الآثار الأدبية

539 paragraphs · vol. 1, p. 531

Page 1 of 14

  1. إنها لكثيرة وكثيرة جداً. تنبع من عناية الإمام الأكبر باللغة وعلوم العربية وعلوم البلاغة. ومن واسع حفظه للأشعار، ومن اهتمامه المستمر بتقييد الشوارد والفرائد مما يقف عليه في مطالعاته. حاولنا حصر هذه الآثار فبدأنا بتقسيمها إلى أربع مجموعات:

    الأولى: ما عُني به من القصائد المفردة. وهما قصيدتان: شرحه لمعلقة امرىء القيس الذي ما يزال مخطوطاً، وتحقيقه لقصيدة الأعشى الأكبر في مدح المحلق (١) .

    vol. 1, p. 531
  2. الثانية:
  3. ١ - جمع وتكميل وشرح لديوان سحيم عبدِ بني الحسحاس. مخط.

  4. ٢ - قطع من ديوان الحماسة. مخط.

  5. وإلى جانب هاتين المخطوطتين أخرجت له دور النشر كتابين هامَّين هما:

    ٣ - ديوان النابغة (٢) .

  6. ٤ - ديوان بشار بن برد (٣) .

  7. الثالثة: قَصَرَهَا المؤلف على المتنبي. وهي خمسة كتب:
  8. ١ - شرح القرشي لديوان المتنبي. مخط. ليس للشيخ عمل فيه.

  9. ٢ - مراجعات في معجز أحمد لأبي العلاء المعريّ. مخط.

  10. ٣ - مراجعات في اللامع العزيزي. مثله. مخط.

    vol. 1, p. 532
  11. ٤ - تحقيق الواضح في مشكلات شعر المتنبي لأبي القاسم الأصبهاني (١) .

  12. ٥ - تحقيق سرقات المتنبي ومشكل معانيه لابن السراج (٢) .

  13. الرابعة: مؤلفاته الأدبية والنقدية:
  14. ١ - شرح المقدّمة الأدبية التي وضعها المرزوقي بين يدي شرحه لديوان الحماسة (٣) .

  15. ٢ - شرح وتعليق على قلائد العقيان للفتح ابن خاقان وعلى شرح ابن زكور له (٤) .

  16. واعتباراً لصعوبة الوقوف على المخطوطات من هذه الآثار، وهي بدون شك تحتاج إلى وقت وصبر وبحث، نكتفي في هذا المقام بالتعريف بما هو مطبوع منها.

  17. ففي المجموعة الأولى:

  18. جمع وتعليق على قصيدة الأعشى الأكبر:
  19. وهو رسالة صغيرة تقع في نحو ٣١ صفحة مع ملحق تكميلي لها في ٧ صفحات.

  20. قصيدة الأعشى الأكبر في مدح المحلّق

    الأعشى أبو بصير ميمون بن قيس بن جندل مِن بكر بن وائل. كان من فحول الشعراء، ويدعى بصناجة العرب لجودة شعره. فخّم أبو عمرو بن العلاء من شعره، وعظّم محلّه. فقال: شاعر مُجيد، كثير الأعاريض والافتنان. ونصح عبد الملك بن مروان مؤدب أولاده، وقال له: أدِّبْهم برواية شعر الأعشى فإنه - قاتله الله - ما كان أعذب بحرَهُ وأصلَبَ صَخْرَه (١) .

    vol. 1, p. 533
  21. مدح الأعشى المحلّق عبد العزى بن حنتم الكلابي بقصيدة بديعة على روي القاف. نوّه الأدباء بشأنها في الفصاحة والبلاغة. حامت ميامن طيرها ببيت المحلّق ذاك الفقير المعدم المئناث فكانت سبباً في نباهة ذكره بعد خمول، وفي إيراق غصن مجادته بعد ذبول، وخطب أمجادُ العرب بناته الثمان بعد أن نسجت عليهم عناكب النسيان (٢) .

