أصول النظام الاجتماعي في الإسلام

136 paragraphs · vol. 1, p. 671

Page 2 of 4

  1. ولعل فيما أثرناه ممّا حرره المؤلف في التمهيد لكتابه هذا،

    vol. 1, p. 685ما وجد ما صدقه في القسم الأول، وفي القسم الثاني بفنيه من أصول النظام. وذلك لما بين أطراف الكتاب من تناسق وتساوق، وارتباط وتزاوج.

    vol. 1, p. 684
  2. من القضايا التي تعرّض لها الإمام في كتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام:

    [حديثه عن منهجه]

  3. توسعه في ذكر الفطرة والصفات الفاضلة التي ذكرها موزّعة، بين الفنين من القسم الثاني من كتابه، ومدى أهميتها وارتباطها بغرض البحث، وبما يترتب عليها في الحياة العملية من آثار.

  4. ولفته النظر إلى المسائل العلمية والكلامية والاجتماعية والسياسية لأهميتها، ودورها في توجيه الفكر الإسلامي وتصحيحه.

  5. ثم تنبيهه إلى المقاصد التي ذكرها في موضوع أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، وتفصيله القول فيها.

  6. [الفطرة]

  7. وقد حمله هذا المنهج الذي اعتمده وسلكه في مؤلَّفه على المقارنة بين الاتجاهين: الأصولي والمقصدي، قائلاً: "أئمة الفقه لم يستعملوا مصطلح " الفطرة" في أصول الشريعة، مكتفين في علم الأصول بذكر ما يدعو إليه من مصطلحات، المقصود منها إفهام الطالبين وإقناع المجادلين ... فهم يحفلون في باب القياس بذكر العلة وتعريفها، ويمثلون بعلل الأحكام الصالحة لإلحاق فرع قياس بأصله لمساواتهما في علّة الحكم، ولا يهتمون ببيان

    vol. 1, p. 686الحكمة التي هي منشأ علل كثيرة، وإنما يتعرّضون لها استطراداً في ذكر شروط العلة، إذ يعدّون من شروط القياس بالعلة اشتمال العلة على حكمة أو أن تكون ضابطاً لحكمة. فإذا تكلّموا في قياس النبيذ على الخمر في التحريم جعلوا العلّة فيه الإسكار، ولا يجعلونها فساد العقل ... وينبّه الإمام العلماء المتفهّمين للشريعة والمتفقّهين فيها، والمنفّذين لأحكامها والسائسين للأمة بها، بأن عليهم أن يسايروا (الفطرة) هذا الوصف الجامع، ويجعلوه رائدهم وعاصمهم في إجراء الأحكام، بمنزلة إبرة المغناطيس لربان السفينة " (١) .

  8. ثم ينهي مناقشته للأصوليين بتوجيههم وتوجيه غيرهم من العلماء إلى ما هو بسبيله في هذا الكتاب، فيعلن: "أن الباحث عن نظام الاجتماع الإسلامي يجدُ وصف الفطرة أجدى عليه من قواعد كثيرة. ولا جرم أن يكون أهل هذا الفن أحوج إلى قواعد أوسع من قواعد الأصوليين " (٢) .

  9. وأما تفصيله القول في هذا الوصف الجامع - وهو الفطرة - الذي حمل الباحثين في علمي الاجتماع والمقاصد على اعتماده فهو كما يصوره لنا: "كل فعل يحب العقلاء أن يتلبّس به الناس، وأن يتعاملوا به فهو من الفطرة، وكل فعل يكرهون أن يُقابَلوا به ويشمئزون من مشاهدته وانتشاره فهو انحراف عن الفطرة" (٣) .

  10. وحقيقة الفطرة في الأصل الخلقة والهيئة التي في نفس الإنسان، وهي المعدّة والمهيّأة لأن يميز بها المرءُ الله تعالى، ويستدلَّ بها على ربه، ويعرفَ شرائعه (١) .

    vol. 1, p. 687
  11. وتطلق الفطرة على قابلية الخلق للتوحيد ودين الإسلام (٢) .

