الفصل الثاني
24 paragraphs · vol. 2, p. 196
- vol. 2, p. 196
وختم الشيخ هذا البحث بذكر موقف داود الظاهري ومقاتل بأن الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد لا يقع طلاقاً بالمرة لأن القرآن اقتصر على ذكر الطلاق المفرق. وردَّ هذا الموقف ووصفَه بالشذوذ والبطلان، وجعل من دلائل إبطاله إجماع المسلمين قاطبة على وقوع الطلاق به، خصوصاً وقد وقع التلفّظ به (١) .
-
المثال الرابع: مثال من كتاب النظر الفسيح: حديث الوصيّة
حديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: قلت يا رسول الله: أوُصي بمالي كلِّه؟ قال: "لا" ، قلت: فالشطر؟ قال: "لا" ، قلت: فالثلث؟ قال: "فالثلث، والثلث كثير. إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالةً يتكفّفون الناس" (٢) . ورَوَى الحديث مالك عن ابن شهاب عن عامر بن سعد عن أبيه بلفظ: "جاءني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعودني عام حجّة الوداع من وجع اشتدّ بي. فقلت: يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي. أفأتصدّق بثلثي مالي؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا ". فقلت: فالشطر؟ قال: " لا ". ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " الثلثُ والثلث كثير. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون الناس" (٣) .
-
ويتّضح من الروايتين الاختلاف في تقدير الوصية بدءاً والاتفاق عليها وسطاً وآخراً.
- vol. 2, p. 197
ومن المناسب أن نذكّر هنا بأن النظر الفسيح وكشف المغطّى ليسا سوى ملاحظات وتقييدات على شروح صحيح البخاري وشروح موطأ الإمام مالك التي وقف عليها الشيخ ابن عاشور عند تدريسهما بجامع الزيتونة. فهي إفادات اقتضاها النظر، ودعت إلى إبرازها مهمّة التدريس. وإنا لنجده في عمله هذا يعني في أول ما يعني به بالأحكام المستنبطة من أحاديث ذينك المصدرين يحرّرها، ويذكر أدلّتها، ويتولّى نقدها وتصحيحها من أجل الاطمئنان إليها، والتوصل من وراء ذلك إلى إدراك مقاصد الأحكام الشرعية إدراكاً تاماً. وذلك على حسب ما وقع التنبيه إليه في مستهلّ حديثنا عن الخطاب الشرعي.
-
صدّر الشيخ تعليقه على هذا الحديث بذكر حكم الوصية الجائزة. وهو إجماع الفقهاء على رد ما زاد على الثلث. ولكنه أضاف إلى هذا مقولة ابن عباس التي أوردها البخاري. وهي: لو غضَّ الناسَ إلى الربع (١) . ولعلّ ممّا حمل ابن عباس على استكثار الثلث جَعلُه أقصى ما يتصرّف فيه ذو المال بالوصية، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "والثلث كثير" . وردَّ الشيخ ابن عاشور هذا الرأي، وإن نُسب إلى ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم -، واعتبر استدلاله به مشكلاً لانفراد حديث سعد بتقدير الثلث غايةً قصوى. وعدم ورود أثر آخر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدل على تعميم التشريع في هذا الباب، ولإعلان حديث الباب ردّ ما زاد عن الثلث. ثم إن سبيل ورود هذا الحديث هو مقام الاستشارة في قضية عين، يدل على ذلك حطّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الوصيّة بعد الحوار الذي كان بينه وبين سعد.
-
والحكمة من هذا التشريع - كما يظهر من النصّ نفسه -
vol. 2, p. 198الحيلولةُ دون أن يُصبح الورثة بما حرموه عالة يتكفّفون الناس. وفي هذا إضرار بهم. وهو منهي عنه بصريح القرآن في قوله - عز وجل -: {غَيْرَ مُضَارٍّ} (١) . وقد فصّل صاحب الكشف أنواع الإضرار بقوله: ويظهر أن ملاك جواز الوصية هو ما لا يضرّ بالورثة من تركهم في حاجة، أو قصدُ حرمانهم وإبعادهم عن ماله، كما يفعل بعض المغرضين، إلا أن ضبط ذلك ليس بالأمر السهل. فلعل عُسرَ انضباطه هو الذي حمل العلماء على المصير إلى إشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع اعتبار المال في حالة المرض المخوف قد صار فيه حق الوارث. وسماح الوارث بحقه متفاوت بتفاوت سخاء النفوس.
