الفصل الثاني: موضوعات من علم المقاصد في كتب جماعة من الفقهاء

95 paragraphs · vol. 2, p. 96

Page 1 of 3

  1. [ (١) المقاصد وكتاب الفروق للإمام القرافي]

    vol. 2, p. 96
  2. [الموضع الأول: انتصاب الشارع للتشريع]

  3. في السنة النبوية الشريفة ذكر للمقاصد الشرعية وتعريف بالطرق المساعدة على تعيينها والوقوف عليها. وهي جميعها مثبتة في باب انتصاب الشارع للتشريع من كتاب المقاصد. وتبرز القضايا الكثيرة منها في جملة مواقف:

    الأول: تنبيه الإمام ابن عاشور في بدء كلامه إلى ما اهتدى إليه القرافي، بل إلى ما سبق به غيرَه من تقسيم ما صدر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أقوال وأفعال إلى ثلاثة أقسام عنون لها في الفرق السادس والثلاثين بما تتميّز به قاعدة تصرّف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقضاء، أو تصرّفه بالفتوى أو التبليغ، أو تصرّفه بالإمامة (١) .

  4. الثاني: ذكرُ القرافي ما تتحقّق به الفروق الثلاثة في القاعدة السادسة والثلاثين. وهو أربع مسائل: جَعل من المسألة الأولى صورة للثبات والجزم، وعالج بقية المسائل ببيانها لكونها موضع خفاء وتردّد (٢) .

  5. الثالث: لزوم التوصّل إلى التفرقة بين ما هو صادر من الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مقام التشريع وما ليس هو من ذلك، والحرص على التأسّي بالرعيل الأول من الصحابة الذي كان يفرّق بسهولة بين ما هو منها من قضايا التشريع وبين ما هو بخلافه (١) .

    vol. 2, p. 97
  6. الرابع: أحاديث رواها الأئمة في تشفّع النبي - صلى الله عليه وسلم - لمغيث زوج بريرة لمراجعته، وإبائها ذلك. وتشفّع الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند دائني والد جابر بن عبد الله الأنصاري، فلم يستجيبوا له (٢) .

  7. الخامس: التحذير من خطأ بعض الفقهاء في بعض تصرّفات الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فيعمد إلى القياس عليها قبل التثبُّت في سبب صدورها، واتفاق علماء الأصول على ردِّ الأحاديث المتصلة بآثار الخِلقة وهي الجبلة، وعدم العمل بها (٣) .

  8. السادس: تفصيل الشيخ ابن عاشور القول في أنواع الحديث وبلوغه بها اثني عشر نوعاً، بعد أن حصرها القرافي في ثلاثة أنواع. وهي عند صاحب المقاصد متنوعة الأغراض بين التشريع، والفتوى، والقضاء، والإمارة. كما نلاحظ فيها أغراضاً أرى كالهدى، والصلاح، والإشارة على المستشير، والنصيحة، وتكميل النفوس، وتعليم الحقائق العالية، والتأديب، والتجرّد عن الإرشاد. وقد مثل شيخنا لكل غرض من هذه الأغراض النبوية، وما كانت تصدر عنه - صلى الله عليه وسلم - من تصرّفات أو أقوال تستجيب لمختلف الأحوال والظروف (٤) .

  9. وقد قارن استعراضَ النصوص الحديثية التشريعية بيانُ أحكامها، وذكر القرائن المصاحبة للتشريع (٥) .

  10. ومن الحديث عن الدليل من السُّنة النبوية، الذي لا يصحّ الاحتجاج به في حكم من الأحكام، إلا إذا كان خاضعاً لشروط، أهمّها: أن يكون الحديث صادراً في مقام التشريع؛ شاملاً القضاء أو الفتوى، فكلاهما تطبيق للشريعة، أو صادراً عن مقام الإمارة الذي يصوّر لنا في الغالب تصرّفات النبي - صلى الله عليه وسلم - وتشريعاته فيما يقع خلال أحوال الحروب مما يحتمل خصوصيّة ما (١) .

    vol. 2, p. 98
  11. [الموضع الثاني: الحقوق وإسقاطها]

