الآثار الأدبية
539 paragraphs · vol. 1, p. 531
Page 2 of 14
- vol. 1, p. 539
هذه هي التي وصف فيها زوجة صديقه النعمان المتجرّدة، ذاكراً خفيَّ محاسنها، فغضب الملك عليه. ولاذ هو بالفرار. ومكث هناك غير قليل عند الغساسنة يمدح عمرو بن الحارث الأصغر. ثم رجع إلى صديقه مستشفعاً بالفَزاريَّيْن، فعفا عنه الملك. وأنشده النابغة بعد ذلك اعتذارياته البديعة، كما أعطى قبيلته حظاً من شعره مدافعاً عنها ومؤيِّداً لها.
-
فكان جميع ذلك مدعاة لتقدير منزلته السامية في الشعر. وقد حمل هذا معاصريه في الجاهلية على أن يضربوا له قبة من أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء تعرض عليه أشعارها. وأول من أنشده منهم الأعشى ثم حسان بن ثابت ثم غيرهما، كما أنشدته الخنساء بنت عمرو بن الشريد.
-
هذا هو النابغة وما يتميّز به بين الشعراء. وهو وإن كان وبشر بن خازم يُقْوِيان، فقد استحوذ ببليغ قوله وسحر بيانه على كل من خالطه أو قرأ له. وهكذا عَلِق شيخنا الإمام بشعره، وانصرف إلى النظر فيه
vol. 1, p. 540والعناية به. وقد كان موقفه منه مثل موقفه من الأعشى قبله، وموقفه من بشار بعده. والثلاثة فحول يحرص الدارس على جمع أقوالهم، والبَحث عن المزيد من آثارهم.
-
فالأسباب التي دعت المحقق إلى تتبع أبيات قصيدة المحلّق في مظانّها، والقيامِ بعد جمعها قدرَ الوسع بترتيبها وبناء وحدتها، هي التي حملته على طلب أشعار النابغة في مختلف المراجع والمصادر. ولم يكن المطبوع من شعر أبي أمامة، الذي وقف عليه شيخنا يومئذٍ، غير ما صدر عن المطبعة الوهبية بمصر ١٢٩٣، أو ما ضمّنه لويس شيخو مجموعته شعراء النصرانية التي ظهرت ببيروت ١٣٠٧/ ١٨٩٠. وبعد مراجعته للديوان في طبعتيه، إن صحّ القول، تبيّن للإمام أنّ بهما نقصاً، وأن شيخو لم يُخْرج ما وقف عليه من شعر النابغة، حتّى قام بتجريد شرح عاصم بن أيوب البطليوسي، مضيفاً إليه ما عثر عليه من أبيات للنابغة في كتب اللغة والأدب، مثل لسان العرب لابن منظور، ومعجم البلدان لياقوت الحموي. وبهذا حصل له خلط فيما جمعه من أبيات للنابغة الذبياني وما عزاه إليه خطأً من شعر النابغة الجعدي أو غيره. وسبب ذلك قلّة التثبّت وعدم التحرّي أحياناً، كما حصل له، بجعله مع عدد من الجاهليين المبدعين من شعراء النصرانية، وَهْمٌ. فاستوجب ذلك مناقشة الإمام لآرائه وإبطاله لمزاعمه.
-
واستدراكاً على هذه الجهود النافعة أصبح ديوان النابغة في حاجة إلى من يجمع شتاته ويقيم نصوصه ويرتّبه، مع الشرح الذي لا غنى أحياناً عنه، لِما في بعض ألفاظه من وعورة، وبعض تراكيبه وجمله من خفاء أو دقَّة. وقام الإمام الأكبر بهذا العمل الجليل لأول مرّة معتمداً فيه على مصدرين هامَّين هما:
vol. 1, p. 541أولاً: شرح أبي جعفر النحاس للديوان. وهو ما يزال مخطوطًا، ومنه نسخة بالأحمدية بجامع الزيتونة.
-
وثانياً: شرح عاصم بن أيوب البطليوسي له. وهو مطبوع.
