الفصل الثالث: المقاصد العامة والمصالح

74 paragraphs · vol. 2, p. 120

Page 2 of 2

  1. ومن المقاصد الشرعية المتولدة عن الفطرة حقائق وأوصاف كثيرة نذكر منها المساواة والحرية.

    vol. 2, p. 127
  2. [المساواة]

  3. هي مقصد شرعي نشأ عن عموم الشريعة كقولنا: المسلمون سواءٌ بأصل الخلقة واتحاد الدين. وكل ما شهِدت به الفطرة من التساوي فيه فرضته أحكام الشريعة، وكل ما شهدت الفطرة منه بالتفاوت بين الناس كان التشريع بمعزل عن فرض الأحكام الشرعية فيه متساوية.

  4. فالناس سواءٌ في البشرية، في حقوق الحياة بحسب الفطرة، وهم متساوون في أصول التشريع. وذلك في حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسب، وحفظ المال، وحفظ العقل، وزاد بعضهم حفظ العرض.

  5. والمساواة في التشريع أصل لا يتخلف إلا عند وجود مانع.

  6. والموانع هي العوارض وهي أربعة أنواع: جبليّة، وشرعية، واجتماعية، وسياسية (١) .

    vol. 2, p. 128
  7. والمساواة هي الظاهرةُ البارزةُ المميّزةُ لهذه الشريعة. وهي مناط العدل وإثبات الحق. والأخوةُ في الدين بين جميع المسلمين تمثّل وحدة، يتحد بصفة عامة فيها، الفكر والتوجّه، ويخضع كل أفرادها إلى تشريع واحد يدينون لله به. وهو تشريع لا يتأثّر بقوّة أو ضعف، يَحمِل دوماً على مراعاة هذا الأصل، وعلى نبذ كل ما عداه من أسباب المجافاة للحق التي قد تخامر العقل، أو يحمل عليها نوع من أنواع العصبيّات النسبيّة أو القبليّة. فالمساواة حقيقة أقرها المنهج الإسلامي، وفرض سلطانها، ورعايةَ المؤمنين جميعِهِم لها. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (٢) . وفي هذا تقرير للمساواة بين أفراد الجنس البشري، كما يدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -، في القضاء وجوباً على كل ميز عنصري: "كلكم لآدم وآدم من تراب" (٣) .

  8. والتساوي في حقوق الحياة في هذا العالم بحسب الفطرة، لا على ما يكون من تفاوت في الألوان والصور والسلائل والأوطان. ومن أغراض هذا المقصد في أصول التشريع حقّ الوجود في حفظ النفس والنسب والمال، وحق الاستقرار في الأرض التي اكتسبها النالس أو نشأوا فيها، وحق حفظ أسباب البقاء على حالة نافعة ولا

    vol. 2, p. 129يتم هذا إلا بحفظ العقل والعرض (١) . وقد جاء قول الله - عز وجل - يؤكّد هذه الحقائق: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (٢) .

  9. [موانع المساواة]

  10. وتظهر بين الناس فروق يمتنع معها اعتبار المساواة والاعتداد بها. وذلك متى وُجِدت موانع معتبرة. وهذه الموانع أو العوارض متى تحقّقت أوجبت إلغاء حكم المساواة، إما لظهور مصلحة راجحة في ذلك الإلغاء، وإما لظهور مفسدة عند إجراء المساواة. وأنواع الموانع أربعة:

    (١) الموانع الجِبِلِّية: كمنع مساواة المرأة الرجل فيما تقصر فيه عنه بموجب أصل الخلقة، ومنها منع مساواة الرجل للمرأة في حق كفالة الصغار. وألحقوا في الماضي منع مساواة المرأة للرجل، فيما هو من خصائص الرجال وهو الكسب والإنفاق.

  11. (٢) الموانع الشرعية: وهي ما كان سببها تعيين الشرع. والتشريع الحق لا يكون إلا مستنداً إلى حِكمة أو علّة معتبرة.

  12. (٣) الموانع الاجتماعية: وأكثرها ما بني على ما فيه صلاح المجتمع، أو على معان معقولة، أو على ما اعتاده الناس، وتواضعوا عليه، فأصبح أصلاً لهم يعتمدونه ويتعاملون به.

  13. (٤) الموانع السياسية. وهي الأحوال التي تؤثر في سياسة الأمة فتقتضي إبطال حكم المساواة بين أصناف أو أشخاص، أو في أحوال خاصة، مراعاة لتحقيق مصلحة من مصالح الأمة.

  14. [الحرية]

    vol. 2, p. 130
  15. يعزّز الصفات التي ذكرناها ما جاء في الشريعة من بيان مدى حرية التصرّف بين الناس. وللحرية عدة معانٍ. فهي تعني أساساً استواءَ أفراد الأمة في تصرّفهم في أنفسهم. وهذا بدون شك مقصد أصلي من مقاصد الشريعة.

  16. وتُطلق الحرية بإزاء معانٍ كثيرة أخرى:
  17. أولها: ما يضاد العبودية. فمن أهم المقاصد التي دل عليها الاستقراء إبطال العبوديّة وتعميم الحرية.