  12. من الموضوعات التي حدّد شيخنا أحكامها وفصّل القول فيها، بناء على ما كتبه الفقهاء والأصوليون من قبل، موضوع الحقوق وإسقاطها. فقد أدرج الحديث عنها في باب طلب الشريعة للمصالح، وفي الفقرات التي بينت للناس منهج الشريعة الإسلامية في المحافظة على أنواع المصالح باعتبار تصرّف الناس فيها، وبحسب تنوّعها إلى حقوق ذاتية ثابتة للإنسان على غيره، أو حقوق ثابتة للإنسان في نفسه ولا تعلّق لها بغيره. وفي التوطئة لذلك نبَّه الشيخ ابن عاشور إلى أن المحافظة على أنواع المصالح باعتبار تصرّف الناس فيها بالاتساع والتضييق تجعل لكلّ أحدٍ الاختيار في حقوقه الذاتية الثابتة له على غيره. فله أن يسقطها إن شاء، لأن كونها حقوقاً له، وكونها مطالِباً بها غيره، تحوم حوله مظنة حرصه على تقاضيها. فالشريعة تَكِله إلى الداعي الجِبِلِّي. هو داعي حب النفس والمنافسة في الاكتساب. فالإسقاط لا يكون إلا لغرض صحيح. فإن تجاوز ذلك الحد، فاختل الداعي الجبلي، سمّي سفهاً يمنع صاحبه من التصرّف. وعلى هذا النحو حدد الشيخ ابن عاشور ما يرجع إلى الحقوق الثابتة للإنسان في

    vol. 2, p. 99نفسه، وكذلك ما يعود منها إلى قسمي المصلحة. فليس لأحد إسقاط حقه فيها، لأن حقّه ثابت مع حقّ غيره (١) . وقد وقفتُ عند خصوص هذه الجزئية من البحث، وإن تعددت المراجع في قاعدة الحقوق، لما ذكره صاحب المقاصد من أسرار ولطائف لا ينبغي أن يطغى عليها غيرُها بكثرته وتعدد مسائله.

  13. ويرتبط هذا كله بما ورد في الفرق الثاني والعشرين من قاعدة حقوق الله وقاعدة حقوق الآدميين من كتاب الفروق. قال القرافي: فحق الله أمره ونهيه، وحق العبد مصالحه، والتكاليف على ثلاثة أقسام: حق الله تعالى فقط كالإيمان وتحريم الكفر، وحق العباد فقط كالديون والأثمان. وقسم اختلف فيه هل يغلب فيه حق الله تعالى أو حق العبد كحد القذف (٢) . وقد اشتمل هذا الفرق على مسائل كثيرة وضعها الشيخ ابن عاشور مواضعها، وتحدث عنها كمسائل مفردة إبرازاً لأهميتها وتفصيلاً لأحكامها.

  14. الموضع الثالث: نوط الأحكام الشرعية بمعانٍ وأوصاف لا بأسماء وأشكال:

    من المسائل التي استوقفت الإمام الأكبر، وإن كانت خاضعة لقاعدة من أهم القواعد؛ هي نوط الأحكام الشرعية بمعان وأوصاف لا بأسماء وأشكال، مثل ما يعرض لبعض الفقهاء من تسليط أحكامهم على الأسماء الموضوعة لبعض المسميات، فتكون فتاواهم واحدة، وإن تغير المسمى ولم يبقَ خاضعاً لما وضع له من الأسماء أصالة أيام التشريع.

  15. وإذا كان الإمام القرافي قد افتتح الفرق الأربعين من كتابه

    vol. 2, p. 100الفروق (١) ، بموضوع التمييز بين قاعدة المسكرات، وقاعدة المرقّدات، وقاعدة المفسدات، مبيناً كل واحدة منها بقوله: فإن المتناول من هذه، أي من الثلاثة، إما أن تغيب عنه الحواس أَوْ لَا، فإن غابت معه الحواس فهو المرقد، وإن لم تغب عنه فلا يخلو إما أن يحدثَ عنه نشوةٌ وسرورٌ وقوةُ نفس عند غالب المتناول له أَوْ لَا، فإن حَدَثَ ذلك فهو المسكِر وإلا فهو المفسد. فالمسكر هو المغيّب للعقل مع نشوة وسرور كالخمر ونحوها، والمفسد هو المشوش للعقل مع عدم السرور الغالب كالبنج. اهـ.