-
وفي بيان منهجه في التحقيق يقول شيخنا في المقدمة التي وضعها بين يدي الديوان: جمعته مبتدئاً بما اتُّفق على إثباته، معبراً عن هذا بقولي: قال النابغة أو نحوه، دون عزو إلى أحد الشرحين لاتفاقهما عليه، ثم أذكر ما انفرد به أبو جعفر في شرحه معزواً إليه، مع التنبيه في جميع ذلك على اختلاف الروايات في الألفاظ، وفي ترتيب الأبيات. فأثبت ما يوجد من شعر النابغة المجموع في ديوان الشعراء الستة الموجود بجامع الزيتونة والمعروف بالعقد الثمين. وفيه أشعار امرىء القيس، وعلقمة بن عبدة، وزهير، والنابغة، وطرفة، وعنترة. منسوباً ما فيه من شعر النابغة إلى رواية الأصمعي. وضممت إلى ذلك ما خلا عنه كلا الشرحين. فألحقت بكل حرف من حروف القوافي ما حصل لدي من شعر النابغة، وعبرت عنه بالملحقات، منبّهاً على ذكر مَن نَسَبَه إلى النابغة، مع بيان مرجعي في ذلك.
-
وقد كان هذا العمل الجاد صعباً ومفيداً بدون شك. حمله عليه ما كان يراه من قصور أئمة اللغة والأدب الذين جعلوا من شعر النابغة محطاً لهممهم ولم يعيروه مع ذلك من الاهتمام ما وفّروه لنظرائه وما هو له أهل (١) .
-
وقد توصّل عن طريق عمل شيخنا الدؤوب والدقيق، المتأدبون وأهل هذا الشأن، إلى الوقوف على أكثر شعر النابغة. وتمكّنوا من اكتشاف أسراره، ونواحيه اللفظية والبلاغية بفضل شرحه له، وتعاليقه
vol. 1, p. 542عليه التي نبّه إلى خطته فيها بقوله: "علّقت على ما يحتاج إلى التعليق من الأبيات بتفسير غريب المفردات، وبيان المعاني الخفية دون تطويل مما لم يعرَّج عليه في شرح عاصم بن السيد البطليوسي الذي هو المطبوع الوحيد. ورأيت ذلك كافياً لإقبال الذين لهم تأهل لمطالعة الديوان حتّى تقع لديهم طبعة علمية منه" (١) .
-
وقدم المحقق بعد هذا تكملة لعمله النفيس بقوله: هذه أبيات منسوبة إلى النابغة بعضها أثبته لويس شيخو، وبعضها موجود في ديوانه المطبوع بالمطبعة الأهلية ببيروت قبل سنة ١٩١٦، والأكثر موجود في ديوانه المطبوع بمطبعة المكتبة الأهلية ١٣٤٧/ ١٩٢٩. وكلها لم أره منسوباً إليه في نسخة ديوانه، الذي شرحه البطليوسي ط، ولا في نسخة المخطوطة التي شرحها أبو جعفر، وجملة ذلك ٤٩ بيتاً.
-
وإن ما أحدثه هذا التحقيق من هزّة في الأوساط العلمية والأدبية قد دفع العلماء والنقاد، بدون شك، إلى مزيد من الالتفات إلى شعر النابغة بجعله محلّ دراسة، وموضع عناية بالغة والتفت إليه الباحثون والمحقِّقون من عرب ومستشرقين، فعرفوا بكثير من مصادره.
- vol. 1, p. 543
[ديوان بشار]
-
لقد عدّ الإمام الأكبر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور بشّار بن برد أولَ المولّدين، وآخر المتقدّمين من الإسلاميين في فن الشعر. ومن أجل ذلك أبدى عنايته به. فجمع ديوانه وشرحه وحقّقه معتمداً على مواهبه وقدراته واتساع علمه ودقة معارفه. والإمام الأكبر من أول الدارسين القائمين على التعريف بالتراث الأدبي العلمي. تكشف عن ذلك مواقفُه وتعامُله مع شعر الأعشى والنابغة وبشار وغيرهم من أعلام المدارس الإبداعية في عصورهم المتعددة المتعاقبة، كما أنه من أول المحقّقين البارعين الموصوفين بالدّقة والتثبت. فهو بقية العلماء المتقدّمين الراسخين في علوم الشريعة وعلوم اللغة وسائر العلوم والفنون الأدبية.