  12. كما تعني مجموع شريعة الإسلام، بجميع أصوله وقواعده لتفجُّره جميعه من ينبوع معنى الفطرة (٣) .

  13. ويمعن في بيان ذلك والتمثيل له فيقول: "الفطرة وصف عام تكون به دالة على ما خلق الله عليه الإنسان ظاهراً وباطناً، أي جسداً وعقلاً. فسير الإنسان على رجليه فطرة جسدية، ومحاولة مشيه على اليدين خلاف الفطرة، وعمل الإنسان بيديه فطرة جسدية، ومحاولة عمله برجليه خلاف الفطرة، واستنتاج المسبّبات عن أسبابها والنتائج من مقدّماتها فطرة عقلية، ومحاولة استنتاج الشيء من غير سببه من فساد الوضع كما يقول علماء الجدل، وهو خلاف الفطرة العقلية. والجزم بأن ما نشاهده من الأشياء هو حقائق ثابتة في نفس الأمر فطرة عقلية، وإنكار السوفسوطائية ثبوتها خلاف الفطرة العقلية" (٤) .

  14. فلا بدع إذا كان هذا الوصف العظيم صالحاً لأن يكون الأصل العام لفهم مناحي التشريع والاستنباط منها. ولا بدع أيضاً من وصف دين الإسلام بدين الفطرة "الفطرة الإنسانية" ، لأن الله جلّت حكمته سوَّى فيه بين الوصفين: الحكمة والفطرة. فهو حين أراد أن يجعله

    vol. 1, p. 688ديناً عاماً لكل البشر، دائماً إلى انقضاء العالم، جعله مساوقاً للفطرة المتقررة في نفوس الناس (١) .

  15. ووصف دين الإسلام بدين الفطرة "الفطرة الإنسانية" يترجم

    من جهة ثانية عن الانفعالات الحاصلة لنفوس البشر في حال

    سلامتها من اكتساب التعاليم الباطلة والعوائد السيئة. والفطرة بهذا

    المعنى أساس النظم التي أقيمت عليها الحضارة الأولى (٢) .

  16. ووصف الفطرة هذا هو ما اختص به دين الإسلام دون سائر الأديان. وهو بذلك يتميّز عليها كلِّها بالأوصاف المناسبة المتلازمة الثلاث: العموم والدوام والفطرة (٣) . ولا يعني وصف الإسلام بالفطرة الفطرةَ الظاهرية الجسدية، وإنما هي الفطرة الباطنية العقلية لما يتقوّم به الإسلام من عقائد وتشريعات، كلُّها عقلية (٤) . ويقصد من كون الإسلام دين الفطرة أن الأصول التي هي فيه من الفطرة، تتبعها أصول وتفريعات هي من المقبول لدى الفطرة (٥) .

  17. أما المحور الثالث الذي أشرنا إليه قبل، فهو عبارة عن الصفات النبيلة التي يتحلّى بها الفرد أو المجتمع، والتي يكون لها كبير الأثر في العلاقات والمعاملات بين الناس. وتبرز أهميتها بوصف خاص في دراسة أصول نظام المجتمع الإسلامي الذي يقوم على مجموعة كبيرة من مكارم الأخلاق والآداب. نقف عند اثنتين منها، هما السماحة والحرية.

  18. [السماحة]

    vol. 1, p. 689
  19. أما السماحة فهي سهولة المعاملة فيما اعتاد الناس فيه المشادّة (١) . ويصور الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى في قوله: "رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى" (٢) . وقد اعتبروا السماحة أكمل وصف لاطمئنان النفس، وأعونَ على قبول الهدي والإرشاد (٣) . وجعلوها من أكبر صفات الإسلام لوقوعها طرفاً بين الإفراط والتفريط. ونَعَتوها بالتيسير المعتدل الذي شهد له قوله سبحانه: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (٤) . وهو ما يلفت الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - النظرَ إليه بقوله: "أحبّ الدين إلى الله الحنيفية السمحة" (٥) . ويؤكّد هذا المعنى ما ترجم به البخاري لأحد أبوابه في الصحيح من قوله: "باب الدين يسر" (٦) ، وما ذكره غير مرّة الإمام مالك في موطئه عند تنويهه بهذا الوصف الكريم: "ودين الله يسر" وذلك بعد استخلاصه لهذه الحقيقة من استقراء الشريعة (٧) .