  18. ثانيها: أن يتصرّف الشخص العاقل في شؤونه بالأصالة، تصرّفاً غير متوقّف على رضا أحد آخر. وتطلق هذه الحريّة مجازاً على تمكّن الشخص من التصرّف في نفسه وشؤونه كما يشاء دون معارض.

  19. ولا شك أن معنيي الحرية المزدوج مراد للشارع: وذلك لنشأتها على الفطرة، ولكونها تقتضي المساواة. وهي من مقاصد الشريعة الأساسية.

  20. وباستقراء نصوص الشريعة ندرك مدى تشوُّف الشريعة إلى الحرية وحرصها على بثها بين الناس. فالحرية من مقاصد الإسلام. وتتعلّق بعدة مظاهر في المعتقد والقول والعمل ونحو ذلك.

  21. [تشوف الشارع للحرية]

  22. أكد الفقهاء على تشوّف الشارع للحرية. فكان من أكبر مقاصد السياسة الإسلامية إيقاف غلواء الأمم الظالمة الطاغية، والانتصاف من الأقوياء للضعفاء. وقد سلط الإسلام عوامل الحرية على عوامل

    vol. 2, p. 131العبودية جمعاً بين نشر الحرية وحفظ نظام العالم. وذلك بإيقاف أسباب كثيرة من أسباب الاسترقاق، وقصره على سبب الأسْرِ خاصة. فأبطل الاسترقاق الاختياري، والاسترقاق لأجل الجناية، والاسترقاق في الدَّيْن، والاسترقاق في الفتن والحروب الداخلية، واسترقاق السائبة. وعالج الإسلام الرق الموجود بجميع أنواعه بروافع تدفع ضررَه.

  23. ومن معاني الحرية المعدودة في مقاصد الإسلام، تعلّق الناس بأصولهم في معتقداتهم وأقوالهم وأفعالهم مما يخوَّل لهم الشرعُ التصرّف فيه. وقد جعل الشيخ ابن عاشور من هذا عدداً من الحريات نذكر منها:

    أولاً: حرية الاعتقاد القائمة على إبطال المعتقدات الضالَّة التي يُكرِه دعاةُ الضلالة أَتباعَهم ومريديهم على اعتقادها دون فهم ولا هدى ولا كتاب، ونفيُ الإكراه في الدين، والسماحُ بإقامة البراهين على العقيدة الحق، وحُسن مجادلة المخالفين وردُّهم حين الجدل إلى الحق بالحِكمة والموعظة الحسنة.

  24. ثانياً: حرية الأقوال في التصريح بالرأي والاعتقاد في منطقة الإذن الشرعي. وشاهد هذا قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (١) ، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان" (٢) .

  25. ومنها حرية الأعمال وتدخل في كل مباح. وليس أحد أرفق

    vol. 2, p. 132بالناس من الله. فتصرّف المرأة في مالها غير موقوف على إجازة زوجها، والحرّية في عمل المرء المتعلّق بعمل غيره، الأصلُ فيها أنّها مأذون فيها إذا لم تكن تضرّ بغيره.

  26. ومن حرية الأعمال ما يلزم المرء به نفسه بموجب حرية تصرّفه في العقود والالتزامات لمصلحة يراها على التفصيل بين ما يجب عليه من ذلك في حال التعاقد القولي، وبين ما لا يجب إلا بالشروع في العمل. والحرية ليست مطلقة بالنسبة للمؤمن بل يكون ملزماً في واقع الأمر بإقامة المصالح إذا عُيّن لها كما في فروض الكفايات. ويقع تعزيره عند التفريط. فيجب عليه الضمان، ويكون معرضاً للعقوبة بدون قبول توبته كما في الحرابة، أو بعدَ الاستتابة كما في الردة (١) .

  27. ومنها حرية العلم والتعليم والتأليف. وفي ظل هذه الحرية أينعت حضارة الإسلام فأبدى الناس آراءهم، ونشروا فتاواهم ومذاهبهم، ونقلوا إلى عامة الناس تجاربهم وعلومهم. ولم يكن في ذلك موجب لمناوأة أو عداء. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورُبّ حامل فقه إلى من ليس بفقيه" (٢) .

  28. [تعريف المصلحة والمفسدة]

  29. ويختلط المقصد بالمصلحة في الاستعمال. فيذكر أحدهما بمعنى الآخر. ولرفع كل لبس عقد الإمام فصلاً للتعريف بالمصلحة والمفسدة، نقل فيه تعريفين: الأول للعضد من شرحه لمختصر ابن الحاجب الأصولي، والثاني للشاطبي من موافقاته. وأتى هو بتعريف

    vol. 2, p. 133ثالث جاء فيه: المصلحة كاسمها شيء فيه صلاح قوي. وهي وصف للفعل يحصل به الصلاح؛ أي النفع منه دائماً أو غالباً للجمهور والآحاد (١) .