-
وبشار بن برد، بعلوِّ منزلته عند علماء عصره ونقاده، وبانجذابهم إليه في كل ما استشهدوا به من أشعاره، كان حرياً بأن يحظى، بعد إهمال كبير لأدبه وشعره، بهذا العمل الجيد الفريد المتمثل في نشر ديوانه، وضمّ ما انتثر له من شعر في كتب اللغة والبلاغة والأدب والتاريخ ونحوها، وبتحقيقه التحقيق المميّز، الذي خلت منه التصانيف المحقّقة المنشورة في عصرنا الحاضر. وذلك بتفسير مادته، ونقد أبياته، ومقارنتها بأمثالها ونظائرها من كلام السابقين والمتأخرين، وبالكشف عن أهم ما أبدعه بشار في نظمه، وأشرقت به مناهجه في عرض معانيه وتصوير أغراضه، ودلّت عليه
vol. 1, p. 544تصاريفه القولية من خروج عن المتعارف والمعهود أحياناً، وما أنشأه من ابتكارات وأفانين مرّة أخرى.
-
وضع الإمام الأكبر مقدمة لديوان بشار كشأنه في أموره كلها، فكانت من جنس ما عرف به وعنه من علم وعمق وفهم ونقد. وإذا اجتمعت هذه العناصر كلها لدى العالم أو الأديب بشرت بما سيصدر عنه من روائع وتأمّلات، هي نسيج وحده وبديعُ صنعه. فمن قرأها أفاد منها، ومن تنقل بين فرائدها أذهلته الحكمة، وتملّكه حُسن المعرفة وجمال البيان، ومَن تأمّل جواهرها ومسائلها تفتّقت في ذهنه كوامن الأسرار، وتجلّت له حقائق التصرّفات القولية، فاستزادت منه وقوفاً، وبجميل ضروبها ولوعاً.
-
تشمل المقدمة حسب تقديرنا العام لمحتواها ستة عناصر هي:
أولاً: الترجمة العامة لبشار بذكر نسبه واسمه وكنيته ولقبه وأهله، والحديث عن صفته وعماه ولباسه واعتقاده وخلُقه وبداهته وملحه، ثم ذكر سبب وفاته. ويقع هذا في تسع وعشرين صفحة.
-
ثانياً: التعريف بمكانة بشار لدى الخلفاء والأمراء، وبغرامه، وبالكشف عن سعة علمه بالعربية، وبالحديث عن البصرة وقبائل العرب حولها، وبما أفاده الشاعر من هذا كله، مع بيان مرتبته في العلم باللسان العربي، وبفنون القول. وكل هذا في ست صفحات.
-
ثالثاً: الحديث عن الشعر وأطواره. وتحديدُ منزلةِ بشار فيه. ولما لهذا الغرض من أهمية توسع الإمام الأكبر في إيراد أمثلة من نظمه في شتى الأغراض متأيداً في اختياراته بأقوال أئمة الأدب، ناقلًا عنهم: أنه لم يكن في زمن بشار بالبصرة غزل ولا مغنية ولا نائحة إلا يروي من شعر بشار فيما هو بصدده. ومما أعجب به
vol. 1, p. 545الناس من شعر بشار أنه لم يقصر نفسه على متابعة المتقدّمين من الشعراء في معانيهم، بل أودع شعره كذلك المعاني الحضرية المستجدّة في عصره.
