الفصل الأول: من طلائع الأصوليين وعلماء المقاصد
57 paragraphs · vol. 2, p. 81
Page 1 of 2
- vol. 2, p. 81
ذكرنا في هذا الباب الأئمة المقدَّمين في علم أصول الفقه، وفي قواعد الأحكام، وجمعنا المصادر التي اعتمدها صاحب مقاصد الشريعة الإسلامية فى جملة من موضوعاتها لعرضها وتجليتها وتقديمها وبيان موقفه منها. ومن أجل ذلك أدرجنا في هذا المحل عدداً من المسائل وقع استمدادها من كتب البرهان، والمستصفى، والمنخول، وشفاء الغليل، وقواعد الأحكام، والفروق، ونفائس الأصول، وتنقيح الفصول، والموافقات. وقد كان أصحاب هذه المصنفات صفوة من الأئمة خالدي الذكر يتأكد التنويه بجهودهم.
-
كان منهم الأصولي المتكلم، والفقيه الشافعي إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني المتوفى سنة ٤٧٨ صاحب كتاب البرهان (١) .
-
والفقيه الشافعي الحكيمُ الفيلسوف حجة الإسلام أبو حامد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥ صاحب شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، والمنخول، والمستصفى.
-
وسلطان العلماء العز بن عبد السلام المتوفى سنة ٦٦٠ الذي صاغ للعلماء والفقهاء والمجتهدين كتاباً عُدّ في المرتبة الأولى من
vol. 2, p. 82النفاسة. وهو كتاب قواعد الأحكام في مصالح الأنام.
-
والفقيه المالكي شهاب الدين أبو العباس القرافي المصري المتوفى سنة ٦٨٥ صاحب الفروق، ونفائس الأصول، وتنقيح الفصول في اختصار المحصول.
-
والإمام أبو إسحاق الشاطبي المتوفى سنة ٧٩٠ المُنَظَّرُ صنيعُه في مقاصد الشريعة بصنيع الإمام الشافعي واضعِ علم أصول الفقه وصاحب الرسالة. أخرج لنا كتابه التعريف بأسرار التكليف وهو: كتاب الموافقات.
-
جاء ذكر هؤلاء الأئمة في تمهيد مقاصد الشريعة الإسلامية على الترتيب الزمني الذي توالوا فيه.
-
بدأ صاحب المقاصد بذكر إمام الحرمين في القضية التي أثارها حول قطعيّة أدلّة أصول الفقه (١) .
-
وتحدث عنه وعن الغزالي في موضوع المصالح المرسلة، وعن موقفهما منه. وذلك في قوله: فلأن نقول بحجيّة قياس مصلحة كليّة حادثة في الأمة لا يعرف لها حكم على كلية ثابتٍ اعتبارُها في الشريعة، باستقراء أدلة الشريعة الذي هو قطعي، أو ظنّي قريب من القطعي، أولى بنا وأجدر بالقياس وأدخل في الاحتجاج الشرعي. وإني لأعجب فرطَ العجب من إمام الحرمين على جلالة علمه ونفاذ فهمه كيف تردّد في هذا المقام. وأما الغزالي فأقبل وأدبر، فلحق مرّة بطرف الوفاق لاعتبار المصلحة المرسلة، ومرّة بطرف رأي إمام الحرمين، إذ تردّد في مقدار المصلحة. وجَلْبُ كلام إمام الحرمين في كتاب البرهان وكلام الغزالي في المستصفى يطول (٢) .
- vol. 2, p. 83
وقد ألحق بهذين في المرتبة بقية الخمسة. وذلك في قوله: ولحق بأولئك أفذاذ أحسب أن نفوسهم جاشت بمحاولة هذا الصنيع، مثل: العز بن عبد السلام، وأبي العباس أحمد بن إدريس القرافي اللذين حاولا جاهدَيْن تأسيس المقاصد الشرعية (١) .