  30. ثم أضاف إلى ذلك ذكر أنواع المصلحة فشرح الوضع وحل المشكل بقوله: إن المصالح كثيرة، متفاوتة الآثار قوة وضُعفاً في صلاح أحوال الأمة والجماعة، وإن المعتبر منها ما نَتَحقّق أنه مقصود الشارع. فالمصالح كثيرة منبثّة. ومقصد الشارع لا يجوز أن يكون غير مصلحة، ولكنه لا يلزم أن يكون مقصوداً منه كل مصلحة. ثم عقّب على قوله هذا بأن من حق العالم بالتشريع أن يَخْبُرَ أفانين هذه المصالح في ذاتها وفي عوارضها، وأن يسبر الحدود والغايات التي لاحظتها الشريعة في أمثالها وأحوالها إثباتاً ورفعاً، واعتداداً ورفضاً، لتكون له دستوراً يقتدى، وإماماً يحتذى (٢) .

  31. [المصلحة والمفسدة محضتان خالصتان ومشوبتان مختلطتان]

  32. المصالح والمفاسد نوعان: الأول كونهما محضتين خالصتين، والثاني كونهما مشتركتين مختلطتين. وقد انقسمت الآراء في ذلك شطرين بين فريقين:

    الفريق الأول: ومن أعلامه القرافي والشاطبي كانا يريا مصالح هذا العالم ومفاسده لا توجد إلا مختلطة. وحجة الأول في ذلك قوله الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} (٣) . وقد أوضح القرافي رأيه هذا بقوله: إن استقراء

    vol. 2, p. 134الشريعة يقتضي أنه ما من مصلحة إلا وفيها مفسدة، ولو قلّت على البعد، ولا مفسدة إلا وفيها مصلحة وإن قلّت على البعد (١) . وقال أبو إسحاق: إن المصالح الدنيوية، من حيث هي موجودة في هذا العالم، لا تخلص لأن تكون مصالح محضة ... لأن تلك المصالح مشوبة بتكاليف ومشاق، قلّت أو كثرت، تقترن بها أو تسبقها أو تلحقها. فإن المصالح لا تنال إلا بكد وتعب، كما أن المفاسد الدنيوية ليست بمقاصد محضة من حيث مواقع الوجود، إذ ما من مفسدة تُفرض في العادة الجارية إلا ويقترن بها أو يسبقها أو يتبعها من الرفق واللطف ونيل اللذات كثير (٢) . ويمضي في تقرير هذا قائلاً: إن هذه الدار وضعت على الامتزاج بين الطرفين، والاختلاط بين القبيلين. فمن رام استخلاص جهة فيها لم يقدر على ذلك. وبرهانه التجربة التامة من جميع الخلائق. وأصل ذلك الإخبار بوضعها على الابتلاء والاختبار والتمحيص (٣) . قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} (٤) وقال: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (٥) .

  33. والفريق الثاني: ذهب إلى تقرير وجود المصلحة المحضة وكذا المفسدة المحضة. ولقد صرح هذا الإمامان العز بن عبد السلام ومحمد الطاهر ابن عاشور. قال أولهما: إن تحصيل المصالح المحضة ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن، وإن تقديم أرجح المصالح فأرجحها ودرء أرجح المفاسد فأفسدها محمود حسن (٦) . وقد ورد في السُّنة ما يدل على ذلك، قوله - صلى الله عليه وسلم -: "حُفَّتْ الجنة بالمكاره، وحُفَّتْ النار بالشهوات" .

    vol. 2, p. 135وقال صاحب المقاصد مؤكداً ما ذهب إليه العزّ: إن النفع الخالص والضر الخالص وإن كانا موجودين إلا أنهما بالنسبة للنفع والضر السويين يعتبران عزيزين. وقد وجه الإمام دعواه بقوله: إن التعاون الواقع بين شخصين هو مصلحة لهما وليس فيه أدنى ضرٍّ، وإن إحراق مال أحد إضرار خالص، على أن بعض المضرة قد يكون لضعفه مغفولاً عنه ممن يلحقه، فذلك منزّل منزلة العدم، مثل المضرة اللاحقة للقادر على الحمل الذي يناول متاعاً لراكب دابة سقط منها متاعه. فإن فعله ذلك مصلحة محضة للراكب، كان ما يعرض للمناول من العمل لا أثر له في جلب ضرًّ إليه (١) .

  34. ومن يعد إلى موقف ابن القيم من القول بوجود المصالح والمفاسد المحضة وبنظائرها المختلفة، يجده مصرّحاً بإمكان الجمع بين أقوال الفريقين: فإذا أريد بالمصلحة الخالصة أنها في نفسها خالصة لا تشوبها مفسدة فلا ريب في وجودها، وإذا أريد بالمصلحة ما لا تشوبها مشقة، ولا أذى في طريقها والوسيلة إليها ولا في ذاتها فليست موجودة بهذا الاعتبار. إذ المصالح والخيرات واللذات والكمالات كلها لا تنال إلا بحظ من المشقة، ولا يُعبَر إليها إلا على جسر من التعب. وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن مَن آثر الراحة فاتته الراحة، وأنه بحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة (٢) .