  22. وبهذه القصيدة أبيات أشتات من شواهد العربية، ومقطّعات النوادر الأدبية. قال الإمام الأكبر: كنت منذ زمان عُنيت بجمعها من

    vol. 1, p. 534متفرّق كتب اللغة والعربية والأدب: فمن الصحاح والقاموس والتاج إلى الخزانة وقواعد المطارحة وشواهد المغني وثمار القلوب، ومن كتب العربية هذه إلى كتب التفسير كالبيضاوي بحاشية الشهاب، والكشاف وشواهده، إلى كتب الأدب كالأغاني والعمدة، والكامل، والبيان، وجمهرة أشعار العرب، وشرح البردة لابن عاشور الجدّ، وشرح عياض لحديث أم زرع، ومروج الذهب، وأمالي الشريف المرتضى.

  23. وإنما أغفل من مصادر قصيدة الأعشى رواية ثعلب لديوان الأعشى الموجودة بالأسكوريال وديوان الأعشى لحاير، وشرح ديوان الأعشى لمحمد بن حبيب، وشرح ديوان الأعشَى الأكبر لمحمد محمد حسين لتعذر وقوفه عليها. وإن كان الديوان قد طبع (١) لكن بعد فراغ مؤلفنا من جمعه وتحقيقه لقصيدة الأعشى في المحلّق.

  24. وشيخنا الجليل، في سعيه الحميد هذا، يصف عمله في قصيدة المحلّق ومراحل جمعه وترتيبه لأبياتها، منبّهاً على الغاية الشريفة التي كان يرمي إليها من وراء هذا الجهد: "وقد كنت منذ زمان عنيت بجمعها من متفرّق كتب العربية والأدب، حتّى أوشكت أن أظفر بكمالها أو ظفرت، لأني رأيت في خزانة الأدب للبغدادي أبياتاً تسعة منها. ثم قال: وبقي بعد هذا أكثر من ثلاثين بيتاً ... فلما بلغ ما جمعته منها واحداً وأربعين بيتاً، وغلب على ظنّي أني قد استقصيتها رأيت إثباتها ونشرها والتعليق عليها خدمة للأدب العربي الذي هو مفخر لساننا، وزهرة روضنا من البلاغة وثمر بستاننا. ورتبت ما

    vol. 1, p. 535جمعته من الأبيات على حسب انتساب معانيه، مع التنبيه على مواضيع مُتفَرِّقِها لأكفي المؤونة لمعانيه".

  25. واليوم، وقد نشر الديوان، رجعنا إلى طبعة دار الكتاب العربي مقارنين بين نصّ القصيدة بها وهو ٦٢ بيتاً مع النص الذي جمعه وحققه الشيخ ابن عاشور وهو مع ملحقه ٤٦ بيتاً. وطبيعي أن تكون الأبيات مختلفة الترتيب بينهما، فوضعنا جدولًا للتعريف بهذا والمقارنة. واكتفينا هنا بأبيات الخزانة مثالًا على ذلك. فأحببنا أن نقف بالخصوص على الأبيات التي كانت منطلق بحث الشيخ عن هذه القصيدة، ورجعنا إلى الخزانة للبغدادي لاعتداده بها، ومحاولته تكميل ما جاء فيها من أبيات.

