الفصل الأول: أمثلة للمقاصد الشرعية المستخرجة من التحرير والتنوير
61 paragraphs · vol. 2, p. 181
Page 2 of 2
- vol. 2, p. 190
رابعاً: الإشارة إلى الأحوال المختلفة التي تكون بين الزوجين لتقرير الحكم الشرعي. يبيّن ذلك صاحب التحرير بقوله: الظاهر أن الإذن بالضرب لمراعاة أحوال دقيقة تكون بين الزوجين. فأُذن للزوج بضرب امرأته ضربَ إصلاح، لقصد إقامة المعاشرة بينهما. فإن تجاوز ما تقتضيه حالة النشوز كان معتدياً.
- vol. 2, p. 191
وفيما تقدم نبّه الشيخ ابن عاشور إلى قاعدتين تتعيّن مراعاتُهما:
الأولى: لا تجوز العقوبة بالوعظ، أو بالهجر، أو بالضرب لمجرد توقّع النشوز.
-
والثانية: أن الأزواج مؤتمنون على توخّي مواقع هذه العقوبات بحسب درجة النشوز.
-
وبعد البيان للآية بذكره أولاً ما ورد بها من أحكام تتعلّق بمعاملة المرأة في حالة خاصة قد تَعرض لها، وثانياً بأثر ضبط الحكم الشرعي في هذه القضية ومراعاة الظروف والملابسات فيها. وهذان نوعان من الاستدلال يعتمدان النص والقرائن الحافَّة به، يعود إلى تشنيع الضرب بوصفه بالخطورة من الجهة التي استوجبت الحكم به، وإلى صعوبة تحديد مقداره لأن ذلك عسير. وينتهي من هذا كله إلى تخصيص الإذن بالضرب في حالة معيّنة هي حالة ظهور الفساد. ولتوقّع تجاوز الرجل حدّه في إيقاع هذه العقوبة، ولكون الأصل في أحكام الشريعة ألا يسمح للمرء أن يقضي في حق نفسه لولا الضرورة، ولدعم موقفه في ذلك، أُخذ بتقييد الجمهور لعقوبة الضرب، وذلك بالسلامة من الإضرار، بكون القائم بها ليس ممن يعدُّ الضرب بين الزوجين إهانة، وإضراراً. ورتّب آخر الأمر على هذا الحكم المعلّل والمقيّد بإمكان التحديد من ولاة الأمور لمن يتجاوز حدَّه في هذا من الرجال بإنزال عقوبة به، لتدارك ما يمكن أن ينجم عن مباشرة الزوج لعقاب امرأته من إفراط، وخاصة بعد فقدان الوازع الديني الذي يحول بين المرء وبين كل ما يعد منكراً من تصرّفاته (١) .
- المثال الثالث: الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد:
-
قال تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} (١) .
-
اعتبر هذه الآية فاصلة في قضية الطلاق ثلاثاً حسب ما ذهب إليه جمهور الفقهاء. ولتمام البيان والشرح أتي بفاء التفريع أول هذه الآية في قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} لتكون مترتّبة على الآية السابقة وهي قوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} . والطلقتان الأوليان جمعتا لأنهما يدلان بطريق الاقتضاء في كليهما على الخيار في المراجعة وعدمها اللّذين يوميء إليهما قوله - عز وجل -: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} فإن أردفتهما ثالثةٌ فتلك هي الطلقة الثالثة التي لا تحلّ مراجعة المرأة فيها إلا بعد أن تنكح زوجاً غيرهُ؛ لأنها من البتات الذي ليس معه مراجعة. فبيان نهايته، وهي المراجعة، كان صريحاً بهذه الآية: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ} . وفي هذا حدّ لما كان عليه الناس في الجاهلية من مراجعتهم المرأة بعد تطليقها، ثم يطلّقونها دواليك، فتبقى زمناً طويلاً في حالة ترك، إضراراً بها، إذ لم يكن الطلاق عندهم منتهياً إلى عدد لا يملك الزوجُ بعده المراجعة. والبتات المترتب على الطلقة الثالثة يسلب الزوج حقَّه في مراجعة زوجته، كما يسلب امرأته حق الرضا بالرجوع إلى زوجها حتى تنكح زوجاً غيره. والحكمة من هذا التشريع إنزال العقوبة على المستخفين بحقوق المرأة من الأزواج بإيقاع الطلقة الثالثة، إيلاماً لهم في وجدانهم. وسبب ذلك تهاون المطلّق بشأن امرأته التي في عصمته، ونبذه لحقوقها، حتى جعلها لعبة تَقَلَّبَها عواصفُ غضبه وحماقته. وبهذا يتبين للمطلّقين أنّهم لم
vol. 2, p. 193يكونوا مُحقّين في أحوالهم التي كانوا عليها في الجاهلية.
-
وقد نظروا المراتب الثلاث للطلاق، التي جاءت الشريعة بها لردع الأزواج عن تصرّفاتهم السيئة، باعتبار الطلقة الأولى هفوة، والثانية تجربة. فإذا حصلت الثالثة كانت فراقاً. وهذا وفاق لما فسّر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - الخلافَ بين الخضر وموسى - عليهما السلام -: أن جعل المخالفة الأولى بالسؤال نسياناً، والثانية شرطاً، والثالثة التي كانت عمداً فراقاً، لقول الخضر لموسى: هذا فراق بيني وبينك.
