أصول النظام الاجتماعي في الإسلام
136 paragraphs · vol. 1, p. 671
Page 3 of 4
- vol. 1, p. 695
وتطبيقاً لهذا التعريف ذكر المجالات والصور التي يقال فيها حقائق. وهي ما دعا القرآن والسُّنة الأمةَ إليه من التعاليم بأسمائها ومعانيها المرادة له والموجودة في نفس الأمر والواقع، وحدّث بها
vol. 1, p. 696أرباب العقول من حقائق العقائد الإسلامية وشرائع الإسلام وقوانينه يطبّقونها على الخارج فيجدونها مطابقة للواقع.
-
[الاعتبارات]
-
والاعتبارات هي المعاني التي يلمحها المعتبر، ويكون لها وجود في ذهنه، لما لها من تعلّق بالحقائق، ولكن وجودهَا تابع لوجود الحقيقة أو الحقيقتين، ومثال ذلك الأمور النسبية كالزمان والمحل، والإضافات كالأبوة. وهنا لا بد أن نذكّر بأن وجود الاعتبارات أضعفُ من وجود الحقائق الثابتة في ذاتها، فهي لا ترقى إليها.
-
[الوهميات]
-
والوهميات هي المعاني التي يخترعها الوهم من نفسه دون أن تصل إليه عن شيء متحقق في الخارج. ومثال ذلك تصورُ أن في الميت معنى يوجب النفور منه، والخوفُ عند القرب منه والخلوةِ معه. والملاحظ أن الوهم مركب من الفعل والانفعال، لأن الذهن حين تلبّسه به فاعلٌ ومنفعلٌ، فيخترع المعنى الوهمي ثم يدركه. والفعل فيه الواهم أقوى من الانفعال. وفرق بين الوهم والعقل. فالوهم أوسع من العقل في تصوّراته ومخترعاته وتخيّلاته، ولكنه أضيق من العقل في الإذعان لما ليس من مألوفه.
- التخيّلات:
-
والتخيّلات مرتبة أخرى في التصوّرات. فهي المعاني التي تخترعها قوة الخيال بمعونة الوهم. وتتركب من عدة معان محبوسة محتفظ بها في الذهن. والخيال قوة ذهنية بها تحفظ صور
vol. 1, p. 697المحبوسات بعد غيبة ذواتها. والقوة الخيالية منبع الفكر إذا استعملتها النفس بواسطة القوّة العقلية، أو بتعاون بين القوّة العقلية والوهمية.
-
وعلى أساس ما سبق إيضاحه وبيانه تختلف المدركات الأربعة، وتنقسم الشرائع إلى أديان إلهية عمودها الحقيقة والاعتبار. وما عدا الإسلام من الأديان اشتمل على قضايا وأحكام وهمية. وقوام الأديان المخترعة الوهم والتخيّل.
-
وقد نفى الإسلام الوهم ونبذه، ودعا إلى وجوب الأخذ بالحقيقة الواضحة في الاعتقادات الإسلامية والعبادات وفي المعاملات، وإلى الاعتداد بالحقائق في المعارف والمدارك الشرعية والعقلية.
-
واعتمدت الشريعة الأمور الاعتبارية فيما لا يصل الإدراك منها إلى الحقيقة مع اليقين بتحقّق حقائقها. وذلك كمعاملات المرء فيما بينه وبين ربه، ومثل الحقائق التي لا ثبوت لها إلا في الذهن، وتصير الشريعة فيها إلى الاعتبار نحو النية وحُسن الظن بالمؤمن.
-
ويضيف الشيخ ابن عاشور قائلاً: "إن طرق الدعوة في الشريعة قد تأتي بواسطة طريق وهمي أو تخيّلي يطلب به تحصيل عمل أو علم حقيقي أو اعتباري، إذا كان لإثارة الوهم نفع في تحصيل المطلوب. لكنه يؤكّد على أن الفرق شاسع بين جعل الوهم والتخيّل طريقاً لتحصيل عمل أو علم وبين جعلهما أمراً يقصد تحصيله.
