الفصل الثالث: المقاصد العامة والمصالح
74 paragraphs · vol. 2, p. 120
Page 1 of 2
- vol. 2, p. 120
المقاصد لغة جمع مقصد. وهو مِن قصَد يقصِد قصداً ومقصداً.
-
ورد القصدُ أو المقصدُ في كلام العرب بمعنى الاعتزام والتوجّه والنهوض نحو الشيء على اعتدال كان ذلك أو جور. وإن كان قد يخصّ في بعض المواضع بقصد الاستقامة دون الميل. ألا ترى أنك تقصد الجور كما تقصد العدل. فالاعتزام والتوجّه شامل لهما (١) .
-
ومن هذا التعريف اللغوي أثبتوا للمقاصد عدة معانٍ منها:
(١) الاعتماد، والأَمّ، وإتيان الشيء، والتوجّه.
-
(٢) استقامة الطريق.
-
(٣) العدل، والتوسط، وعدم الإفراط.
-
(٤) الكسر في أي وجه كان.
-
ولم يحدد القدماء من علوم أصول الفقه معنى القصد أو المقصد اصطلاحاً. ولا يفي بذلك ما نقل عن بعضهم من التنصيص على جملة من المقاصد أو التقسيم لأنواعها، أو البيان للغرض الذي يحصل به مراعاتها من جلب المصالح ودرء المفاسد.
- vol. 2, p. 121
ولعل أول من عني ببيان معنى المقاصد اصطلاحاً، هو الإمام الأكبر في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية. فقد قدم للقسم الثاني منه بقوله:
المقاصد العامة هي المعاني والحِكم الملحوظة للشارع في جميع أصول التشريع أو معظمها، بحيث لا تختصُّ ملاحظتها بالكون في نوع خاصًّ من أحكام الشريعة، وتدخل في هذا أوصاف الشريعة وغايتُها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، كما تدخل في هذا أيضاً معان من الحِكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها (١) .
-
ونقرأ له بعد ذلك قبل تفصيله القول في المقاصد الخاصة، وأثناء التفريق بين المقاصد والوسائل: "المقاصد هي الأعمال والتصرّفات المقصودة لذاتها، والتي تسعى النفوس إلى تحصيلها بمساع شتى، أو تُحمل على السعي إليها امتثالاً" . وزاد عند حديثه عن المعاملات: "المقاصد من موارد الأحكام، وهي المتضمّنة للمصالح والمفاسد في أنفسها" .
-
ووضع الإمام حداً ثانياً يميّز به المقاصد الخاصة عن العامة، وهو قوله: "هي الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة، أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرّفاتهم الخاصة، كي لا يعود سعيهم في مصالحهم الخاصة بإبطال ما أسس لهم من تحصيلهم مصالحهم العامة، إبطالاً عن غفلة أو عن استزلال هوى وباطل شهوة" .
- vol. 2, p. 122
وتدخل في ذلك كل حكمة رعيت في تشريع أحكام تصرفات الناس. ويتفرع عن هذه الحقيقة حصر مقاصد الناس في تصرفاتهم. فهي المعاني التي لأجلها تعاقدوا أو تعاطوا أو تغارموا أو تقاضوا أو تصالحوا.
- وذكر الإمام لهذه المقاصد رتبتين:
-
الأولى: منهما، وهي العليا، هي أنواع التصرّفات التي اتفق عليها العقلاء أو جمهورهم لما وجدوا من ملاءمتها لانتظام حياتهم الاجتماعية.
-
والثانية: هي الدنيا، وهي التي قصد إليها فريق من الناس وآحاد منهم في تصرّفاتهم لملاءمة خاصة لها ببعض أحوالهم.
-
وإذا كانت المقاصد الأولى العامة تعتمد من جهة الفطرة، وتتولد عنها السماحة والمساواة والحرية وتمضي بنا إلى الغاية التي يصورها لنا المقصد العام من التشريع وهو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان، والتصور الكامل للحقوق، فإن المقاصد الخاصة تشمل أحكام الأسرة، والتصرفات المالية، والأموال، والمعاملات المنعقدة على عمل الأبدان، وأحكام التبرعات، وأحكام القضاء والشهادة وما يتصل بذلك من تصرف القاضي في تعيين المؤتمن من بين أفراد المستحقين أو من غيرهم، والتعجيل بإيصال الحقوق إلى أصحابها، والمقصد الشرعي من العقوبات.
