والتقويم القمري مثله ولا يختلف عنه، وقد جَرَّبَه العرب إلا أن فقهاء المذاهب الأربعة منعوا العمل في إثبات الشهر الشرعي بحساب المنجمين وأهل التقاويم، ويبدو أن هذا الموقف كان بسبب أن وجود الهلال لم يكن يعرف في العصور الماضية سوى بالرؤية. لذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فاقدروا له" . ويتعين أولاً أن نلاحظ خلو متن الحديث من صيغة قصر الصوم على حالة رؤية الهلال. وقياس حساب المنجمين على رؤية الهلال قياس جلي.
- vol. 1, p. 443
والملاحظ ثانياً أن رؤية العين تتعذر بعد مضي ساعات من تكوين الهلال، وبعد خروجه من بقايا شعاع الشمس عند الغروب، يكون حساب التقويم أولى منها، وربما احتاج ضعفاء البصر إلى الاستعانة على الرؤية بوضع نظارات ولكن النظارات متفاوتة في تقريب المرئي، فليس سواء النظارات العادية والمنظار المكبّر والتليسكوب. وغني عن ذلك التقويمُ لأنه طريق علمي يكسب الظن القريب من القطع بثبوت الهلال. وإذا كان الشرع قد اعتمده في ضبط أوقات الصلاة فلا وجه لترك قياس وقت ثبوت شهر الصوم على الصلاة، إذ لا فرق بينهما إلا بأوصاف طردية لا تؤثر في الإجراء الشرعي.
-
واحتج الفقهاء على عدم اعتماد الحساب الفلكي بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إنا أمة أميّة لا نكتب ولا نحسب. الشهر هكذا وهكذا" . وهذا لا يمنع من اعتماد التقويم لكون الحديث من قبيل مسلك الإيماء إلى علة قياس الحساب على رؤية الهلال بالبصر. ومعلوم أن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً. هذا وإن للناس غنية عن اعتماد الحساب واعتماد المراصد الفلكية في أشهر بلاد الإسلام.
-
[القاعدة الثانية]
-
اعتبار فقهاء المذاهب الأربعة أنه إذا رؤي الهلال نهاراً فهو لليلة القادمة بدون تفصيل. وإذا رؤي ليلاً فذلك بداية الشهر القمري في البلد الذي رؤي به الهلال، وفي كل بلد يشاركه في الليل. فبداية اليوم على هذا تكون بغروب الشمس لا بطلوع الفجر. وعلى هذا الأساس يكون ثبوت الصوم والفطر.
- vol. 1, p. 444
[القاعدة الثالثة]
-
عند تعارض الرؤية مع الحساب، يقدم الحساب وترد الرؤية بالاستبعاد العادي إذا كانت بصرية. ذكر فقهاء المالكية أن مخالفة التقويم للشهادة موجب رد الشهادة في غير شهادة رؤية هلال الشهر الشرعي، فهو لا يوجب رد شهادة رؤية هلال الصوم وهلال الفطر. وللشافعية في هذا قولان، اختار السبكي رد شهادة الرؤية بتلك المخالفة (١) لأن الحساب قطعي والرؤية ظنية. وكلام فقهاء الحنفية غير صريح ولم أقف على قول الحنابلة.
-
وبعد استعراض المذاهب في المسألة قال الشيخ ابن عاشور: الوجه الشرعي في نظري رد الشهادة باستبعادها كما في مختصر خليل. والقول بذلك يستند إلى أصل وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يشهد حضري على بدوي" ولا شك أنه لو ادَّعَى شاهدان أنهما رأيا الهلال في مكان غيّم الغيم سماءه أن لا تقبل شهادتهما. وفي شهر الحج تكون رؤية هلال ذي الحجة بواسطة المرصد، ويعتبر بحالة مكة وما حولها، لأن الحج عبادة يقوم بها الحجيج الذين يحلّون بمكة، فمبدأ تلك العبادة هو الشهر الذي كان مبدؤه بمكة.
-
وقد جاء قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة ١٨ (٦/ ٣) ينص على أمرين:
أولاً: إذا ثبتت الرؤية في بلد وجب على المسلمين الالتزام بها ولا عبرة لاختلاف المطالع لعموم الخطاب بالأمر بالصيام والإفطار.