-
ويختم رحمه الله تفصيله لمسائل المدركات الأربعة بدفع إيراد يدّعي أن نفي الوهم ليس عن جميع قضايا الدين الإسلامي، ومثاله كأسباب الوضوء والغسل وتقبيل الحجر ونحوه. ويجيب عن ذلك بأن نفي مراعاة الأوهام في الشريعة الإسلامية هو نفي أن تكون الأوهام
vol. 1, p. 698في أصول العقيدة التي هي القاعدة الأولى من قواعد الإسلام. ونفي أن تُبنى عزائمه من واجباته ومحرماته على مراعاة الأوهام، مقراً بأن هناك مجالاً آخر لمجاراة الوهم، وهو كل مجال فيه حقائق خفية يتعين استحضارها، ولا وسيلةَ إلى ذلك إلا بضرب من التوهم" (١) .
-
والقضية الكلامية التي أردنا أن نشير إليها في كتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام أدرجها المؤلف في فصل إصلاح العمل، أثناء تفصيله القول في الإيمان والاستقامة.
-
[متعلقات الأعمال]
-
وقد جعل الإمام أعمال العاملين جارية على حسب معتقداتهم وأفكارهم. ونبّه إلى أن أهل الأديان في غابر الزمان أخطؤوا معرفة حقيقة مصدر الأعمال. فذهبوا مذاهب كثيرة في مسألة ترتيب الثواب والعقاب على حال أهل الدين في امتثالهم لأوامره واجتنابهم لنواهيه. وسرى هذا إلى المسلمين من بعد، وفشا الخطأ في هذه القضية لشبهتين: إحداهما عقلية، وهي محاولة تحكيم العقل في تعلّق إرادة الله بإيجاد الأشياء وأحوال الأشياء. والشبهة الثانية نقلية تتمثل في تلقّي النصوص الواردة في الكتب المقدّسة الدالة على عموم قدرة الله، وإرادته وعمله، والنظر فيها نظرة حمقاء.
-
وهكذا اختلف إثر ذلك أهلُ الملل، في قضية أعمال البشر والجزاء عليها، اختلافاً مَرجعه اختلاف ثلاثة مبادىء:
أولاً: مبدأ الجبر الذي قال به من جعلوا أعمال العباد كلَّها مخلوقة لله وبقضائه، وأن الإنسان مجبور عليها. فأبطلوا أدلة الثواب
vol. 1, p. 699والعقاب، جاعلين الثواب فضلاً من الله. وينسب هذا المذهب إلى جهم بن صفوان. وقد سبقه إلى القول بهذا من الفلاسفة سقراط القائل بالقضاء والقدر.
-
ثانياً: مبدأ الاختيار المحض. وهو مبدأ مَن نَفَوا القضاءَ والقدر، وجعلوا أفعال العباد مخلوقة لهم، وليس لله عليها قدرةٌ ولا له قضاء وقدر، منزّهين بهذا القول الخالقَ جل جلاله عن تقدير الفساد، وعن إقراره مع علمه به. وهؤلاء هم القدرية وهم أول من تكلّم في طلب تحقيق معنى القدر بعد أن نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البحث فيه. وذهب بعض المتكلمين من بعدهم إلى أن هؤلاء لم يكونوا يثبتون لله عموم العلم. ومن ثمَّ أغلظ سلفُ الأمة الإنكار عليهم. وقالوا عنهم: هم مجوس هذه الأمة. والداعي إلى هذه النحلة هو معبد الجهني ثم غيلان الدمشقي. وهؤلاء أعملوا أدلة الثواب والعقاب ونفوا العلم بالجزئيات عن الله. وكانت هذه النحلة قديمة قائمة من عهد اليونان نادى بها من قبل أبيقور.
-
ثالثاً: مبدأ التوسّط بين الجبرية والقدَرية، والجمع بين الأدلة، وتنزيل كل في موضعه. وهذا قول جمهرة علماء الإسلام.
-
وخلاصة هذه الاتجاهات، التي اخترقت جموع المسلمين، ما انتهوا إليه من أن الله خلق الأفعال كلها من خير وشر، وجعلوا للعبد استطاعة اختيار بعض تلك الأفعال دون بعض. فتلك القدرة تصلح للكسب فقط. فالله خالق غير مكتسب، والعبد مكتسب غير خالق. وجعلوا الجزاء منوطاً بذلك الاكتساب. ولذلك أثبتوا الفرق بين حركة المرتعش وحركة المتناول. وهذه طريقة الأشعري، وقريب منها قول الجبائي.
- vol. 1, p. 700
وبعد التحليل لهذين المذهبين: الأشعري والمعتزلي، يقول الإمام الأكبر: وقد أشار الإسلام إلى إبطال الجبر بقوله رداً على المشركين: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} (١) .