  16. وقد استنتج من هذه التعريفات أن الحشيشة مفسدة وليست بمسكرة، وأن الخمر والمسكرات لا تكاد تجد أحداً ممن يشربها إلا وهو نشوان. فالحشيشة عند القرافي من المفسدات وليست من المسكرات، لم يوجب فيها الحدَّ، ولا أبطل بها الصلاة، بل اكتفى بالتعزير الزاجر عن ملابستها. وهكذا فرّق بين العقوبات منبّهاً إلى أن المسكرات تنفرد عن المرقدات والمفسدات بثلاثة أحكام هي: الحد والتنجيس وتحريم اليسير، والمرقدات والمفسدات لا حد فيها ولا تنجيس، ويجوز تناول اليسير منها.

  17. وذكرَ الشيخ ابن عاشور من هذا أمثلةً أخرى تتصل بالسحر والساحر، وبالتدخين، وبشرب القهوة، منتهياً إلى ضبط قواعد لا بد من الالتزام بها في الحكم والفتوى. قال:

    إن من حق الفقيه أن ينظر إلى الأسماء الموضوعة للمسمى أصالة أيام التشريع، وإلى الأشكال المتطوّرة عند التشريع، من حيث

    vol. 2, p. 101إنهما طريق لتعرّف الحالة الملحوظة وقت التشريع، وسبيل إلى معرفة الوصف المرعي للشارع في بناء الحكم عليه.

  18. وبعد لفته النظر إلى هذه القاعدة الكلية يأتي المؤلف إلى الجزئيات وإلى الأمثلة التطبيقية، فلا يطلق اسم الساحر على المشعوذ بل يفرّق بينهما، ولا الحشيش المخدر على التبغ، ولا الخمر على القهوة اليمانية، ويعيّرُ من يفعل ذلك بالغفلة والوهم، وتجاوز الحد في الأحكام.

  19. وفي نهاية هذا الفصل يذكر الإمام الأكبر قواعد شرعية تكشف عن أسرار التشريع، وعن الحكمة التي نيطت بموجبها الأفعال بالأحكام فيقول: ولم يزل الفقهاء يتوخّون التفرقة بين الأوصاف المقصودة للتشريع وبين الأوصاف المقارنة لها، كما أن الأسماء الشرعية تكون هي المعتبر مطابقتها للمعاني الملحوظة للشارع في مسمّياتها، عند وضع المصطلحات الشرعية. كما بيّن أحكام بعض التبرّعات عند اختلاف صيغها عند التعاقد عن صيغها الأصلية مرتباً على هذا أحكاماً أخرى فقهية (١) .

  20. الموضع الرابع: سدّ الذرائع:
  21. قال الأصوليون في تعريفه: هو منع ما يجوز لئلا يُتَطرَّقَ به إلى ما لا يجوز. وهذا الموضوع تعرّض له القرافي غير مرّة في كتابه الفروق، وفي التنقيح. وهو قضية معتمدة عند المالكية وعند غيرهم من سواد الأمة. وقارن ابن رشد بين المذاهب في سدّ الذرائع فقال: أباح الذرائع الشافعيُّ وأبو حنيفة وأصحابُهما (٢) . وذكر القرافي في الفرق ١٩٤ من كتابه (٣) أن ذريعة الفساد ثلاثة أقسام:

    vol. 2, p. 102ما هو مجمع على عدم سدّه؛ كزراعة العنب، والتجاور في البيوت.

  22. ومجمع على سدِّه؛ كحفر الآبار في طريق المارَّة.

  23. ومختلف فيه؛ مثل بيوع الآجال.

  24. وعلق الشيخ ابن عاشور على هذا التقسيم بقوله: "ولم يبحث القرافي عن وجوب الاعتداد ببعض هذه الذرائع دون بعض. وهو عندي التوازن بين ما في الفعل الذي هو ذريعة من المصلحة، وما في مثاله من المفسدة فيُرجع إلى قاعدة تعارض المصالح والمفاسد. ومثّل لذلك بالاحتياط؛ وهو الأخذ بقاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وبالجهاد، وهو مفسدة في الأنفس والأموال، ولكنه آيلٌ إلى حماية البيضة، وحفظ سلامة الأمة، وبقائها في أمن" .