-
واللفظ الثاني المشير للنظر والدرس هو ثلاثاً. فأكثر الفقهاء حمله على ما في الآية من تفصيل، وهو وقوع طلقتين متقدمتين تلحقهما طلقة ثالثة. وبعضهم جعل المقصود بالثلاث: إيقاع الطلاق به بلفظ واحد.
-
وفرّق الشيخ ابن عاشور بين الاتجاهين في هذا التفسير بتقدير الحكمة والمصلحة من هذا التشريع، فجعل المبتوتة التي يحتاج معها إلى محلِّل هي الطلاق مرتين تتبعهما ثالثة. ولزاماً أن يقصر هذا الحكم على مورد النص. أما ما يقع من التطليق ثلاثاً بلفظ واحد فهو تغليظ، أو تأكيد، أو كذب. وإنزال حكم الطلاق السابق عليه متحقّق، وفيه حكمة التأديب على هذا الصنيع. غير أن التلفظ بالثلاثة في المرّة الواحدة لا يجعلها في الواقع ثلاثة، وإنما هي واحدة. فلا يعاقب بالتفريق بينه وبين زوجه، وإن تصرَّف تصرُّف الحمقى، أو كان من الكذابين. وكمال هذا الحكم: ما صوره به الإسلام. ودليل هذا حديث ابن عمر المعروف، وحديث ركانة بثت عبد يزيد المطلبي أنه طلق امرأته ثلاثاً في كلمة واحدة. فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: "إنما ملَّكك الله واحدة. فأمره بأن يراجعها" .
- vol. 2, p. 194
واجتهد عمر بن الخطاب، لحوادث في الطلاق جدّت، بإيقاعِ الطلاق بلفظ واحد ثلاثاً، كما أراد مُوقعُها قائلاً: أرى الناس استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.
-
وأمام الحالين اللذين وصفناهما، مما كان من عمل الناس في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحياة أبي بكر وجزء من خلافة عمر، انقسم الفقهاء في حكم الصورة الثانية. وهي التي أراد بها صاحبها التطليق ثلاثاً بلفظ واحد. فذهب الجمهور إلى إيقاعها ثلاثاً عملاً باجتهاد عمر وقضائه بذلك، وللإجماع السكوتي الذي حصل في زمنه.
-
وقضاء عمر لا يَلزم العمل به. وذهب عدد من الأئمة الفقهاء إلى أن طلاق الثلاث بكلمة واحدة لا يقع إلا طلقة واحدة. وهذا هو الأرجح من جهة النظر والأثر، واستدلوا على هذا بأدلة أخرى:
أولاً: إن العمل بمنطوق الآية التي رُتّبت الطلقة الثالثة فيها على حصول تطليقتين أخريين مثلها.
-
وانبرى الشيخ ابن عاشور إلى مذاهب الأئمة في صدر الإسلام أمثال الشافعي والباقلاني والغزالي والإمام الرازي، الذين جعلوا تعديل عمر للحكم مذهباً خاصاً به. وعندنا مذهب الصحابي لا ينهض حجة، كما أن الإجماع السكوتي الذي حصل لا يزيده قوة ولا يكسبه حجّية. وروى الشيخ ابن عاشور عن عدد من الصحابة ومن الفقهاء من مالكية وحنابلة وظاهرية أن الطلاق لا يقع في هذه الحالة إلا واحدة.
-
وثانياً: إن القصد الإلهي من تعدّد الطلاق التوسعة على الناس، وتَرك اعتبار ذلك عند الجمهور يَرجع - كما قال الإمام نقلاً عن ابن رشد الحفيد - إلى تغليبهم حكم التغليظ في الطلاق سداً للذريعة.
- vol. 2, p. 195
ولكن هذا تبطل به الرخصة الشرعية والرفقُ المقصود من قوله تعالى: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (١) .
-
ثالثاً: قول ابن مغيث: إن الله تعالى يقول: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} ، ومُوقع الثلاث غير محسن، لأن فيه تركَ توسعة الله. ومن الفقهاء كما ورد في المدونة من قال: من طلّق امرأته ثلاثاً فقد عصى ربه وبانت منه زوجه. ورد الجمهور بأنّ رواية الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد معتمدةٌ في صدر الإسلام.
-
رابعاً: الاحتجاج بحديث ابن عباس في الصحيحين: كان الطلاق في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافته طلقة واحدة، وتُقابل رواية طاوُس لحديث ابن عباس هذا روايةٌ أخرى.
-
وخطّأ ابن عبد البر رواية طاوس هذه وقال: إنها وهم وغلط. وبعد حديث طويل وإشارة إلى الأنظار المختلفة للأئمة في هذا الشأن، يقول الإمام الأكبر: ونحن نأخذ برواية ابن عباس وليس علينا أن نأخذ برأيه.
-
خامساً: حديث ركانة ورواية الدارقطني له: من أنه طلق زوجه ثلاثاً في كلمة واحدة. وسأل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنما هي واحدة فارتجعها. وأجاب الجمهور عن هذا بأن الحديث مضطرب، وعقّب عليه شيخنا بأن هذا الجواب واهٍ.
-
سادساً: حديث تطليق ابن عمر زوجه. ذكر بعضهم أنه طلقها ثلاثاً فأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمراجعتها. وفي هذا شاهد منه على عدّها طلقة واحدة. والحق أن الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد لا يقع إلا طلقة واحدة. ولا يعتد يقول المطلِّق ثلاثاً.