-
وأبطل الاستقلال بخلق الأفعال بقوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (٢) ، وقال عزّ وجل: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (٣) . ومن هنا يتبين لنا أن الحق وسط بين هاتين المقالتين المذمومتين. ويمضي الشيخ ابن عاشور قائلاً: ونحن إذا رجعنا إلى تحكيم الفطرة العقلية وجدنا من أنفسنا استطاعة بها نفعل وندع، ووجدنا الواحد منا يهُمّ بالأمر ثم يعدل عن فعله، ويهم بالأمر ويفعله، ويشرع في الأمر فيعظه الواعظ وينهاه الحكيم، فيكف عنه، ويرى أن كفّه إجابة للموعظة.
-
والاعتقاد الذي ينتهي إليه الإمام هو قوله: الصحيح أن لنا كسباً واستطاعة بهما نجد الميل إلى الفعل أو الانكفاف عنه، وأن وراءنا تيسيراً بالتوفيق أو بالخذلان تخفّ به الأفعال الصالحة على النفس تارة، وتثقل أخرى. فذلك هو أثر إرادة الله فينا. وهذا الفكر يروض أصحابه على الاعتداد بمقدرتهم ويعلمهم الافتقار إلى الله في طلب التوفيق والعصمة من الخذلان (٤) .
-
أما الوصف الذي اخترناه للتطرق إلى الواقع الاجتماعي الذي يتشكَّل بأشكال مختلفة فهو المساواة. وهو أصل عظيم من
- أصول نظام الاجتماع الإسلامي. وللمساواة طرفان:
-
أولهما له تعلق بالعقيدة. من الواجب على المسلمين التخلّق به وترويض النفس عليه حتى يكونا خلقاً لهم ينساقون إليه انسياقاً اختيارياً جميلاً.
-
والطرف الثاني له علاقة بالتشريع يتحتم على المسلمين المصير إليه وإلى فروعه في أنواع المعاملات.
-
[المساواة]
-
والمساواة التي سعت إليها الشريعة الإسلامية، كما قال الشيخ ابن عاشور، مساواة مقيدة بأحوال يجري فيها التساوي، وليست مطلقة في جميع الأحوال، لأن أصل خلقة البشر جاءت على التفاوت في المواهب والأخلاق. وذلك التفاوت يؤثّر تمايزاً بين أصحابه متقارباً أو متباعداً في آثار تلك الصفات، بترقّب المنافع منهم وتوقّع المضارّ. فيفضي ذلك لا محالة إلى تفاوت معاملة الناس بعضهم بمراتب الإكرام ومراتب ضدّه ... وقاعدة المساواة في الطرف الثاني أكثر اطِّراداً منها في الطرف الأول. والشريعة الإسلامية لم تعتبر في إقامة المساواة إلا انتفاء الموانع (١) .
-
وموانع المساواة هي العوارض التي إذا تحققت تقتضي إلغاء حكم المساواة لظهور مصلحة راجحة في ذلك الإلغاء، أو لظهور مفسدة عند إجراء المساواة. وتتنوع هذه الموانع بين جبلية وشرعية واجتماعية وسياسية.
-
فالجبلية تمنع مساواة المرأة للرجل فيما لا تستطيع أن تساويه
vol. 1, p. 702فيه بموجب الخلقة. ولهذا أمثلة وصور كثيرة. وتكون الموانع الجبلية موانع مساواة في تلقي الشريعة أو في العبادة أو في التقرب إلى الله.
-
والموانع الشرعية هي ما كان تأثيرها بحسب التشريع. فالشريعة هي القدوة في تحديد هذه الموانع وعللها. وطريق معرفة هذه الأصول المانعة من إجراء المساواة: إمّا القواعد والضوابط الشرعية، وإمّا طريق تتبّع الجزئيات المنتشرة في الشريعة، وإمّا اعتبار صنوف أصول الحضارة البشرية، فيكون قاضياً بالتردّي في الاختلال والفوضى.
-
وأكثر الموانع الاجتماعية مبني على ما فيه الصلاح للمجتمع، وفي هذا رجوع إلى المعاني المعقولة.
-
والموانع السياسية هي الأحوال التي تقتضي إبطال حكم المساواة بين أصناف وأشخاص، أو في أحوال خاصة، لمصلحة من مصالح حكومة الأمة (١) .