-
رابعاً: ينتقل بنا الإمام الأكبر إلى عنصر هام جداً من عناصر مقدمته. وقفه على التعريف بمنزلة شعر بشار عند العلماء والنقاد. ولا أظن أن أي واحد من الأدباء في مستطاعه أن يغوص على خصائص شعر بشار، وإبراز أبدع صوره، مقترنة بالتحليل والتفصيل في هذا العصر. فإن ذلك مما اختص به أصحاب الملكات العلمية من علماء اللغة والعربية والاشتقاق والبلاغة والشعر. وإن هؤلاء وحدهم، بكمال تكوينهم، وتمام استحضارهم للقواعد النظرية عند أصحاب تلك العلوم، يُخضعون النصوص الشعرية والأدبية لا لمجرد الذوق، وإنما للذوق السليم المحكم الذي ازداد اكتمالًا ونمواً عند صاحبه بممارسته الطريقة التطبيقية في الشرح والنظر والنقد. وأين منا أمثال هؤلاء، وهم في كل عصر قلة. ومن يقدرُ اليوم مثل الإمام الأكبر على جمع الكثير من النظريات والفوائد في صفحات قليلة، بياناً ونقداً في عرضه وتفصيله لشعر أي شاعر من المتقدِّمين أو المتأخِّرين. ذلك أنه يعسر وقوفهم على ما وقف عليه أئمة هذا الفن من آلات تعين على الفهم والنقد، أو تمكّنهم من عرض بعض الصور الشعرية مع التطبيقات العلمية عليها في زمن غاضت فيه السليقة، واختلطت الألسن، واستولت على الناس العجمة.
-
والمقصود من وضع هذه المقدمة، فيما يظهر، العناية بهذه العناصر الثلاثة: الثاني والثالث والرابع. فهي محط النظر، وموضع الدرس، وسبيل التقويم والنقد لشعر ابن برد. وهي التي يجب الوقوف
vol. 1, p. 546عندها وقوفاً خاصاً مُسايرة لكاتبها فيما عرض له من أفهام، واعتمده من نظريات وقواعد وأحكام، للتوصل إلى تجلية هذا الديوان لشُداة الأدب وطلابه. وفيما أبداه من رأي ونقد، بذكر خصائص الشاعر، وروعة نظمه، وكمال إبداعه، وقدرته على مزاحمة غيره ومنافسته.
-
خامساً: يقف صاحب المقدمة بين جانبي الأدب والنقد لدى بشار في صفحات خمسة، معرّفاً بنقد بشار للشعر والشعراء، ومورداً فقراً من نثره. وهذا مما تتأكّد إضافته إلى العناصر الثلاثة التي ذكرنا. ويتحدث المؤلف بعد هذا عن صلة بشار بولاة إفريقيّة في عصره، وبممدوحيه يزيد بن حاتم وابنيه داود وروح منهم، كما يذكر دخول شعر بشار إلى هذه المنطقة من بلاد المغرب عن طريق اختيارات محمد وسعيد الخالديين، وما تلقّفه عنهما إسماعيل بن أحمد التُّجيبي القيرواني الذي وضع لشرح ما استجاده من شعر بشار كتابه الذي أسماه الرائق في أزهار الحدائق. ويمكن أن نضيف إلى محتوى هذا العنصر الأسماء الكثيرة والأعلام التي يذكر الشاعر بها معاصريه، ويرمز ببعضها إلى صويحباته اللائي شغفن قلبه.
-
والقسم الأخير من هذه المقدمة تعريف بديوان بشار، وطريقة جمعه وقيام الإمام الأكبر بنشره. وهو من إحدى يتيمات المخطوطات التي تحتفظ بها خزانته العامرة. وكل هذه المعلومات نعود إلى إجمال القول فيها، بإذن الله، بعد أن نتناول من خلال العناصر الأربعة التي أومأنا إليها قبل دراسة أدب بشار وشعره.
-
وقد تركنا الحديث عن العنصر الأول وعن جزء من العنصر الخامس لما فيهما من حديث عن ابن برد الشاعر، وحياته ومعاصريه ومغامراته وفتنته وموته.
