الفصل الأول: أمثلة للمقاصد الشرعية المستخرجة من التحرير والتنوير

61 paragraphs · vol. 2, p. 181

Page 1 of 2

  1. يركز كتاب المقاصد، مع جمعه بين الجانبين النظري والتطبيقي في دراسة المقاصد، على الخطاب ومقتضياته، والأحكام وموجباتها، ويحرص على إيراد النصوص الكثيرة من الكتاب والسُّنة مفرِّعاً عليها مسائل فقهية عديدة، معلّلَةً وغير معلّلَة، لينتهي إلى ما نبه إليه من قوانين وطرق يستعملها للتوصل إلى ضبط المقاصد بأنواعها.

    vol. 2, p. 181
  2. ولما كان من المتعذِّر بيان ذلك وتصويره من خلال كتاب المقاصد وحده، نورد أمثلة من كتب الشيخ الأخرى اختلفت الأغراض فيها بين اجتهاد وتحليل لروح التشريع الإسلامي، وتمييز بين مقامات الإرشاد والتشريع والاقتضاء والاجتهاد وغير ذلك مما سبقت الإشارة إليه (١) .

  3. وإذا تحولنا إلى كتاب التحرير والتنوير الذي بذل فيه الشيخ ابن عاشور جهداً كبيراً عميقاً وشمولياً. فلم يغفل فيه كلمة ولا تركيباً، لا فقرة ولا جملة في أيّة سورة من سور القرآن: مكيّه ومدنيّه إلّا وقف عندها في إمعان ودقّة متأملاً ومتدبراً، مسخراً لذلك علمه الواسع، وثقافته العالية، ومستخدماً العلوم الآلية المتصلة باللغة وتصاريف الكلام وما ورد لدى العرب من تفنن وروعة في مجالات فن القول.

  4. وكانت هذه الشخصية الفريدة اللامعة قد جمعت إلى ذلك كله العلومَ الشرعية وما يتصل بها من مصادر وأصول وفروع أعانتها على التغلغل في فهم النصوص الشرعية.

    vol. 2, p. 182
  5. ويَقتضي هذا الالتفاتَ إلى الأحكام الشرعية كما دعت إلى ذلك الحاجة، وعرضَ كلام الأئمة فيها من السلف من صحابة وفقهاء ونحوهم، ومن آراء المجتهدين على اختلاف مذاهبهم، بياناً وتقريراً، مقارنة وتفصيلاً، ترجيحاً واختياراً. ولا بدع إذا وضع الإمام المقدمات العشرة الضروريُّ بحثها والنظرُ فيها قبل الشروع في تدوين تفسيره.

  6. ولم نجد فرقاً بين طرق المؤلف في تناول الآيات الكريمة، أو اختلافاً في منهجه عند بحثها والاستدلال على ما ورد بها من أحكام، وتنبيهه وإيضاحه للمقصد الشرعي منها.

  7. وحصل لدينا ما يشبه الحَصْر فاكتفينا بإيراد بعض الأمثلة لا على التعيين، نستجلي منها طريقته من حيث الشكلُ في العرض، من حيث تفصيلُه القول في الأحكام والمقاصد، بعد مناقشتِه آراءَ السابقين من المفسّرين، والنظرِ في حججهم ودلائلهم على الأخذ برأي دون آخر.

  8. ولضيق المقام نقتصر على أمثلة ثلاثة من تفسير التحرير والتنوير، نحاول فيها التنبيه على ما اشتملت عليه من مقاصد شرعية:

    [المثال الأول: النبي الأمي - صلى الله عليه وسلم -]

    قال سبحانه: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ

    vol. 2, p. 183وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (١) . تُبرز لنا هذه الآية علامات النبي الأمي وصفاته ومتعلقات تشريعاته. وبيان ذلك في التحرير بعد تفسير قوله جل وعلا: {النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} .

  9. تناولت هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف الحديثَ عن إنزال البشارة بالنبي الأمي الذي اسمه أحمد في التوراة والإنجيل، ودعوةَ أهل الكتاب إلى الإيمان به رسولاً وداعياً إلى الله. ووصفَ شريعته الخاتمة بصفات وعلامات تُميَّزها وتَظهَر بها على الدين كله. فهي تقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإباحة الطيبات، ووضع الإصر والأغلال عن هذه الأمة. وبالتأمل فيما جاء من هذا في التحرير والتنوير نلاحظ أن تفسير هذا النص يمكن أن يفصّل القول فيه إلى أربعة أقسام:

    الأول: تحدث الشيخ ابن عاشور - رحمه الله - فيه عن أمر الرسول أَهلَ الكتاب بالمعروف ونهيهم عن المنكر. واقتضى هذا بدون شك تحديد معنى {الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} . فقد أراد سبحانه وجدانَ صفاتِه - صلى الله عليه وسلم - ونعوتِه في كتبهم، وهي صفات لا يشبهه فيها غيره. وهي المكتوبة دون ذاته، لأن الذات لا تُكتب. وقال أبو علي الفارسي في تفسيره لقوله سبحانه: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} : إنها بيان للمكتوب عندهم. ولا يجوز أن تكون حالاً من ضمير يجدونه؛ لأن الضمير راجع للذِّكر والاسم؛ وهذان لا يأمران ويتعيّن أن يكون الضمير مجازاً. والشريعة الإسلامية التي تلك لغتها وأوصافها

    vol. 2, p. 184وموضوعاتها وأغراضها، على ما تقدم، تدرِك حقيقتها الأفهام المستقيمة مما يتبادر من معاني ألفاظها من غير جهد أو تكلف. وبعد الإشارة إلى الرأيين السابقين المتعلقين بإعراب {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} ، وبالهاء في {يَجِدُونَهُ} ينتقل الشيخ إلى تلك الأوصاف المنوه بها في الشريعة الإسلامية. وهي:

    [المعروف]

  10. فالمعروف عند الإمام هو وصف لكل ما تتقبله العقول ويقتضيه النظر السليم، وبعكسه المنكر. وفي آل عمران: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (١) وهذا لا يدل في الواقع على إلغاء الفطرة مشيرة إلى الاقتصار على الشهادة بذلك للعقول وحدها؛ لأن قوله سبحانه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (٢) يدلّ على كون الفطرة تجمع بين الأمرين. وهي قوام الشريعة الإسلامية كما فصّل ذلك الإمام في كتاب المقاصد وكتاب أصول النظام الاجتماعي. ووصفُ الأمر بالمعروف هو أوضحُ علامة تعرف بها أحكام الشريعة الإسلامية.

  11. [الطيبات]

  12. والوصف الثاني الذي دلّت عليه الآية باعتباره علامةً وصِفةً للشريعة الإسلامية، هو الطيبات. وهذا الجمع يوميء إلى غرض أصيل لكلمة طيّب فهو الأكل والأطعمة. وهذا في واقع الأمر لا يقبل النزاع؛ لأن المقصود بالطيبات هو المأكولات. ودليله الآيات الأخرى الصريحة في ذلك، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا

    vol. 2, p. 185فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} (١) ، وقوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} (٢) . ولا تطلق الطيبات على الأفعال الحسنة لأن هذه سميت بالمعروف؛ والمأكولات ليس للعقل حظ في التمييز بين مقبولها ومرفوضها، وإن كان يفرق تفريقاً بيّناً بين الأفعال الحسنة والقبيحة أي بين المعروف والمنكر.

  13. وبجانب هذا الاستدلال على الاختلاف بين المأكولات وما يأتيه الإنسان من أعمال، يفسر الشيخ معنى الطيِّب ومعنى الخبيث في المأكولات، توصّلا إلى بيان مدلوليهما وبيان الحكم الشرعي المتعلق بهما من حلّ وحرمة.

  14. فالطيِّب ما لا ضرَر فيه ولا وخامة ولا قذارة. وهو المباح والحلال، والخبيث ما أضر أو كان وخيم العاقبة أو مستقذراً لا يقبله العقلاء، وهو الحرام من المأكولات.

  15. وملاك الأمر في هذا الرجوع إلى طبيعة المأكولات وأوصافها في ذاتها لا إلى تحكم العادات. وقد يرجع إلى العادات فتدخل فيما يشاؤونه من المباح لا غير.

  16. وبعد هذا البيان لإباحة الطيبات وتحريم الخبائث، والأخذ بطبيعة وأوصاف المأكولات لا بالعادات، لا يصحّ بحال أن يحجّر طعام على قوم لأجل كراهية غيرهم له، أو تقذّر عادة قوم منه. وقد يتساءل الناس عن العادات واختلافها فنذكر في غير إطناب أن فَقْعَس كانت تأكل الكلب، وأن جُرْهُم كانت لا تأكل الدجاج، وأن قريشاً لا تأكل الضب، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد على مائدته ضباً فلم يطعمه

    vol. 2, p. 186وقال: "ما هو بحرام، ولكنه لم يكن من طعام قومي فأجدني أعافُه" (١) .