-
ثانياً: يجب الاعتماد على الرؤية، ويستعان بالحساب الفلكي
vol. 1, p. 445والمراصد، مراعاة للأحاديث النبوية، والحقائق العلمية (١) .
-
[٣ - حكم قراءة القرآن عند تشييع الجنازة وحول الميت وحول قبره عند دفنه]
-
ورد هذا السؤال على الشيخ ابن عاشور طلباً لبيان حقيقة هذا الأمر وتطلعاً إلى وجه الحكم فيه. فكتب يقول أولاً:
إن السنّةَ في المحتضِر، وفي تشييع الجنازة، وفي وقت الدفن هي الصمت للتفكر والاعتبار. فإذا نطق الحاضر فليكن نطقه بالدعاء للميت بالمغفرة والرحمة. فإن دعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب مرجوّة الإجابة. وأما قراءة القرآن على الميّت حين موته، أو حين تشييع جنازته، وحين دفنه فلم تكن معمولاً بها في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وزمان الصحابة، إذ لم ينقل ذلك في صحيح السنّة والأثر، مع توفر الدواعي على نقله لو كان موجوداً، إلا الأثر المروي في قراءة سورة يس عند رأس الميت، على خلاف فيه. ولهذا كان ترك القراءة هو السنّة، وكان أفضل من القراءة في المواطن الثلاثة المذكورة.
-
وبعد هذا التقرير الذي لا يدفعه دافع ولا يردّه منكر، التفت الشيخ إلى بيان حكم من فعل ذلك. وهذا القسم من الإجابة هو المبحوث فيه على الحقيقة والمختلف عليه. فجاء في الجزء الثاني من فتواه قوله: وحينئذٍ تكون قراءة القرآن في تلك الصورة إما مكروهة، وإما مباحة غير سنة فتكون مندوبة، وإما مندوبة في بعضها دون بعض.
-
وفي ختام هذه الفتوى ورد قوله: وعليه فكل من يتصدّى لمنع
vol. 1, p. 446أقارب الأموات من تشييع جنازتهم بالقراءة فقد أنكر عليهم بغير علم، واجترأ عليهم بالتدخل بدون سبب يحق له ... فإن هم تجوزوا ذلك، فحق على ولاة الأمور في البلدان أن يدفعوا عن أهل المأتم عادية من يتصدى بزعمه لتغيير المنكر دون أن يعلم. وتفصيل القول في ذلك يعود أولاً إلى ما يشترط في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من خصال تقتضي أن يكون رفيقاً بما يأمر، رفيقاً بما ينهى، وعدلاً بما يأمر، عدلاً بما ينهى، وعالماً بما يأمر، عالماً بما ينهى (١) .
-
فإن لم يقدر الداعي على القيام بواجب الدعوة إلا بمقاتلة وسلاح فليتركه. وذلك إنما هو إلى السلطان، لأن شهره للسلاح بين الناس قد يكون مخرجاً للفتنة، وآيلاً إلى فساد أكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢) . وإلى هذا المعنى أشار بعض المفسّرين حين قالوا: لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. والذي يقرر هذا المعنى هو مدلول النص القرآني ذاته. فهناك دعوة إلى الخير، ولكن هناك كذلك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان فإن الأمر والنهي لا يقوم بهما إلا ذو سلطان.
-
وقد عزز الإمام الأكبر هذه المعاني بقوله: وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط مبيّنة في الفقه والآداب الشرعية، إلا أني أنبّه إلى شرط أساء فهم بعض الناس له، وهو قول بعض الفقهاء: يشترط أن لا يجرّ النهي إلى منكر أعظم. ولما كان تعيين الكفاءة
vol. 1, p. 447للقيام بهذا الفرض في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومراتب القدرة على التغيير وإفهام الناس ذلك، رأى أئمة المسلمين تعيين ولاة للبحث عن المناكر وتعيين كيفية القيام بتغييرها وسمّوا تلك الولاية الحسبة (١) .