-
وتعتبر هذه وتلك من المقاصد حقوقاً عند البعض لما في الحقوق من ضمان للمصالح. وهذه الحقوق منها ما يعرف بإضافته لله، ومنها ما يضاف للعبد، ومنها الحقوق المشتركة.
- vol. 2, p. 123
وليس المراد من حق الله هنا التوحيد والعبادة، فهذان داخلان في العقائد والعبادات، وإنما المقصود من حقوق الله هو حقوق الأمة التي فيها تحصيل النفع العام أو الغالب، أو حق من يعجز عن حماية حقّه. فهذه الحقوق التي تحفظ المقاصد العامة للشريعة، وتحفظ المقاصد الخاصة بحماية تصرفات الناس في اكتساب مصالحهم الخاصة، وحفظ حقّ كل من يظنّ به الضعف عن حماية حقّه؛ أوصى الشارع بها عباده، وحملهم على مراعاتها. ولم يجز لأي أحدٍ منهم إسقاطها.
-
والمراد من حق العبد التصرّفات التي يجلب بها المرء لنفسه ما يلائمها أو يدفع بها عنها ما ينافرها. وحقوق العباد هي الغالب. والمشترك من الحقين يغلب فيه حق الله، وربما غلب حق العبد إذا لم يمكن تدارك حق الله (١) .
-
[الفطرة]
-
ربط الإمام مقاصد الشريعة بالفطرة. فهي الوصف الأعظم للشريعة الإسلامية. قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} (٢) . فأعرب الآية، وذكر تآويل المفسرين لكلمة الفطرة، ناقلاً عن الزمخشري وابن عطية أنها جملة الدين بعقائده وشرائعه.
-
وهي عنده: الخِلقة بمعنى النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق. ففطرة الإنسان ما فُطر عليه، أي ما خُلق عليه ظاهراً وباطناً، جسداً وعقلاً.
- vol. 2, p. 124
وتتنوع الفطرة، فمنها العقلية ومنها النفسية. فالفطرة العقلية، وُصف الإسلام بها، لأنها تشمل العقائد والتشريعات؛ فهي تُدرَك بالعقل، وتجري على وفق ما يشهد به العقل من المُدرَكات.
-
ولزيادة بيان هذا الوصف أورد الإمام كلام ابن سينا في الفطرة. وهو كلام طويل جاء منه في كتاب النجاة، أن من الفطرة فطرةَ الذهن، ووصفها بأنها تكون كاذبة. والفطرةُ الصادقة لديه هي مقدمات وآراء مشهورة محمودة أوجب التصديق بها إمّا شهادةُ الكل، وإمّا شهادةُ الأكثر، وإمّا شهادةُ العلماء والأفاضل منهم. وأخرج بهذا الذائعات. وجعل أقدر الناس على تمييزها عمّا يلتبس بها من المدركات والوجدانيات، العلماءَ والحكماءَ وأهلَ العقول الراجحة.
-
وزاد الشيخ: الفطرة النفسية. وهي الحالة التي خلق الله عليها عقل النوع الإنساني سالماً من الاختلاط بالرعونات والعادات الفاسدة (١) ، وجعلها - بعد استبعاده الأوهام والتخيّلات، منشأ أو مصدر الأصول التي جاء بها الإسلام من الفطرة، وأتبعها بفروع هي الفضائل الذاتية المقبولة التي دعا إليها الإسلام وحرّض عليها. وعدّ من ذلك: الزواج، والإرضاع، والتعاوض، وآداب المعاشرة، وحفظ الأنفس والأنساب، والحضارة الحق، والمخترعات.
- وختم المؤلف حديثه عن الفطرة بالتنبيه:
-
أولاً: إلى أن مقتضيات الفطرة، إذا لم يمكن الجمع بينها في العمل، فإنه يصار إلى ترجيح أولاها وأبقاها على استقامة الفطرة.