  17. ومما قدمنا يصبح من الموقَن به أن كل ما لا ضر فيه ولا فساد ولا قذارة مباح أكله. ولكنه قد تكون مضرّته خفيفة فيكره؛ مثل أكل ذي الناب من السباع في مذهب مالك وأشهر الروايات عنه.

  18. وقفّى الشيخ ابن عاشور على هذا بذكر المباحات مع إخضاعها لاختلاف العوائد بين الناس. فتساءل عن سبب الامتناع من أكل لحم الأسد وهو لا ضُرّ فيه. وذكر ما هو محرّم كالذي جُهلت صفاته وحرّمته الشريعة كلحم الخنزير، وجعلَ من المباح: أكل الخشاش والحشرات والزواحف البرية والبحرية، فحظُّ الناس منها مقترن بما لهم من عادات في ذلك. وهذا الموضوع ممّا يُتساءل عنه كثيراً، ويختلف الأمر فيه بين الأقوام في مناطق المعمورة.

  19. [الرحمة]

  20. الوصف الثالث، هو عنوان الرحمة للأمة الإسلامية ومدعاةُ بين ويسر في معاملاتها وتشاريعها ووضع الإصر عنها.

  21. بدأ صاحب التحرير بشرح المركب الإضافي "وضع الإصر" جاعلاً الكلمة الأولى بمعنى الحطَّ وهو مجاز في الإبطال، والكلمتين معاً بمعنى ما كان من إبطال التشريعات السابقة لِمَا فيها من شِدّة.

  22. وسَنَدُ هذا البيان قواعد الاستعمال في اللغة. ووفقها حرر كلمة "وضع" وبيّن وجه تعديتها إلى المفعول الثاني، مفرّقاً بين تعديتها بفي أو بعن أو بعلى (٢) .

  23. وفي وضع الإصر استعارة لإزالة التكاليف التي تشبه الآصار. ولم يفته تحديد القصد وبيانه حين تولى شرح كلمة "الإصر" مفرّقاً فيها بين تعريفي الزمخشري وابن العربي اللذين أطلقاها إطلاقاً حقيقياً على الثقل الحسي الذي يصعب معه التحرك. وعلى تفسيره بالثقل من غير قيد، إشارة للتكاليف الشاقة والحرج في الدين، كما هو وارد في بقية المعاجم. وفي هذا المقام لا يُخفي المؤلف إعماله القيد الذي أورده الزمخشري في تعريفه شاهداً ومنبّهاً على مدى تَحققِه.

    vol. 2, p. 187
  24. وجعل وضع الإصر إثر عرضه لكلام صاحب الكشّاف والأساس عنه مع القيد المتقدم ذكره، استعارة تمثيلية، وبدون ذكر القيد استعارة مكْنية في الإصر، وتخييلية وتبعيّة في "الوضع" .

  25. ولا سبيل إلى إنكار أهمية القوانين الإعرابية والقواعد البيانية البلاغية في الاستعمال كما فصّل ذلك الأشموني عند حديثه عن اللفظ العربي والإعراب. فاستخدامُ القواعد والأحكام يفتح أمام الناظر آفاقاً لا يتطلّع إليها سواه، ممن ليس بقادر على التوصّل إلى المقصد بالسليقة.

  26. ويذيل الشيخ ابن عاشور وصفَ الشريعة الإسلامية بالبعد من الحرج حين يقارن بين الإسلام والتشاريع السابقة كالتي جاءت بها التوراة. ويمثل لذلك بشيوع العقوبة بالقتل في عدد كبير من المعاصي التي من بينها العمل في السبت، وتحريم ما أحل الله لهم من الطيبات وتغليظهم التحريم في أمور هينة. ومن أشدّ صور الإصر والحرج عدم قبول التوبة عن المعاصي حكماً، وعدم الاستتابة للمجرمين. ولا يفرغ من الحديث عن هذا الوصف حتى يقرّ صحة استعمال الجمع لكلمة "إصر" وهو "آصار" ، وإن انفرد ابن عامر بهذا في قراءته دون سائر أهل هذه الصناعة، مؤكداً أن المفرد والجمع في الأجناس سواء.