-
وقد أثارت هذه الفتوى كسابقتيها جدلاً قوياً ونزاعاً عنيفاً ومهاجمة للإمام الأكبر في علمه وورعه والتزامه المنهج العلمي في تقريره، وسلقته أقلام جريدة البصائر الجزائرية بألسنة حداد (٢) .
-
وإنا لنعجب من هذا كله خصوصاً إذا تأمّلنا المحاور الثلاثة التي جمعها هذا النص، وقدّرنا ما في التحامل على صاحب الفتوى من تعصّب وعناد، دفعت إليهما ظروف المعركة الإصلاحية بالجزائر، وقامت على اتجاهاتها حركتُهم.
-
[٤ - إحرام المسافر إلى الحج في المركبة الجوية]
-
تردّد النظر في إلحاق حكم راكب الطائرة وحكم راكب السفينة إذا كان محل نزوله بأرض الحجاز متجاوزاً ميقات الإحرام المعيّن من طرف أهل الفقه.
-
والأصل المعتمد في ذلك هو ما رواه ابن نافع عن مالك: لا يُحرِم الحاج في السفينة. وهذا يحتمل وجوب النزول إلى الميقات. وفيه مشقّة ينبغي نفيها عن الدين. ويحتمل أن يريد أنه يرخص له تأخير الإحرام إلى النزول إلى الأرض.
- vol. 1, p. 448
وما رواه أيضاً في النوادر عن محمد بن المواز. قال مالك: من حج في البحر من أهل مصر وشبههم، يحرم إذا حاذى الجحفة. اهـ. وظاهره أن ذلك حكم إحرامه، ولا يجوز له تجاوز سمت المحاذاة غير محرم بالنيّة والتجرد من مخيط الثياب.
-
وفصّل سَنَد فقال: إن كان المسافر في البحر محاذياً للبر، مثل السفر في بحر القلزم، أحرم إذا حاذى ميقات أفقه، لأنه يمكنه النزول إلى البر ليحرم من ميقاته - أي بدون مشقة، لأن البر قريب - ويجوز تأخير الإحرام للمشقّة، لكن عليه هدي لأن التأخير رخصة، والرخصة تدفع الإثم في التجاوز ولا تسقط وجوب الهدي.
-
وأما من سافر في بحر لا يحاذي الشواطىء، مثل بحر الهند وبحر اليمن وبحر عيْذاب، فيجوز له تأخير الإحرام ولا هدي عليه، لأنه إذا جاز له التأخير انتفى وجوب الهدي، حتى يدل دليل على وجوب الهدي مع جواز التأخير، ولا دليل عليه. فلا يحرم حتى يصل إلى البر، إلا أن يخرج على البر أبعد من ميقات أفقه. اهـ. ووافقه القرافي في الذخيرة، وابن عرفة، والتادلي وابن فرحون في شرح ابن الحاجب وفي مناسكه. قال الحطاب: وشاهدت الوالد يفتي به غير مرة. اهـ.
-
وبعد ذكر المراجع المعتمدة التي أكدت رأي سند ووافقته تخلّص الإمام الأكبر إلى ذكر فتواه قائلاً: الحق أنه لا يحرم حتى ينزل إلى البر، لأن تكليف النزول في أثناء السير لأجل الإحرام مشقة، وتكليفهم الإحرام في السفينة مشقة أيضاً لطول مدة التجرد ولوازم الإحرام.
-
أما المسافر في الطائرة فهو لا يمر بالأرض أصلاً، ولا يتصور
vol. 1, p. 449فيه إمكان النزول قبل الوصول إلى المنازل الملائمة لنزول الطائرة، فلا يتصور فيه إمكان النزول حتى يرخص له التفادي عنه بالإحرام في الطائرة، ولأن الإحرام في الطائرة مشقة ومضرّة، لشدة برودة الجو، ويحتاج إلى التدثر بالثياب، وفي الغالب لا يوجد في ثياب الإحرام ما يصلح للتدثر.
-
وأما موقع الإحرام في صورة من لا يحرم حتى ينزل إلى البر، ففي شرح الحطاب عن سند: لا يرحل الحاج عن جدة إلا محرماً، لأن جواز التأخير إنما كان للضرورة، وهل يحرم إذا وصل البر، أو إذا ظعن من جدة؟ الظاهر إذا ظعن، لأن سنة من أحرم وقصد البيت أن يتصل إهلاله بالمسير. اهـ. (١) .