  20. وعقب الإمام الأكبر على هذه النصوص ببيان المزية الكبرى

    vol. 1, p. 690للسماحة وما يحصل من جفاء وبعد عن الهدي عند الاتِّسام بما يضادها بقوله: "إن للسماحة أثراً في سرعة انتشار الشريعة وطول دوامها، إذ أرانا التاريخ أن سرعة امتثال الأمم للشرائع ودوامَهم على اتباعها كان على مقدار اقتراب الأديان من السماحة. فإذا بلغ بعض الأديان من الشدّة حداً متجاوزاً لأصل السماحة لحِق أتباعَه العنتُ ولم يلبثوا أن ينصرفوا عنه أو يفرّطوا في معظمه" (١) .

  21. ولاعتبار السماحة أولَ أوصاف الشريعة وأكبرَ مقاصدها، يُرفع بها العنت والحرج عن الفرد والجماعة. وذلك حين يعرض لهم من العوارض الزمنية أو الحالية ما تصير به التكاليف مشتملة على شدّة عليهم، يأذن الرحمن في الرخصة فيها تخفيفاً على المكلفين، وحفظاً للإسلام على استدامَة وصف السماحة للأحكام (٢) .

  22. [الحرية]

  23. وأما الحرية فلها أيضاً مقامها الأعلى في تصرّفات الناس وتقرير أحوالهم والرقي بهم. وهي كما صورها الإمام الأكبر خاطر غريزي في النفوس البشرية، فبها نماء القوى الإنسانية من تفكير وقول وعمل. وبها تنطق المواهب العقلية متسابقة في ميادين الابتكار والتدقيق. فلا يحق أن تسام بقيد إلا قيداً يُرفع به عن صاحبها ضُرٌّ ثابت أو يُجلب به نفعٌ، حيث لا يقبل رضا المضرور أو المنتفع بإلغاء فائدة دفع الضرر وجلب النفع. وذلك حين يكون لغيره معه حظ في ذلك، أو يكون في عقله اختلال يبعثه على التهاون بضرِّ نفسه وضياع منفعتها (٣) . وبقدرِ ما يحرك هذا الخطاب إلى الاستمتاع بقدرٍ فائق من

    vol. 1, p. 691الحرية، نجد كلاماً آخر يختلف عن هذا، غير مناقض له لافتراق الجهة. وهو الذي يقول فيه الشيخ ابن عاشور: "الحرية من الفطرة. وهي مما نشأ عليه البشر، وبها تصرّفوا في أول وجودهم على الأرض حتى حدثت المزاحمة، فحدث التحجير" (١) . وهذا المعنى هو الذي ردّده المحدثون في هذا العصر بقولهم: حرية المرء ليست مطلقة ولكنها تقف بل تنتهي عند وجود حق للغير ليس لها أن تتجاوزه.

  24. وتحت عنوان الحرية المنشودة، يذكر المؤلف أصناف الحرية وأنواعها، مفصلاً ومقارناً. فيتحدث عن حرية الاعتقاد قائلاً: "هي أوسع الحريات دائرة، لأن صاحب الاعتقاد مطلق التفكير فيما يعتقده ... وأمرها مختلف بين المسلم وغير المسلم. فهي عند الأول محدودة له بما جاء به الدين ممّا تتكوّن جامعة المسلمين بالاتفاق على أصوله. ولا تقبل من المسلم ردّة، لأنّ المرتدَّ خارج من الملّة ناقض للعهد. وهي عند المسلم فيما عدا ما هو معلوم من الدين بالضرورة ثابتة فله الخِيرَة من أمره.