-
وختم إكباره لجهود هؤلاء الأئمة بما ميّز به أبا إسحاق الشاطبي من قوله: والرجل الفذّ الذي أفرد هذا العلم بالتدوين هو أبو إسحاق الشاطبي. فخصّ القسم الثاني من كتابه الموافقات بعنوان كتاب المقاصد. وبحث فيه بعمق عن أغراض مقاصد الشرع، وتحدَّث عن أهم قضاياه. فأفاد جدّ الإفادة. وأنا أقتفي آثاره، ولا أهملُ مهمّاته، ولكن لا أقصد نقلَه ولا اختصارَه (٢) .
-
وكما تدلّ هذه الجمل وما قبلها على تقدير الشيخ ابن عاشور لمقالات المؤسسين لفن المقاصد، كل واحدة بالقدر الذي رسَخ منها في أفهام العلماء، فإنّه لم ير بأساً من التعليق على كلامهم والمناقشة لهم، والمؤاخذة على بعض تجاوزاتهم. وكان مع استدراكاته على ما نقل عنهم، معترفاً بجليل ما أفاده منهم منذ اندمج معهم، وامتزج بهم في تأصيل علم المقاصد والتطوّر به، وفي دعوة العلماء إلى العكوف على هذا الفن الشريف، واعتماد طريق الاستقراء لإثبات المقاصد الشرعية، وذكر الفروع الفقهية المرتبطة بها والخاضعة لها، اكتشافاً للمزيد من أسرار أحكام التشريع.
-
ولعلنا في إيجاز كامل نقدر على ردّ بعض مباحثه في المقاصد إلى مصادرها المشار إليها قبل.
- vol. 2, p. 84
[١ - الجويني: البرهان]
قال السبكي: وضع إمام الحرمين في أصول الفقه كتاب البرهان على أسلوب غريب لم يقتد فيه بأحد (١) ومما يطالعنا فيه عند حديثه عن المناهي إيراده مقولة الكعبي: أنه لا مباح في الشريعة. وفي الرد عليه، قال: والمباحات مقصودة منتحاة بقصد الإباحة، وليست مقصودة بالإيجاب كما تقع ذرائع إلى الانكفاف عن المحظورات. وحاصل ما جاء به الجويني من ذلك ردُّه الأمر إلى القصد في تلك المسالك ... فمَنْ لم يتفطّن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي فليس على بصيرة في وضع الشريعة (٢) . وقال في الباب الثالث من كتابه في تقاسيم العلل والأصول التي بها تظهر المقاصد ويُكشف عن المصالح:
- ونحن نقسّمها خمسة أقسام:
-
الأول: ما يعقل معناه وهو أصل، ويؤول المعنى المعقول منه إلى أمر ضروري لا بد منه، مع تقرير غاية الإيالة الكليّة والسياسيّة العامية. وهذا بمنزلة قضاء الشرع بوجوب القصاص في أوانه. فهو معلّل بتحقق العصمة في الدماء المحقونة، والزجر عن التهجّم عليها (٣) .
-
الثاني: ما يتعلق بالحاجة العامة، ولا ينتهي إلى حدِّ الضرورة. وهذا مثل تصحيح الإجارة، فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن، مع القصور عن تملّكها وضِنّة مُلّاكها بها على سبيل العارية (٤) .
- vol. 2, p. 85
الثالث: ما لا يتعلق بضرورة خاصّة ولا بحاجة عامّة، ولكنه يلوح فيه غرض في جلب مكرمة، أو في نفي نقيض لها، ويجوز أن يلتحق بهذا الجنس طهارة الحدث وإزالة الخبث (١) .
-
الرابع: ما لا يستند إلى حاجة وضرورة. وتحصيل المقصود فيه مندوب إليه تصريحاً ابتداء، وفي المسلك الثالث في تحصيله خروج عن قياس كلّي. وبهذه المرتبة يتميز هذا الضرب من الضرب الثالث، ومثاله وضع الشرع النكاحَ على تحصين الزوجين (٢) .