-
ومن هذا الحديث نشأت أحكام أخرى هي:
أولاً: أن تكون الوصية بالثلث لا تزيد عليه جائزة في حال فقر الوارث، وهذا الحكم محل وفاق بين العلماء.
-
ثانياً: إذا كان الزائد على الثلث محتملاً ومتفاوتاً ألغى الفقهاء تفاوته وتفاوت أحوال الورثة لعسر الانضباط.
-
ثالثاً: اعتبار باب إجازة الوارث مفتوحاً يتحقق به مقدار سماح الوارث، غير أن الظاهرية قالت بإبطال ما زاد على الثلث. وهذا من الخطأ البيّن.
-
ومن المقاصد الشرعية في إجازة الوصيَّة ما هو معلوم عند الكافّة من أن النظام البشري قائم على أواصر كثيرة. أعلاها منزلة آصرة القرابة والزوجية. فكان هذا موجباً لانتقال مال الميت بعده إلى هذه العناصر من أسرته، تأكيداً لتلك الروابط ودعماً لها.
- vol. 2, p. 199
واقتضى النظر الشرعي، في مثل هذه المعاملات، تصرّفاً حراً لرب المال في ماله: يوصى بالمقدار المحدّد منه لمن شاء حسب اختياره وغيرَ مضار. وقد جاءت السُّنة النبولهة الشريفة بمراعاة الحقّين. فأبقت حقّ الوصية محترماً يعود فيه الأمر إلى رب المال، فلا يبذله لوارث، وجعلت حق القرابة محترماً أيضاً فلم تأذن في الوصيّة بأكثر من الثلث.
-
وفي هذه الخلاصة جمع بين الأدلة من الكتاب والسُّنة، ومناقشة لبعض الأدلة الأخرى، وتحليل للأحكام الشرعية المتعلّقة بالوصية والمفصِّلة لمقاصدها وأهدافها التشريعية.
-
المثال الخامس: مثال من كتاب كشف المُغطَّى: حديث بيع الخيار
روى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار" . قال مالك: وليس لهذا عندنا حد محدود ولا أمر معمول به (١) .
-
وهذا الحديث من أكثر أحاديث أبواب المعاملات دوراناً على الألسنة. أشبعه العلماء بحثاً، وتداولوه نظراً وتفقّهاً. وهو ليس بحاجة إلى الدرس أو البحث لولا المراد منه عند المالكية قد خَفِي. وبخاصة مقالة الإمام مالك فيه: ليس لهذا عندنا حد محدود ولا أمر معمول به.
-
وهذه الجملة آذنت بأن في الأمر اختلافاً في الفهم، وأن قول الإمام مالك "عندنا" فيه تنظير، بل مقابلة لما عليه الأمر عند غيره ممّن حمل معنى الافتراق على المراد منه. وقد أشكل هذا. ومن ثَمّ
vol. 2, p. 200تعلّق غرض الشيخ ابن عاشور بالكشف عن المراد بالافتراق فردّه إلى ما قاله الفقهاء بشأنه.
-
وفيه عند طائفة إثبات حق الخيار لكل من المتعاقدين في المجلس. وقال آخرون: لا يمكن أن يقال بهذا الخيار ومحلّه المجلس، والمجلس غير واضح ولا منضبط.
-
وإلى تأييد الوجه الثاني ذهب القاضي ابن العربي مصرّحاً بعدم صحّة الخيار. قال في شرح القَبَس: إن المجلس المشار إليه مجهول المدة. ولو شَرَط الخيار مدّة مجهولة لبطل إجماعاً. وحجّته في ذلك أن ثبوت الحكم بالشرع لا يتم إذا كان شرطه غير جائز شرعاً.
-
وذهبت طائفة ثانية من المالكية إلى أن الإمام أخذ بعمل أهل المدينة. وردّ عليه القاضي أشنعَ ردّ، متّهماً أصحاب هذا الرأي بقصور الفهم، وبأن تفسير مقالة الإمام إنما هي ما كشف عنه هو، وبرهن عليه.