  25. وحرية الاعتقاد عند غير المسلم من أصحاب الملل الخاضعين إلى حكومة الإسلام دلّت نصوص القرآن والسُّنة على أنهم يُدعون إلى الدخول في الإسلام، فإن لم يقبلوا دُعوا إلى الدخول تحت حكم المسلمين، فيصيرون من أهل الذمة. وكذلك أهل الصلح والعهد يبقون على أصل الحرية في البقاء على ما هم عليه من الملل، لأنهم لم يلتزموا للإسلام بشيء من عقائده (٢) .

  26. ويتحدث المؤلف عن حرية الفكر مما يشمل التفكير في الآراء العلمية، والتفقه في الشريعة، والتدبير السياسي، وشؤون الحياة العادية. وهذا النوع من الحرية لا يكاد يستقل بنفسه لارتباطه الوثيق بالقول أو العمل. وهو لا يرى في هذا تحجيراً، إذ يتعذّر كَبتُ الفكر عن الحرّية في المعقولات والتصوّرات والتصديقات. وأعلى مراتب هذه الحرية حرية العلم، أي فهم قواعد العلم المدوّنة. وعلى هذا الوضع من إطلاق الرأي والنظر في العلم في دائرة الأصول الإسلامية نشأ المجتمع الإسلامي في القرنين الأولين، فلم يُرح أحد عن رأي أو نِحلة، ولكنّه إن أخطأ أحد يُبين له خطؤه أو تقصيره بالتي هي أحسن، نصيحة له وتهذيباً، إلا إذا تبيّن منه قصد التضليل. وما حدث في التاريخ بين أهل النحل من نزاع وهرج إن هو إلا انحراف عن الجادة ناشىء في الأخلاق وظاهر في التعصّب، وفي الإفراط في التعصّب: وأكثره لا يخلو من إغراء الدعاة وأهل المطامع (١) .

    vol. 1, p. 692
  27. وحرّية القول تقوم أساساً على الصدق في الأخبار. "فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون عند الله صدِّيقاً. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا" (٢) . وأعظم مظاهر حرية القول في الإسلام حرية القول في تغيير المنكر.

  28. وحرية العمل أصل أصيل في الإنسان، ومقصد مهم من أصول النظام الذي وضعه الشارع للمجتمع الإسلامي، تدل على ذلك

    vol. 1, p. 693شواهد الفطرة (١) . وما عداه مما لم يحدّد منعه في الشريعة الإسلامية من التصرّف فهو على الإباحة الأصلية، بشرط ألا يحصل من العمل الذي يقوم به المرء إضرار بالغير. والإنسان في تصرّفاته مختار تحمله على الخير تقواه، وينزع به إلى الشر فجوره. وقد هداه الله النجدين، فأمر ونهى، وجعل له من روحه الديني وازعاً يقيه التردّي في الغواية، والوقوع في الضلالة والمهالك ... وإنها لحرب دائرة بين دواعي النفس إذا اعتادتها العاهات الباطنية، وعاودتها العوارض وتقلص ما هي عليه من التعاليم الصالحة والتسلل مما طبعت عليه رويداً رويداً، ويتجلّى ما يكون فيها من صراع بين حالتها السابقة الموروثة، وحالتها الملقّنة المبثوثة (٢) .

  29. [الوازع]

  30. ولا يجدي مع هذه الحال إصلاح يقوم به العلماء والصالحون والدعاة والمجاهدون. ومن أجل ذلك احتاج الإصلاح إلى ما يشبه الحارس يذبّ عن النفس ما يتسرّب إليها من دواعي نقض الإصلاح، إلى دواعي الفساد (٣) . والذي يحتاج إلى تعهد الغراسة ودوام الحراسة إنما هو الأعمال (٤) . وتتم الحراسة عن طريق إيجاد الوزاع يزعها عن الانحراف عما اكتسبه من الصلاح حتى يصير تعلّقها بذلك دائماً (٥) . وإذا قامت النفس اللّوامة بمحاسبة صاحبها على ما خالطه أو كان له عاملاً من عوامل خيبته وخسرانه، فليجعل الإيمان عدته، وخشية ربِّه سبيله، وحُبّهُ وحبَّ رسوله - صلى الله عليه وسلم - طريقاً إلى انتصاره.

