الفصل الأول: أسس النظر في المقاصد والأحكام

59 paragraphs · vol. 2, p. 205

Page 1 of 2

  1. [الإسلام حقائق لا أوهام]

    vol. 2, p. 205
  2. إن هذا الموضوع الجليل الذي تناوله الشيخ ابن عاشور مرات كثيرة في مقاصد الشريعة الاسلامية، وفي التحرير والتنوير، وفي أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، يدل على اهتمام المؤلف به، وعلى حاجة مختلف القراء إليه (١) . وهو كما قال في بداية حديثه عنه: "أي غرض أسمى وأسنى من غرضنا الذي نشرح فيه صفة عظمى من صفات الإسلام. منها تفنّنت أفنانه، وعليها التفت أواشجه، وبها تجلّى التمايز بينه وبين غيره من الشرائع، وبإنشاء المتدينين بهذا الدين على مخامرة هذه الصفة عقولَهم كانوا أهلاً للنهوض بأعباء الأمانة التي وكلت إليهم، وهي إبانة إصلاح التفكير وإعلان الحق بين الناس" (٢) .

  3. وفي هذا التقديم ضرب من ضروب الدعوة إلى الإسلام، وكشف عن مميزاته وحقائقه، إذ هو قاعدة الدين الخاتَم وأساسه، لا يتعلق بالأوهام، ولا يقيم أصوله وهديه إلا على الحقائق والاعتبارات التي تجعل منه عقيدة صحيحة ناضجة، ومنهجاً بيّناً للحياة، يعتمد الواقع، ويعالج ما في المجتمع وعند الأفراد من انحراف، لقيامه

    vol. 2, p. 206على السماحة، ودعوته إلى الفطرة بقوله سبحانه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} (١) . فالفطرة أعظم أصل من أصول الشريعة، وأبرز مظهر من مظاهرها، تقوم حتماً بما هو مغروز بها في النفس البشرية، من الانصياع إلى الحق، ومجانبة الباطل، وتحقيق مقاصد هذا الدين من الخَلْق. وهذا هو إسلام الوجه إلى الله {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (٢) .

  4. وفرّق الإمام في مقاله هذا بين الحقائق والاعتبارات، والأوهام والتخيّلات، حتى يتبيّن للناس كيف كان بعضها وصفاً للإسلام يلازمه ويدعمه، وبعضها الآخر بعيداً عنه يجانبه ولا يرتبط به. فعقائد الإسلام وشرائعه وقوانينه حقائق تدركها العقول، وتتطلبها الحياة، ولها أثرها في الواقع الاجتماعي. وهي تستهدف تقويم المجتمع الإسلامي، أفراداً وجماعات، في الاعتقاد والتفكير وفي الأعمال. ويكون هذا بأخذ الناس بالحقائق التي تهديهم وتنشرح بها نفوسهم، وتنبذ عنهم الأوهام والتخيّلات التي تُضِلُّهم وتوقعهم في الأباطيل: فتطبع على قلوبهم وتحجب عنهم الهدايةَ والاستقامة.

  5. فالحقيقة والاعتبار المتصل بها هي الماهية الثابتة في نفسِ الأمر. وحقيقة الشيء هو مفهوم كلي مركب من معقولات ملازمة أي جواهر أو أغراض أو كليهما، غير مفارقة لجزئيات الكلّي، تقوم من مجموعها صورة متعلقة متميّزة عن غيرها تدعى حقيقة، ولكنها متحيّزة في العالم وفي مدارك العقل.

  6. وأما الاعتبارات فهي المعاني التي توجد في اعتبار المعتبر،

    vol. 2, p. 207بحيث لا مندوحة للذهن عن اعتبارها؛ لأن لها تعلّقاً بالحقائق، ولكن وجودها تابع لوجود الحقائق، ووجود الاعتبارات أضعف من وجود الحقائق الثابتة في ذاتها. ووجود الاعتبارات على نوعين: منه ما هو تبع في الخارج لوجود الحقائق المنتسبة تلك الاعتبارات إليها، متابعة وجود الظل للجسم في حال كونه في النور، ومنه ما هو قاصر على التقرر في التعقل في الذهن. وكلها إدراكات ذهنية أُلجئ الذهن إلى إدراكها للزوم تعقل آثارها التي في الوجود. وتقابل هذين الوصفين الأوهام والمتخيّلات.