-
والذي يفسّر كلام القاضي هذا أن الحديث رواه ابن عمر وحكيم بن حزام فيما تعمّ به البلوى. وأن الناس قد حملوه محملاً غير بيّن لأن المجلس المذكور في الحديث غير بيّن. وهكذا دفع الشيخ ابن عاشور مقولة هؤلاء قائلاً: إن شأن التشريع في الحقوق أن يكون مضبوطاً. وبدون انضباطه لا يتمكن المُتَعامِلُون من المطالبة بالحقوق، ولا يتسنّى للقضاة فصل القضاء. وهذا من باب نقض أدلة الخصم، إبقاءً على الوجه الذي يرتضيه شرعاً في مثل هذه القضايا (١) . ومضياً في ذلك، وتأكيداً له قال: إن الحديث محل النظر ورد مجملاً، لا يصحبه ما يبيّنه من عمل. ولذلك علّل الإمام مالك عدم الأخذ به بقوله: "ولا أمر معمول به" . والأدلة المجملة لا تكون أدلّة تفقّه،
vol. 2, p. 201فيجب التوقّف. ودعا في مثل هذه الحالة إلى الرجوع إلى القواعد الشرعية. فالأصل في البيوع الانضباط وطرح الغرر. وروي عن ابن عمر، الذي كان يرى العمل بخيار المجلس، أنه كان إذا رغب في انعقاد بيع شيء ابتاعه انصرف عن المجلس. وقد حمل سلوكه هذا غيرَه من بعده على إطالة البقاء في المجلس إذا كان يرغب في بقاء حق الرد.
-
ومهما يكن من رأي فإن مثل هذا التصرّف كان في نظر ابن عاشور مثاراً لعدم الانضباط وحصول الغرر، في حين أن الأصل في العقود اللزوم؛ لأن دلالة العقود القولية والفعلية تتطلّب تحصيل آثارها في المِلْك وغيره.
-
وتغليباً لمذهب المالكية يقول صاحب الكشف: إن الأظهر في هذا الحديث إرادة التفرّق بالأجساد. وهو التفرّق المعتاد الذي يحصل بين المتبايعين بعد إتمام إجراءات البيع من حصول التراضي ودفع الثمن وقبض السلعة. وهكذا يكون إجراء قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما لم يتفرقا" على الغالب. ويحصل المقصود الأساس من البيع وهو البتُّ والتحقق، أو يكون القصد من هذا التمهيدَ إلى ما بعد انبرام العقد وحصول نتائجه وهو ما استثناه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "إلا بيع الخيار" .
-
وفي ختام هذا الفصل يتأكّد التنبيه إلى أن هناك فرقاً بين كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية وكُتب: التحرير والتنوير، والنظر الفسيح، وكشف المغطى. فالأول يتميز بقيامه على التعريف بالمقاصد وأنواعها، وتطوّرات النظر فيها، ودور الأئمة الرواد في الإشارة إليها، وبيان الطرق التي تُوَصّل إليها. فقد بحث الشيخ ابن عاشور الخطاب الشرعي وما يتصل به من مباحث، وأمعن النظر بصفة خاصة
vol. 2, p. 202في دراسة الأوامر والنواهي والمقاصد والمصالح وأنواع الحقوق، وضَبَط مستحقّيها، منتهياً إلى القواعد والأصول المتصلة بالحياة في سائر مجالاتها، غير تارك في ذلك المعاملات المادية والتصرّفات المالية والسلوكيات والآداب الإسلامية. وهذه كلها جوانب نظرية تأصيلية لقضايا علم المقاصد.
-
وإذا التفتنا إلى مصنّفاتِه الأخرى التي ذكرناها وجدناه ينهج فيها منهج التطبيق لتلك النظريات، والتوسع في التمثيل لها. وكأنّ كتاب المقاصد قد وضع قانوناً عاماً لعلم المقاصد تجتمع فيه أغراضه ومحاوره. وهو وإن كان قد اعتمد على الأصلين من الكتاب والسُّنة، وتعرّض للكثير من المسائل الفقهية والشرعية، فقد نبّه من خلال عرضه لها على المقاصد المتصلة بمسائل العبادات والأحوال الشخصية والمعاملات، فوفّاها حقها شرحاً وإيضاحاً، تحليلاً واستدلالاً، إبداعاً واكتشافاً لما لم يصل إليه الكثير من العلماء من التعليلات والنتائج التي لها ارتباط متين بمقاصد الشريعة وأسرار التشريع.
-
ولا تقف بنا الإشارة إلى ما قدمناه من بيان لمحتويات كتاب شيخنا في المقاصد، ولكننا نتجاوزه إلى المقالات والكتب الفقهية والشرعية التي نعتد بها عند بحثه للجانب التكميلي للمقاصد. وهو ما تضمنه كتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، الذي أحال عليه غير مرّة في مقاصده (١) . فلا نطيل الوقوف عنده بعد الذي عرفناه من خلال التفسير للذكر الحكيم والشرح والتحليل لجملة أحاديث من السُّنة النبوية. ولكننا نختصر الكلام فيه كما صنعنا مع تآليفه السابقة الذكر، مكتفين باستعراض مقال أو ذكر مثال.