  31. وأما الجانب الرابع، وهو المتعلق بالمسائل العلمية من فلسفية، وكلامية، واجتماعية، وسياسية، فإنا نساير فيه المؤلف في أثناء كتابه لنقف على ما يريد كشفه لنا من حقائق تتعلق:

    أولاً: بوصف الإسلام بكونه حقائق لا أوهاماً.

    vol. 1, p. 694
  32. ثانياً: بقضية ترتّب الثواب والعقاب على الأعمال. وقد ظهرت بسببه مذاهب عقدية مختلفة ثلاثة هي: الجبر والاختيار والتوسط.

  33. وثالثاً: بقدرة الإسلام على إقامة أصول النظام الاجتماعي.

  34. ورابعاً: بإيجاد الجامعة الإسلامية، وإقامة وحدة الإمة على أساس الأخوة الدينية القائمة بين المؤمنين.

  35. [الإسلام حقائق لا أوهام]

  36. أما القضيّة الفلسفية العميقة التي بحثها المؤلف لإثبات كون الإسلام حقائق لا أوهاماً، وأن أهمية ذلك تظهر في تصوّر العقيدة والشريعة الإسلامية على الوجه الصحيح الذي تتميزان به، فقد وضعها بين تعريفه للسماحة وبين الفصل الذي عقده لبيان عمل الإسلام في إقامة أصول النظام. وشعوراً منه بأهميَّة صفة العقيدة والتشريع في الإسلام، وكون هذا الموضوع رغم أبعاده مغفولاً عنه غيرَ معتنى به، قام بتفصيل القول بما يرغّب في التطلّع إلى معرفته، والحرص على جني فوائده. فافتتح الإمام الأكبر دراسته لهذا الموضوع بقوله: "أي غرض أسمى وأسنى من غرضنا هذا الذي سنشرح فيه صفة عظمى من صفات الإسلام، منها تفننت أفنانه، وعليها التقت أواشجه، وبها تجلَّى التمايز بينه وبين غيره من الشرائع، وبإنشاء المتدينين بهذا الدين على مخامرة هذه الصفة عقولهم كانوا أهلاً للنهوض بأعباء الأمانة

    vol. 1, p. 695التي وُكلت إليهم. وهي إقامة إصلاح التفكير وإعلان الحق بين الناس " (١) .

  37. ثم حدّد في لغة أرسطية دقيقة، بقدر ما هي مغلقة إلا على من خالط علم المنطق القديم بعض المخالطة، فانتصب معرفاً بكلمات ذات دلالة ووزن في التفريق بين معانيها اللغوية والاصطلاحية. وهذه الكلمات التي نحتاج إلى فهمها ومعرفة معانيها هي الحقائق والاعتبارات والأوهام والتخيّلات.

  38. [الحقائق]

  39. فالحقائق جمع حقيقة. وهي عبارة عن الماهية الثابتة في نفس الأمر. وإن فرّق العلماء بين الحقيقة والماهية، واعتبروا الثانية أعمَّ من الأولى.

  40. أما حقيقة الشيء التي قال فيها القدامى: هي ما يكون به الشيء هو هو. فقد حاول الشيخ ابن عاشور أن يضع لها حداً جامعاً مانعاً، فقال: "حقيقة الشيء هي مفهومٌ كلّيٌّ مركب من معقولات ملازمة، أي جواهر أو أعراض أو كليهما، غير مفارقة لجزئيات الكلّي، تتقوّم من مجموعها صورة متعقّلة متميّزة عن غيرها، تدعى حقيقة وكنهاً" (٢) . ثم أتبع ذلك بشرح هذا الحدّ وبيانه.