- vol. 1, p. 547
وقد تولّى التعريف بذلك ما صدر في هذا العصر عن غير واحد من بحوث ودراسات، وبجانب ذلك كله طائفة من أخباره. فبشار من الموالي، من أبناء الفرس من شَعب أذريرس بن يستاسف الملك بن يهراسب الملك كما نسبه حميد بن سعيد. وهو خراساني من قريش الفرس. ومن فخر بشار بكريم محتده قوله:
وإنّي لَمِنْ قومٍ خراسان دارهم ... كِرامٍ، وفرعي فيهمو ناضر بسِق
وإنك لتجده مع اعتداده بأصله الفارسي، يفاخر بانتسابه إلى مواليه من بني عامر العُقيليين كما يعرب عن ذلك قوله:
نَمَت في الكرام بني عامر ... فُرُوعي، وأصلي قريشُ العَجَمْ
وأصل أبيه من طبرستان من سبي المهلب، وأمه رومية أمةٌ لرجل من الأزد تدعى غزالة. وقد اختلط على الناس ولاؤه، فقال قوم: هو عُقَيْليّ، ونُسب أخرى إلى بني سَدوس، وثالثة إلى قيس عيلان. والحق كما قال الإمام الأكبر أن ولاءه لبني عُقيل بن كعب من بني عامر بن صعصعة. وبنو عامر بن صعصعة من قبائل قيس عَيْلان بن مُضَر. فعُقيل هو ابن كعب بن ربيعة بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حصفة بن قيس عيلان. كذا ذكر النسَّابون. وكنية شاعرنا أبو معاذ، ولقب بالمرعّث. وقد صرح في شعره باسمه مرتين. الأولى في قوله:
اقعد فقد قال رواة الأشعار ... ليس ابن نِهيا من رجال بشار (١)
- والثانية في قوله:
-
إذا أنشد حماد ... فقل أحسن بشار (١)
-
وقد كناه بأبي معاذ لِدَاتُه وأكثرُ معاصريه. ومنهم أبو العتاهية الذي استحسن بشار شعرَه كما يعلن ذلك قولُه:
كم من صديق لي أسا ... رِقُه ابتلاء من الحياءِ
فإذا تأمّل لامني ... فأقول ما بي من بكاءِ
لكن ذهبت لأرتدي ... فطرفت عيني بالرداءِ (٢)
-
فأجابه العتاهي متلطفاً: لا والله يا أبا مُعاذ، ما لذت إلا بمعناك، ولا اجتنيت إلا من غرسك. فإنك أنت الذي يقول:
شكوت إلى العواذل ما ألاقي ... وقلت لهن: ما يومي بعيد
فقلن: بكيت، قلت لهن: كلا ... وهل يبكي من الطرب الجليد
ولكنّي أصاب سوادَ عيني ... عُويدُ قذى له طرف حديد
فقلن: فما لدمعهما سواء ... أكلتا مقلتيك أصاب عود (٣)
-
ولقب بالمُرَعَّث، وتأوّلوا في ذلك التآويل. وصرح ابن برد بهذا اللقب في شعره فقال:
أنا المرعّث لا أخفى على أحد ... ذرّت بِيَ الشمسُ للقاصي وللداني (٤)
وقال أيضاً:
فُتِنَ المرعّث بعد طول تصاح ... وصبا ومَلَّ مقالةَ النُّصَّاح (٥)
-
فإذا أردنا الجوهر من هذه المقدمة، ووضْعَ أيدينا على
vol. 1, p. 549خصائص بشار وعلمه وأدبه، لجأنا إلى الإمام الأكبر، ففتح لنا الباب على مصراعيه. ولكل ذي مدخل أو تقديم ما يترجم به عن عميق حسه، ويلوّن به القصد من التوجيه والتعليق، فيُمكِّنُ بذلك مرافقه من الإلمام بما ألمّ به. ومن إدراك خبيئة نفس الشاعر المترجَم له، ومعرفة خصائصه البارزة والمقوِّمات الأساسية لفنه وأدبه. ولُباب ما نريد لفت النظر إليه من خلال رياض بشار الزاهرة، واختيارات الشواهد عليها ما جمعه الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور في القسمين الثاني والثالث وجزء من الرابع من المقدمة حين قدم لنا صورة البيئة التي نشأ بها بشار ومكاسبه منها، وموضع شعر بشار من كل ما عرف من عيون هذا الفن، ومنزلة هذا الشعر عند العلماء والنقاد.
-
فالبصرة هي منازل العرب الأقحاح. نبت بها ابن برد، ونشأت لديه المَلَكة العربية. فكان إلى جانب ما تميّز به من الفصاحة والبلاغة، وصحة التعبير وجزالته، تاريخَ عصره بما جارى فيه العرب الخلّص من ذكر أحوالهم وعاداتهم، وأيامهم وأخلافهم، وبما رسمه في خرائده من حديث عن الإسلام ودوله بعد ذلك، وبما وصفه من أحوال المولدين وأمثالهم وعقائدهم، ومجالس جدهم ولهوهم (١) .