  25. ومقصد سدّ الذرائع مقصد تشريعي عظيم استفيد من استقراء تصرّفات الشريعة في تشاريع أحكامها، وفي سياسة تصرّفاتها مع الأمم، وفي تنفيذ مقاصدها. فله في الشريعة ثلاثة مظاهر. وبعد ذكر التقسيم للقول بسد الذرائع، وجعل هذا الأمر واجباً حتماً يعلّل ما ذهب إليه الإمام مالك بقوله: فذلك هو وجه اعتداد مالك بالتهمة فيها، إذ ليس لقصد الناس تأثر في التشريع، لولا أن ذلك إذا سقط صار القصدُ مآلَ الفعل، وهو مقصود للناس استحلوا به ما مُنع عليهم.

  26. وينتهي الشيخ ابن عاشور من مقالته هذه في مناقشته القرافي إلى أن سدّ الذرائع قابل للتضييق والتوسّع في اعتباره بحسب ضعف الوازع في الناس وقوّته. ويضيف إلى هذا قوله: ولولا أن سدّ الذرائع قد جعل لقباً لخصوص سد ذرائع الفساد، لقلنا: إن الشريعة

    vol. 2, p. 103كما سدّت الذرائع فتحت ذرائع أخرى (١) . وهو ما نبّه إليه الشهاب القرافي نفسه (٢) .

  27. [الموضع الخامس: نفوذ الشريعة]

  28. في نفوذ الشريعة، وتطبيقها إقامة العدل. وفيه مسلكان: مسلك الحزم في تطبيقها، ومسلك التيسير والرحمة، بقدر لا يفضي إلى انخرام مقاصد الشريعة. وقد أورد القرافي جملةً من القواعد نشأت في الفقه الإسلامي؛ من بينها: أن النهي يقتضي الفساد.

  29. ذكر هذه القاعدة الإمام القرافي في الفرق السبعين. ونبّه عليها أكثر علماء الأصول؛ كابن الوكيل والجويني والغزالي والرازي والآمدي والأصفهاني وابن حزم وابن الخباز، والعلائي في رسالة له بعنوان تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد. وهذه القاعدة من مسلَّمات علم أصول الفقه وفروعه. ولا ينبغي أن تتساهل الأمة في الغفلة عنها أو يتهاون بها؛ لأنها من مقاصد الشريعة، ولأن الاسترسال في عدم اعتبارها يستشري في الناس فينتهي بهم الأمر إلى إضاعة معظم الشريعة. وذهب الشيخ ابن عاشور يؤكّد ذلك ويضرب له الأمثلة بمحافظة الشريعة على أحكامها في الأحوال التي يتحقق فيها عدم فوات المقصد، ثم أتبع هذا بقوله: ولإكمال الوصول إلى الغاية من هذا المسلك أقام نظامُ الشريعة أمناء ووزعة لتنفيذ أحكامها ومقاصدها في الناس بالرغبة والرهبة، أعني بالموعظة والقوّة، متمسِّكاً في هذا بالقرآن الحكيم، ومستشهداً على إرادة البلوغ بالأحكام الشرعية إلى الالتزام بها والتنفيذ بها بما أورده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إقامته الحدود، وبعثه

    vol. 2, p. 104الأمراء والقضاة والأمناء. وقد اعتبر ذلك كله من أصول نظام الحكومة الإسلامية.

  30. ومن ثم نجد الشيخ يكمل درس هذه المسألة بالإشارة إلى فرقين آخرين، توسع أيضاً في بيانهما. وهما الفرق السادس والتسعون بين قاعدة من يتعين تقديمه وبين قاعدة من يتعين تأخيره في الولايات والمناصب والاستحقاقات الشرعية (١) ، والفرق الثالث والعشرون بعد المائتين بين قاعدة ما ينفّذ من تصرّفات الولاة والقضاة وبين قاعدة ما لا ينفّذ من ذلك. وهو خمسة أقسام (٢) .

  31. وقد نعتبر من ذلك سأله الوفاء بالعقود الذي حثّ عليه تعالى بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (٣) . واستدل على وجوب مراعاة أصل مقصد الرواج في العقود المالية بما تقتضيه تلك العقود من لزوم دون تخيير إلا بشرط. ويتعرض إلى الفرق السادس والتسعين بعد المائة (٤) . مضيفاً إليه قوله: وأما العقود التي جعلها فقهاؤنا غير لازمة بمجرد العقد، بل حتى يقع الشروع في العمل كما في الجُعل والقراض باتفاق، والمغارسة والمزارعة على خلاف، فإنما نظر فيها إلى عذر العامل. فمصلحة العقد بالأصالة في لزومه، وتأخرُ اللزوم في هذه لمانعٍ عارض، خلافاً لظاهر كلام القرافي في الفرق التاسع بعد المائتين (٥) .