-
[حكومة الأمة]
-
أما الموضوع السياسي فلن ألفت النظر فيه إلى أكثر مما وردت به النصوص وقامت عليه البراهين والشواهد. فإقامة الحكومة للأمة الإسلامية أمر ضروري إذ لا يستقيم حال الأمة بدون حكومة. ولا شك في كون الحكومة الإسلامية حكومة ديمقراطية خاصة، وأنها تستند إلى التشريع الإلهي، وتستمد نظمها من الشرع الإسلامي. وولِيُّ الأمر فيها مسند له أن يتصرف بما يراه مصلحة للأمة، وحفظاً للدين، ودفاعاً عن الحوزة. وله أن يستشير ويستعين بمن يختارهم من
vol. 1, p. 703ذوي الكفاءة عندما يعرض له ما لا يتَّضِح له وجه الحق فيه. ويمضي شيخنا في الحديث عن سياسة الحكومة الإسلامية مبيناً أن ما تقتضيه السياسة يجري في مجالين:
الأول: مجال إجراء المصالح الضرورية والحاجية ودرء المفاسد. وقد مثل لذلك بالتجنيد وتأمين السبل ونصب المحاكم والشرطة ونحو ذلك من الهيئات التي تقوم بها المصالح العامة وتدرأ بها المفاسد.
-
والمجال الثاني للسياسة الإسلامية لا يجري إلا في مجال إجراء المصالح التكميلية والتحسينية في المصالح العامة كنشر العلم، ووعظ الناس، وتثقيف العقول بالتربية الكاملة، وإيجاد الملاجىء، والمطابخ الرفيقة، والمنتزهات، ومواضع الاستجمام والإسعافات العدلية والصحية (١) .
-
ومن يلمس سريان الروح الديني في مختلف فصول هذا الكتاب من بدايته إلى نهايته، يدرك حقائق الإسلام وظواهره، حُكمَه وتوجيهاته، رحمتَه وإصلاحَه للفرد وللجماعة، رقياً بالإنسان وتزكية له، وصعوداً به في معارج النبل والكمال الإنساني. فتحسن عاقبته دنيا وأخرى. والتفاتة صغيرة إلى فلسفة الإمام الأكبر وحكمته، ترينا في وضوح ما ألمعنا إليه قبل من أن للشارع مقاصد من تشريعاته منها ما يرتبط بنصوص الأحكام، ومنها ما له علاقة بالمخاطبين بتلك النصوص المكلفين بتنفيذها. فالاتجاه المقصدي بارز في تشريعات الإسلام العامة الشاملة كما هو الشأن في أصول نظام الاجتماع الإسلامي التي عالج بها المؤلف أحوال الأفراد وأحوال الأمة جمعاء
vol. 1, p. 704بما ذكره من آيات، وعرضه من أحاديث، وبيّنه من سير وأخبار من ناحية، وبما أوضحه من كليّات أساسية، وأصول قطعية، ومقاصد شرعية تمثل بحق الاتجاه الديني والعلمي والفكري الذي التزم به الإمام وبرهن عليه. فكان ذلك رابطاً بين كتبه، وشاهداً لما يمثله من مدارك عقلية وخصائص علمية، أضاف بها مترجمنا لبنات إلى جدار البحث العلمي تدل على عمق نظره، وصحة استنتاجاته الفكرية والعلمية، وبخاصة في ميادين العلوم الشرعية، كما سنفصله بإذن الله عند تعريفنا بكتاب المقاصد.
-
[أبرز مقاصد الشريعة المعتمد عليها في إقامة أصول النظام الاجتماعي في الإسلام]
-
وقد كان التفاته إلى المقاصد الشرعية حجرَ الزواية في كل التصرّفات وما يصدر بها من أوامر ونواهٍ جعلها من الفطرة ونعتها بكونها من أشهر صفات الإسلام وأبرز مقاصده.
-
- ودعوة التشريع الإسلامي إلى إقامة القضاء لتمييز الحق، وتعيين صاحبه، في جزئيات الحوادث بين الناس ومخاصماتهم مقصدان عامان أساسيان، متى كان القاضي معظِّماً للشريعة في نفسه، عدلاً، متّقياً الخروج عن أحكام الشريعة، ملحوظاً بعين الإجلال والحرمة فيهما لما يعرض عليه من القضايا، شجاعاً، ثابت الرأي، لا تأخذه في الحق لومة لائم (١) .