-
٥ - وجهُ تحريم وصل الشعر أو الباروكة
هذه قضية لم يسأل عنها الإمام الأكبر ليفتي فيها برأي، وإنما هي من الموضوعات التي تناولها في تفسيره (٢) ، ونبّه عليها في مقاصده (٣) .
-
وقد اشتهرت بين الناس الأحاديث الخمسة التي صدّر بها ابن حجر تفسيره للباب ٨ باب وصل الشعر، من الكتاب ٧٧ كتاب اللباس من فتح الباري (٤) .
-
وهي حديث معاوية الذي يقول فيه: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
vol. 1, p. 450ينهى عن مثل هذا (أي وصل الشعر) . ويقول: "إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم" ، يشير إلى ما في وصل الشعر بقَصة منه من التزوير.
-
وحديث أبي هريرة: "لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة" .
-
وحديث عائشة: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن جارية من الأنصار تمعط شعرها فقالت: أَفَنَصِلُها؟ فأنكر النبي عليها ذلك.
-
وحديث أسماء بمعنى السابق، وكذا حديث ابن عمر.
-
وقد استنبط الفقهاء من الحديث الأول حكم وصل الشعر واختلفوا في ذلك مذاهب متعددة:
قال الجمهور بمنع وصل الشعر بشيء آخر سواء كان شعراً أم لا.
وقال الليث: الممتنع من ذلك وصل الشعر بالشعر.
-
وعن سعيد بن جبير: لا بأس بالقرامل.
-
وفرّق بعضهم بين ما إذا كان ما وصل به من الشعر من غير الشعر مستوراً بعد عقده مع الشعر، وبين إذا ما كان ظاهراً. فمنع الأول فقط قوم لما فيه من التدليس، وأجاز بعضهم الوصل مطلقاً سواء كان بشعر آخر أو بغير شعر إذا كان بعلم الزوج وإذنه (١) .
-
ودلت الأحاديث الأربعة الأخرى على حرمة وصل الشعر للفاعل والمفعول به. واعتبر العلماء ذلك النهي نهيَ تحريم لا نهي تنزيه.
-
ويقابل هذه الآراء أو بعضها ما جاء في كلام عائشة من أن
vol. 1, p. 451المراد بالواصل المرأة تَفْجُر في شبابها ثم تصل ذلك بالقيادة (١) . قال الشيخ ابن عاشور: وقد كانت تتخذ من هذا التزيين سمة لها، وجرت العواهر والمشركات على ذلك. وإلا فلو فرضنا هذه منهياً عنها لما بلغ النهي إلى حد لعن فاعلات ذلك. وليس من تغيير خلق الله التصرفُ في المخلوقات بما أذن الله فيه، ولا ما يدخل في معنى الحُسن ... وملاك الأمر أن تغيير خلق الله إنما يكون إثماً إذا كان فيه حظ من طاعة الشيطان (٢) .
-
وإذا عدنا إلى مقاصد الشريعة وجدنا الإمام الأكبر يقول في سياق حديثه في هذا الموضوع: ومن معنى حمل القبيلة على عوائدها في التشريع إذا روعي في تلك العوائد شيء يقتضي الإيجاب أو التحريم يتضح لنا دفع حيرة وإشكال عظيم يعرض للعلماء في فهم كثير من نهي الشريعة عن أشياء لا تجد فيها وجه مفسدة بحال مثل تحريم وصل الشعر للمرأة، وتفليج الأسنان، والوشم في حديث ابن مسعود ... فإن الفهم يكاد يضلّ في هذا، إذ يرى ذلك صنفاً من أصناف التزيّن المأذون في جنسه للمرأة ... فيتعجب من النهي الغليظ عنه. ووجهه عندي الذي لم أر من أفصح عنه أن تلك الأحوال كانت في العرب أمارات على ضعف حصانة المرأة. فالنهي عنها نهي عن الباعث عليها أو عن التعرض لهتك العرض بسببها (٣) .
-
[٦ - تعدد الزوجات]