  26. ذكر البغدادي بيتاً شاهداً منها: ٣/ ٢٥٢، ٢٥٤:
  27. ٦/ ٤٨ وإنَّ امرأً أسرى إليكِ ودونه ... من الأرض مَوْمَاةٌ وبيدا سَمَلَّقُ

    على ورود الجملة: ودونه من الأرض موماة، حالًا لا الظرف وحده. وطالع القصيدة:

    ١ - ١/ ١ أَرِقْتُ وما هذا السهاد المؤرِّق ... وما بيَ من سُقْمٍ وما بيَ مَعشَقُ

  28. وبيتين آخرين هما:
  29. ٧/ ٤٩ لَمَحقوقةٌ أن تستجيبي لصوته ... وأن تعلمي أن المُعانَ موفّق

    ١٥/ ٢٣ تريك القذى من دونها، وهي دونَه ... إذا ذاقها مَن ذاقها يتمطّق (١)

  30. وذكر فيها شاهداً: ٥/ ٢٩١، ٣٨٧. وهو بيتان: أولهما الشاهد ٢٠٤ في جواز التأكيد بالضمير المنفصل في الصفة الجارية على غير من هي له، إذا أمن اللبس عند الكوفيين.

  31. والبيت الذي يليه: ٧/ ٤٩.

    vol. 1, p. 536
  32. وقد أضاف لهذين البيتين ص ٢٩٣ عشرة أبيات منها الشاهدان. ونحن نذكرها مع اختلاف روايتها بين المصدرين: الجمع والتحقيق وبين الديوان دون إشارة إلى التعاليق عليهما لضيق المكان.

    ب، ع ٢٤ وخَرْقٍ مُخُوفٍ قد قطعتُ بِجَسْرةٍ ... إذا خبّ آلٌ وسْطَه يترقرق

    ٢٥٢ وخَرق مخُوف قد قطعت بجسرة ... إذا خبّ آل فوقه يترقرق

    ب، ع ٣، د ٢٦ هي الصاحب الأدنى، وبيني وبينها ... مَجوفٌ علافيٌّ وقطعٌ ونُمرُقُ

    ب، د ٢٧ وتصبح من غبّ السُّرى وكأنّما ... ألمّ بها من طائف الجن أولقُ

    ع ٥ وتصبح من غبّ السُّرى وكأنها ... ألمّ بها من طائف الجن أولقُ

    ب، ع ٦ وإن امرأ أسرى إليكِ ودونه ... من الأرض موماة وبيداء سملق

    د ٤٨ وإن امرأ أسرى إليكِ ودونه ... فيافٍ تنوفاتٌ وبيداء خيفق

    ب، د ٤٩ لمحقوقة أن تستجيبي لصوته ... وأن تعلمي أن المعانَ موفّق

    ع ٧ لمحقوقة أن تستجيبي لصوته ... وأن تعلمي أن المُعاني موفّق

    ب، ع ٨ وكم دونه من حَزْنِ قُفٍ ورَمْلَةٍ ... وسَهب به مستوضحُ الآل يبرق

    د ٣٦ وكم دون ليلى مِن عدو وبلدة ... وسَهب به مستوضحُ الآل يبرق

    ب، ع ٩ وأصفر كالحِنَّاء ذاوٍ جِمامُه ... متى ما يذقه فارطُ القوم يبصُق

    د ٤٧ وأصفر كالحناء طامٍ جِمامه ... متى ما يذقه فارط القوم يبصق

    ب، ع ٣٣ به تُنفض الأحلاسُ في كل منزل ... وتعقد أطراف الحبال وتُطلق

    د ٤٣ به تُنفض الأحلاس في كل منزل ... وتعقد أنساع المطي وتُطلق

    ب، د ٤٢ ولا بدّ من جار يُجير سبيلها ... كما سلك السَّكِّيُّ في الباب فيتق

    ب، ع ١٠، د ٥٠ ولا بدّ من جار يجيز سبيلها ... كما جَوَّزَ السَّكِّيُّ في الباب فيتقُ

    vol. 1, p. 537[ديوان النابغة الذبياني]

  33. أما المجموعة الثانية من آثار الإمام الأكبر الأدبية فهي ما جمعه وحقّقه وأكمله وشرحه وعلق عليه من الدواوين. وإن لهذه المجموعة لصلة وعلاقة بالمجموعة الأولى قبلها. ونكتفي في هذا المحل بالوقوف عند ديوانين:

    أولهما ديوان فحل من فحول الطبقة الأولى من المقدّمين، منزلته بعد امرىء القيس، ويلتقيان في نفس الطبقة مع زهير والأعشى. وهو النابغة الذبياني.