-
الخامس: ما لا يلوح فيه للمستنبط معنى أصلاً ولا مقتضى من ضرورة أو حاجة، أو استحثاث على مكرمة مبيناً أثرها فيتعقّبها. وهذا يندر تصويره جداً، فإنّه إن امتنع استباط معنى جزئي، فلا يمتنع تخيّله كليّاً، ومثاله: العبادات البدنية المحضة (٣) .
-
وقد تضمّن كتاب البرهان شواهد على عناية الجويني بالأصول وبالمقاصد الشرعية وردت في تأليف الشيخ ابن عاشور على الترتيب التالي:
١ - إدراج الجويني في البرهان كثيراً من الظنّيات.
-
٢ - لم يدون الأصوليون في أعمالهم أصولاً قواطع.
-
٣ - اعتذار إمام الحرمين عن إدخال ما ليس بقطعي في مسائل أصول الفقه. وقد تقدم تفصيل القول في ذلك مع بيان رأي الإمام ابن عاشور فيه ورده لكلام الجويني (٤) .
- vol. 2, p. 86
كانت هذه القضية تحتاج إلى زيادة من القول، فعاد الشيخ ابن عاشور إلى ذكر موضع الخلاف فيها وبيّن سببه في رأيه (١) .
-
٤ - ذكرُ الجويني لصيغة من الاستدلال العربي تَحتاج إلى التنبيه عليها. وذلك قوله: والذي نرى القطع به التعلّق بمقتضى الصيغة في أصل اللسان. فإذا نظرنا إلى معناها فهو عام، وإذا نظرنا إلى السبب فليس بدعاً أن يُسأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن شيء، فيذكر في مقابلته تأسيسَ شرع يأخذ منه السائلُ حظَّه، ويسترسل مقتضى اللفظ على غيره.
-
٥ - أورد الشيخ ابن عاشور الحكم بالتخيير لمن سقط على جماعة من الجرحى أو الصرعى، بحيث إذا وطئ على واحد منهم قتله، فإن انتقل إلى غيره قتله أيضاً. فقيل: يبقى واطئاً لمن نزل عليه، وقيل: يخيّر. فحكى عن الجويني قوله في الواقعة: هذه واقعة بحسب المفترض خَلَت عن حكم الله. ثم قال في الجواب: لا. لم تخلُ من حكم الله، ولا يُعتقَدُ خلو واقعة عن حكم الله، ولا نرى ذلك في قواعد الدين؛ ولأن التردّد أو التخيير في هذه الواقعة للمتردّي استواءُ الإقدام والإحجام فيها، وهو حقيقة الإباحة (٢) .
-
٦ - تفصيل القول في العمل بأخبار الآحاد والاختلاف فيه، إذا خالفت القواعدَ أو القياسَ أو عملَ أهل المدينة، ولسنا في مثل هذه الحالة بالذي يتمسك بالخبر، إذ لا محمل لترك العمل بالخبر إلا الاستهانة والإضراب وترك المبالاة أو العلم بكونه منسوخاً، وليس بين هذين التقديرين لاحتمال ثالث مجالٌ (٣) .
- vol. 2, p. 87
[٢ - الغزالي: شفاء الغليل، المنخول، المستصفى]
-
أما الغزالي تلميذ إمام الحرمين قد تعددت كُتبه، وتميّز به عصره، فاكتشف تصوّرات جديدة وقوانين معتبرة. نلمسها جميعَها في كتابه شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، وكتابه المنخول، وكتابه المستصفى وهو أكمل هذه الكتب وأدقها وأتمّها وأوفاها. سلك به سبيله إلى علمي الأصول والمقاصد، وقال عنه في مقدمته: "وضعت تصنيفاً في أصول الفقه أصرِفُ العنايَة فيه إلى التلفيق بين الترتيب والتحقيق، وإلى التوسط بين الإخلال والإملال ..... وجمعت فيه بين الترتيب والتحقيق لفهم المعاني. فلا مندوحة لأحدهما عن الثاني. فصنّفته وأتيت فيه بترتيب لطيف عجيب، يُطلع الناظر في أول وهلة على جميع مقاصد هذا العلم، ويفيده الاحتواء على جميع مسارح النظر فيه. فكل علم لا يستولي الطالب في ابتداء نظره على مجامعه ومبانيه، فلا مطمح له في الظفر بأسراره ومباغيه" (١) .