  32. وهذه القواعد وما يتصل بها من بيان الشيخ ابن عاشور

    vol. 2, p. 105وتعليقاته تحتاج وحدها إلى دراسة وافية جامعة، فهو لم يتناولها في كتابه هذا إلا في أوراق محدودة معدودة (١) .

  33. وما من شك في أن هذه الدراسة تتناول عناصر أخرى:

    منها ما أومأ إليه صاحب المقاصد فيما تضمنه فصل: واجب الاجتهاد، إذ اعتبر هذا العمل الديني الشرعي فرضَ كفاية على الأمة بمقدار حاجة أقطارها وأحوالها. فاقترح في عصرنا هذا إقامة مجمع فقهي إسلامي، ضَبَط شروطه ووصف أعضاءه بما يحقق المراد منه.

  34. وأشار إلى جملة من القضايا تحتاج في زماننا إلى إعادة النظر والدراسة لها مجدداً، تيسيراً على الناس وحفظاً لمصالحهم. فذكر من ذلك مسائل بيع الطعام، والمقاصّة، وبيوع الآجال، وكراء الأرض بما يخرج منها، والشفعة في خصوص ما يقبل القسمة، معلّلاً دعوته هذه بما عليه أحكام تلك المسائل الاجتهادية من تضييق على الناس.

  35. وهو يهيب بالعلماء من أهل النظر السديد في فقه الشريعة إلى وجوب مراعاة حاجة الأمة الإسلامية. وذلك بمعرفة مقصدها والتيسير بينها وبين الوسائل المعينة عليها، وبتحصيل الخيرة بمواضع الحاجة في الأمة، وبالمقدرة على إمدادها بالمعالجة الشرعية لاستبقاء عظمتها واسترفاء خروقها، ووضع الهناء بمواضع النقب في أديمها (٢) .

  36. [ (٢) المقاصد وكتاب نفائس الأصول]

  37. تعرض القرافي في كتابه هذا للمطلق والمقيّد.

  38. ١ - ذكر الشيخ ابن عاشور بعض مسائل من أصول الفقه كانت مغمورة أو مهجورة في كتب المتقدمين، بحيث لا يبلغ الدارس إلى الوقوف عليها. فبقيت ضئيلة منسية، وهي بأن تعدّ في علم المقاصد حرية. وذكر من بين تلك المباحث حمل المطلق على المقيّد، اتحد الموجِب والموجَب أو اختلفا (١) . وهذا مما ذكرناه فيما تعرض له الغزالي في المستصفى معتبراً أن التقييد اشتراط، وأن المطلق محمول على المقيّد إن اتحد الموجِب والموجَب. وهذه القضية كانت محل خلاف بين الجمهور وبين الشافعية والحنفية، كما أن القول فيها تَبايَنَ بين ما ذهب إليه الرازي في المحصول، وما ورد بخلافه من كلام ابن العربي. وتعرض القرافي لهذه القضية بالتفصيل (٢) فكان بما تناولها به في كتبه المصدرَ والمرجعَ لضبط هذه المسألة.

    vol. 2, p. 106
  39. ٢ - إيراد رأي الأبياري في قطعيّة أدلّة أصول الفقه في المسألة الثانية من مسائل اللفظ في الأمر والنهي من شرح القرافي على المحصول، واطّلاع شيخنا عن طريقه على أقوال العلماء في الموضوع (٣) .

  40. ٣ - علّق ابن عاشور على رأي الأبياري في كون مسائل الأصول قطعيّة، ولا يكفي فيها الظنّ، ومدركها قطعي. ولكنه ليس المسطور في الكتب، بل معنى قول العلماء إنّها قطعيّة أن من كثُر استقراؤُه واطلاعُه على أقضية الصحابة ومناظراتهم وفتاواهم، وموارد النصوص الشرعية لديهم حصل له القطع بقواعد الأصول. وهذا القول مردود وجوباً باطل؛ لأننا بصدد الحكم على مسائل علم أصول

    vol. 2, p. 107الفقه لا على ما يحصل لبعض علماء الشريعة (١) .