  27. والوصف الرابع المُدرج في الآية ما تميّزت به ملتنا من التحرير من الأغلال. والأغلال جمع غِلّ. وهو إطار من حديد يشدّ بجلد أو بسلسلة يسحب به الأسير والجاني. وفي استعمال الغلّ هنا أيضاً استعارة تمثيلية للتكليف بالعمل المؤلم المرهق. وكان ذلك شعارَ إذلال. وهذه كانت حال اليهود بعد تخريب بيت المقدس وزوال ملك يهوذا. وهي مقابِلة تمام المقابلة لما جاء به الإسلام من السماحة الفطرية والتخفيف والتكريم للبشر (١) .

    vol. 2, p. 188
  28. وفي هذا التذييل ذكر لأوصاف الشريعة وتعيينٌ لمقاصدها بعد الذي جرى عليه في بيان النص القرآني وتحرير معانيه.

  29. [المثال الثاني: ضرب المرأة]

  30. في المثال الثاني من بحثنا عن المقاصد، يستوقفنا موضوع ضرب المرأة. قال الله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} (٢) .

  31. فهذا الخطاب الشرعي يشمل أربعة جوانب:

    الأول منها: تعريف النشوز بقوله: هو عصيان المرأة زوجها، والترفعُ عليه، وإظهارُ كراهيتها له.

  32. وللنشوز ضرر، أيّ ضرر بالزوج، وكذلك بالأسرة. وهو يحتاج إلى الردع بلزوم العقوبة التي شرعها الله بقوله: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ...} . فقد رتب على سوء معاملة المرأة لزوجها عقاباً.

  33. وهو على درجات بحسب حال النشوز ودوافعه وقوّته وضعفه. وأنواع العقاب، كما نصّت على ذلك آية سورة النساء: الموعظة، والهجر، والضرب. وعلى الزوج أن يراعي أسباب النشوز، والدوافع إليه، وقوتَه وضعفَه، ليكون العقاب مظنة للعدل، فلا يكون الزوج بإيقاعه له جائراً أو معتدياً أو متشفّياً.

    vol. 2, p. 189
  34. ولإثبات هذا الحكم وتحقيق الغرض منه نبّه الشيخ إلى ما يستند إليه من نص قرآني، وإلى جملة من الآثار تأذن للزوج بضرب امرأته الناشز، وإلى عمل بعض الصحابة بذلك في غير ظهور الفاحشة.

  35. وحُكم العقاب بالضرب ثابت بالقرآن وبالآثار والأخبار. وهي في جملتها محمولة على إباحته. وقد جرى العمل به بين طبقات من الناس وفي بعض القبائل. ولا ينسى الشيخ ابن عاشور هنا ملاحظة أن العقاب بالضرب، وإن كانت له شواهد ودلائل، مُراعى فيه العرف. ولذلك يتفاوت الناس فيه فيعتبره ذُكران البدو اعتداء على المرأة، في حين تعدّه نساؤهم أمراً عادياً لا اعتداء فيه عليهن.

  36. ويؤكد الإمام هذا المعنى بما ورد عن عمر بن الخطاب من اختلاف أحوال النساء المهاجرات عن أحوال نساء المدينة، قائلاً: "كنا معشر المهاجرين قوماً نَغْلِب نساءنا فإذا الأنصار قوم تغلبهم نساؤهم، فأخذ نساؤنا يتأدَّبن بأدب نساء الأنصار" (١) .

  37. ثانياً: عقوبة الضرب مأذون فيها للأزواج دون ولاة الأمور. ويجوز أن يكون المخاطب مجموع من يصلح لهذا العمل من ولاة

    vol. 2, p. 190الأمور والأزواج، وأن الإذن ورد لهما في ذلك في الخطاب القرآني في قوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} (١) بجعل "لكم" للأزواج، وصرف "فإن خفتم" للولاة، وربما عَنَى الشارع بالولاة خصوص النبي - صلى الله عليه وسلم - فقُصر هذا الأمر عليه دونهم.

  38. ثالثاً: اختلف الأئمة في تأويل آية الضرب. فقال عطاءٌ: لا يضرب الرجل زوجته ولكن يغضب عليها. وسانده في هذا ابن العربي في أحكامه لقوله عن عطاء في هذه القضية: من فقه عطاء وفهمه للشريعة ووقوفِه على مظانِّ الاجتهاد عَلِم أن الأمر بالضرب هنا للإباحة.

  39. وعقّب ابن العربي بأنَّ عطاء يكون قد وقف على كراهية ذلك في حديث: "ولن يضرب خيارُكم" .

  40. أما رأي شيخنا في هذه القضية: فوضع الأشياء مواضعها بحسب القرائن، وإلى هذا ذهب جمع من العلماء. قال ابن الفرس في تعليل موقفهم: إنهم أنكروا الأحاديث المروية بالضرب. وقال الشيخ ابن عاشور: أو تأوّلوها.