-
ورجع الشيخ ابن عاشور في المصلحة المرسلة أو الكليّات إلى مقالات الغزالي. ونقل عنه من المنخول قوله في المصلحة المرسلة: كل معنى مناسب للحكم مطرد في أحكام الشرع لا يَرُدُّه أصل مقطوع به يقوم عليه من كتاب أو سُنة أو إجماع فهو مقول به، وإن لم يشهد له أصل معيّن (٢) .
-
وأورد في نفس الغرض من شفاء الغليل قول الغزالي: قد رتبنا المناسب على ثلاث مراتب: ما يقع منه في رتبة الضروريات، ما يقع
vol. 2, p. 88منه في رتبة الحاجيات، وما يقع في رتبة التحسينيات والتزيينيات. فالواقع في الرتبة الأخيرة لا يجوز الاستمساك به ما لم يُعضَد بأصل معين ورد من الشرع الحكيم فيه على وفق المناسبة، فأمّا إذا لم يرد من الشرع حكم على وفقه فاتباعه وضعٌ للشرع بالرأي والاستحسان.
-
وأما الواقع من المناسبات في رتبة الضروريات أو الحاجيات فالذي نراه فيها أنه يجوز الاستمساك بها إن كان ملائماً لتصرفات الشرع، ولا يجوز الاستمساك بها إن كان غريباً لا يلائم القواعد (١) .
-
وذهب في مكان آخر إلى أن الواقع في رتبة الحاجيات والتحسينيات لا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل (٢) .
-
وقد سبق تصوير الإمام الأكبر سلوكَ الغزالي بأنّ فيه إقبالاً وإدباراً (٣) .
-
أما رجوع صاحب المقاصد إلى أقوال الغزالي في المستصفى فهو أكثر وأوسع. فمن ذلك وقوفه على جملة من الآراء نقلها عنه مثل:
١ - عدم قول الغزالي بدخول العِرض في الكليات الخمس (٤) . وقد صوب الشيخ ابن عاشور هذا الرأي واختاره على نحو ما فعل الغزالي في المستصفى، وابن الحاجب في مختصره.
-
٢ - جرى المؤلّف في تقسيمه المصالح باعتبار آثارها في قوام أمر الأمة فجعلها على نحو ما ذهب إليه الإمام الغزالي ثلاثة أقسام: ضرورية، وحاجية، وتحسينية (٥) .
- vol. 2, p. 89
٣ - فسّر الغزالي التحسينية بأنها المصالح التي تقع موقع التحسين أو التيسير للمزايا ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات. ومثّل لها بسلب العبد أهلية الشهادة مع قبول فتواه وروايته، لأن العبد ضعيفُ المنزلة باستسخار المالك إياه، فلا يليق لمنصبه التصدّي للشهادة (١) .
-
٤ - في بيان حمل المطلق على المقيّد إذا اتحد الموجَب والموجِب أو اختلفا. ذلك أن التقييد شرط، والمطلق محمول على المقيّد إن اتَّحَد الموجَب والموجِب. وينزّل الإطلاق فيه على الاشتراط. وهذا صحيح. ولكن على مذهب من لا يرى بين الخاص والعام تقابل الناسخ والمنسوخ (٢) .
-
٥ - اعتماد الغزالي قاعدة: أن النهي يقتضي الفساد (٣) .
-
[٣ - العز بن عبد السلام: القواعد]