-
ورجل كهذا بديع القول، رقيق الحاشية، عذب المجلس، جميل النظم، له من سلطان أدبه ما يسيطر به على القلوب، ويحرّك به النفوس، لا بد أن يكون موزّعاً بين سلطة تحميه أو تعطيه يلجأ إليها، وبين مجالس يلهو فيها. وهكذا كان بشار كما وصفه جامع ديوانه من أهل الوجاهة والسمعة، مكرّماً لدى الخلفاء من بني أمية الذين لم
vol. 1, p. 550يُخف تشيّعه إليهم. وقد ظهر هذا واضحاً في قصيدته البائية:
جفا وِدُّه فازورّ أو ملّ صاحبُه ... وأزرى به أن لا يزالَ يعاتبه (١)
-
وفي قصيدته التي طالعها:
أأحزنك الألى ظعنوا فساروا ... أجلْ فالنوم بعدهمُ غِرارُ (٢)
-
وتشيع أيضاً لرأس العلويين إبراهيم بن الحسن بن علي ومدحه. ثم قلب بعد ذلك ظهر المجن فصانع العباسيين. وكانت له مكانة عالية ومنزلة رفيعة لدى أبي جعفر المنصور وولده المهدي. واعتداداً بأدبه وتقديراً لموهبته جعل له هذا الخليفة وفادة عليه كل سنة. ذكر ابن رشيق في العمدة أن المهدي ضمَّه إلى ديوان الأَزِمّة، مع كونه بصيراً، إشادة به وتقريباً له.
-
ومن شعره في المهدي قصيدته التي أولها:
تجاللتُ عن فهر وعن جارتَيْ فهر ... وودّعت نُعمى بالسلام وبالهجر (٣)
-
ويقول فيها:
عُرفتَ أمير المؤمنين برقّة ... علينا، ولم تُعرف بفخر ولا كبر
بَنَى لك عبد الله بيتَ خلافة ... نزلت بها بين الفراقد والنسر
وعندك عهدٌ من وُصاة محمد ... فرعت بها الأملاك من ولد النضر (٤)
-
وربما زاد في علو منزلة بشار عند رجال السلطة والحكم علمُه الواسع. قال الشيخ الإمام: وحسبك عدّ بشار مع مثل عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء من العلماء إلا أنهما عظَّمتهما التقوى، واستهتر
vol. 1, p. 551بشار بالمجون (١) .
-
وبمثل هذا الشعر البديع الرائع كان بشار يصف مجالسه، ويتحدّث عن غرامه ونسيبه، وعشقه وصبواته. يقول ناشر الديوان: وصف بشار أحوال الغرام كلَّه، ومدّ نفَس شعره بتفاصيلها. فلم يغادر لشاعر مقالاً في ذلك. وإن وَصفَ الغرام وأفانينه، وهو معظَم شعره، نزع إليه من كل غرض وفي كل مقام. وذلك أسطع برهان على شاعريته، وقوّة خياله، وبلاغة كلامه. فيكون حاله في هذا شبيهاً بحال كثيِّر، الذي قيل: إنه كان مدّعياً ولم يكن عاشقاً (٢) .
-
ولم تحمل بشار عاهاته وعيوبه الخَلقية على تجنّب الناس أو الشعور بالنقص بينهم، بل كان يرى في عماه قوة لذهنه، ومضاء لذكائه.
إذا ولد المولود أعمى وجدتَه ... وجدِّك أهدى من بصير وأجْوَلا
عميتُ جنيناً والذكاء من العمى ... فجئت عجيب الظن للعلم موئلا
وغاض ضياء العين للقلب فاغتدى ... بقلب إذا ما ضيّع الناسُ حصّلا (٣)
-
ويعلن أخرى عن تعويضه العمى بحسٍّ أشد رفاهة، وأقوى تأثيراً فيقول:
أنّى ولم ترها تصبو؟ فقلت لهم: ... إن الفؤاد يرى ما لا يرى البصر (٤)