-
وثانياً: إلى أن القضاء بالعوائد يرجع إلى معنى الفطرة (٢) .
- vol. 2, p. 125
ومن خلاصة هذا الكلام يتبيّن لنا أن الفطرة تمثل خط السير الأساسَ الذي تجري عليه الأحكام الشرعية، كما أن القصد من تلك الأحكام أن تكون موسومة بسيماه وعلى وفقه.
-
ويظهر التعانق بين الفطرة والدين القيّم من البيان العالي والتقرير السامي الذي كشف به عن المقصد الأعظم الوارد في القرآن الكريم. وذلك ما يتأتّى عن طريقه حملُ الناس على الخير والصلاح المُطلق بالأخذ بما تضمّنه التنزيل من تفصيل للمقاصد ودعوة إلى الأخذ بها. فالقرآن أنزله تعالى كتاباً لصلاح أمر الناس كافة، رحمةً لهم، لتبليغهم مراد الله منهم. والمقصد الأعلى من ذلك صلاح الأحوال الفردية والجماعية والعمرانية. قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (١) . ووجب على التالي لهذا الكتاب أن يعلم المقاصد التي جاء القرآن لتبْيِينها. وقد حصرها الإمام في ثمانية أمور بلغ إليها بحسب ما انتهى إليه استقراؤه وهي:
(١) إصلاح الاعتقاد وتعليم العقد الصحيح: وهذا أعظم سبب لإصلاح الخلق.
-
(٢) تهذيب الأخلاق: قال تعالى مخاطباً رسوله ونبيه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (٢) وما كان هذا الخلق العظيم إلا السمت الفريد الذي جاء به القرآن، وتقمّصه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكمال تعلّقه به.
-
(٣) التشريع: وهو الأحكام خاصة وعامة. قال الشاطبي: لأن القرآن على اختصاره جامع، والشريعة تمت بتمامه، ولا يكون جامعاً لتمام الدين إلا والمجموع فيه أمور كلية.
- vol. 2, p. 126
(٤) سياسة الأمة. وهي باب عظيم في القرآن، القصد منه صلاح الأمة وحفظ نظامها كالإرشاد إلى تكوين الجامعة بقوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} (١) .
-
(٥) القصص وأخبار الأمم السالفة للتأسي بصالح أحوالهم: {أولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (٢) .
-
(٦) التعليم بما يناسب المعاصرين، وما يؤهلهم إلى تلقي الشريعة ونشرِها. وذلك علم الشرائع وعلم الأخبار.
-
(٧) المواعظ والنذر والتحذير والتبشير: وهذا باب عجيب في الترغيب والترهيب.
-
(٨) الإعجاز بالقرآن ليكون آية دالة على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - (٣) .
-
[السماحة]
-
في التمهيد للحديث عن المقاصد، وتحقيق فعالياتها الخيّرة في المجتمعات البشرية، ومن إمعان النظر في المقصد العام من التشريع ومسايرته لحفظ الفطرة، ومجانبته ما يمكن أن يكون سبباً في خرقها واختلالها، يتولّد المقصد العظيم في الشريعة الإسلامية وهو السماحة.
-
ولا بدع في هذا؛ فإن السماحة هي قوام الصفات الفاضلة. فهي منبع الكمالات والاعتدال والتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط.
- vol. 2, p. 127
يدلّ على ذلك وصف الله تعالى الأمة الإسلامية أو صدّرها بها: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (١) . وقد وردت نصوص كثيرة من القرآن والسُّنة نذكر منها جملة تشهد بأن من استقراء الشريعة يحصل العلم بأنَّ السماحة واليُسر من مقاصد الدين. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يسّرا ولا تعسّرا وبشّرا ولا تنفّرا" (٢) . وتبعاً لهذا قرر الشاطبي: أن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع. وإنا لندرك هنا أن السماحة كان لها الأثر الكبير في انتشار الشريعة وبقائها. فاليسر من الفطرة، ومن الفطرة حب الرفق، وفي ذلك جميعاً رحمة للناس.