  34. وثانيهما من كان في الرتبة الأولى من المُحْدَثين من الشعراء المُجيدين. وهو بشار بن برد.

  35. النابغة الذبياني:
  36. أما النابغة فهو زياد بن معاوية بن سعد بني ذبيان. ويكنّى أبا أمامة وأبا عقرب بابنتين كانتا له، كما ذكر ذلك البغدادي. وإنما دعي بالنابغة لقول النقاد في تقديم شعره: نبغ بالشعر بعد ما احتنك، وهلك قبل أن يهتر. يريدون أن مادة الشعر لديه لا تنقطع كمادة الماء النابغ. وقيل: لقوله من قصيدة:

    وحلّت في بني القَينِ بن جَسر ... فقد نبغت لنا منهم شؤون

    وقال رجالُ هذا الفن في وصف روائعه الشعرية التي تميّز بها:

    vol. 1, p. 538أحد فحول شعراء الجاهلية، أحسنُهم ديباجة شعر، وأكثرُهم رونق كلام، وأجزلُهم بيتاً، كأنّ شعره كلام ليس فيه تكلّف.

  37. وذكر بشار بن برد، وهو المِفَنُّ بين رجال عصره قال: أجمع أهل الحجاز على تقديمه وتقديم زهير على غيرهما من الشعراء. ولعل من روائع شعره ما فضّله به الشعبي على الأخطل في مجلس عبد الملك بن مروان. وذلك قوله:

    هذا غلام حسن وجهه ... مستقبل الخير سريع التمام

    للحارث الأكبر والحارث الأصـ ... ـغَرِ والأعرج خير الأنام

    ثم لهند ولهند فقد ... ينجع في الروضات ماء الغمام

    خمسةُ آباءٍ همُ ما همُ ... هم خير من يشرب صفو المدام

    وفضّله أيضاً عمر بن الخطاب على الشعراء، إذ سأل من كان ببابه من وفد غطفان قائلاً: أيّ شعرائكم الذي يقول:

    حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مطلب

    قالوا: النابغة. قال: فأيّ شعرائكم الذي يقول:

    فإنّك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلتُ أنّ المنتأى عنك واسع

    قالوا: النابغة. قال: هذا أشعر شعرائكم.

  38. وقد كان مع منعته في قومه مقرباً من النعمان بن المنذر. يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة، ويجد لديه من الحفاوة والتبجيل ما جعل الملك يبالغ في إدنائه. وأعطاه مرّة مائة بعير من النعَم السود معها رعاتها ومظالها وكلابها.

  39. واشتهر هذا الشاعر بقصائده الطوال التي منها ما عدّوه أول جمهرات العرب. وهي التي يقول في مطلعها:

    vol. 1, p. 539عوجوا فحيُّوا لنُعمٍ دمنة الدار ... ماذا تحيّون من نُؤْيٍ وأحجار

    أقوى، وأقفر مِن نُعمٍ، وغيَّره ... هُوج الرياح بها في الترب موار

    ومنها التي ذكرها التبريزي في شرحه للقصائد العشر، مقارنة بما أنشده لأصحاب المعلقات، وهي الدالية التي طالعها:

    يا دار ميّة بالعلياء فالسند ... أقوت، وطال عليها سالف الأبَد.

    وقَفْتُ فيها أصَيلاناً أسائلها ... عيّت جواباً، وما بالربع من أحد.

  40. ومن أشهر قصائده أيضاً الدالية الأخرى التي يقول من أوّلها:

    أمن آل ميّة رائح أو مغتد ... عجلان ذا زاد وغير مزوّدِ.

    أَفِدَ الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا، وكأن قَدِ.