  7. فأما الأوهام أو الوهميات، كما ذكر شيخنا، فهي المعاني التي يخترعها الوهْم من نفسه دون أن تصل إليه من شيء متحقق في الخارج. والتوهّم والوهْم مركب من الفعل والانفعال؛ لأن الذهن فيه فاعل ومنفعل، فهو يخترع المعنى الوهمي ثم يدركه. والفعل فيه أقوى من الانفعال. والوهْم أوسع من العقل في تصوراته ومخترعاته وتخيّلاته، وأضيق من العقل في الإذعان لما ليس من مألوفه. فقد يعجِز الفهم عن إدراك كثير من الأدلة كما أشار إلى ذلك الغزالي في التهافت. وليس المراد من الوهميات المعاني الجزئية غير المحسوسة الموجودة في المحسوسة. والقصد من الوهم هنا هو الوهم الزائف الكاذب.

  8. وأما المتخيّلات فهي المعاني التي تخترعها قوة الخيال بمعونة الوهم، بأن يركّبها من عدة معان محسوسة محفوظة في حافظة الذهن. والخيال قوة ذهنية بها تحفظ صور المحسوسات بعد غيبة ذواتها .. وهذه القوة الخيالية إذا استعمَلَتها النفس بواسطة القوة العقلية، أو مع تعاون القوتين العقلية والوهمية تسمى فكراً، وإذا استعملتها بواسطة القوة الوهمية؛ أي بمجرد الاختراع دون تصرّف

    vol. 2, p. 208عقلي سُمِّيت تخيّلاً. وهذا هو المعنى المضبوط للتخيّل. والمعاني التخيّلية يقال إنها مقدمات ليس المقصود منها التصديق بها، بل المقصود تخييل شيء أنه شيء آخر على سبيل المحاكاة لقصد تنفير أو ترغيب، مثل تخيّل التهوّر شجاعة في قول سعد بن ناشب، وتخيّل الجبن احتياطاً وحكمة في كلام الحارث بن هشام المخزومي، وتشبيه الغِيبة بأكل الميتة في القرآن الكريم (١) .

  9. وينبه الإمام إلى أن بناء الأحكام الفقهية التي يحرص عليها الأئمة المجتهدون يقتضي أولاً أن الحقائق والاعتبارات المتصلة بها لا تختلف في نفوس البشر وعوائدهم، فهي فطرية. ومن هذا يُستخلص الأصل الذي يمكن اعتماده، والبناء عليه. وهو أن دعوة الإسلام إلى الحقيقة ونبذ الأوهام تلوح في جميع أنحاء التشريع: في الاعتقادات والعبادات والمعاملات وفي المعارف. وقد فصّل القول في ذلك ذاكراً من الأمثلة في كل قسم ما يوضح هذا الأصل ويؤكّده.

  10. فهو في الاعتقادات يرجع إلى قضية وجود الخالق ووصفه بصفات الكمال وتنزيهه عن النقائص. ولدعم هذا الأصل في مجال العقيدة ورد عن الشارع قوله: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ} (٢) ، وقوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (٣) .

  11. ومثّل له في العبادات بإفشاء السلام وتشييع الجنائز والمواساة. فقد نعى الله على المشركين أن يعظموا الشهر الحرام، وينتهكوا ما هو أعظم حرمة كحرمة المؤمنين وحرمة البلد الحرام، إذ أخرجوا

    vol. 2, p. 209المؤمنين منه. يشهد لهذا قوله سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} (١) .

  12. وفي المعاملات الحقوقية كالبيوعات والجنايات وأحكام الحنث في الطلاق ونحوها بُنيت الأحكام على اعتبار الواقع دون الأوهام والتخيّلات. يفسّر هذا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه: "أرأيت إن منع الله الثمرة، فَبِمَ يأخذ أحدكم مال أخيه؟! " (٢) . وهذا مجرى للقياس عند وجود صور وقضايا لم يُعيّن لها حكم، ولكنها تَتَّحد مع ما فيه حكم في العلّة. وهذا أصل شرعي لم تخالف فيه إلا الظاهرية والباطنية. واعتبر الأئمة القضاء بما ينافي الحق جوراً. وحذر من ذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قوله: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ. ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقتطع له قطعةً من نار" (٣) . ومثل هذا ورد في الفتوى في قوله: "استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس" (٤) .

  13. وكما حُملت الأحكامُ على التزام الواقع إذا كان حقاً، انبنت أحكام الحقوق على اعتبار الواقع ملغىً وغيرَ معتدّ به، إذا كان هذا الواقع عائداً على مقاصد الشريعة بالإبطال ولغَزْلها بالانتقاض. ذلك أن الشريعة الإسلامية عارضت ما سوى الحق فنقضته وأبطلته وأسمته

    vol. 2, p. 210ظناً: {ومَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (١) ، ودعته هوى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} (٢) ، وجعلته تمنّياً لمصادفته الرغبة الشخصية الذاتية وبُعدِه عن شرع الله وما اقتضته حكمته - عز وجل - من الأمر. قال تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى} (٣) .

  14. [من صفات الشريعة رفع خلط الاعتبارات بالأوهام]

  15. وبعد التحليل الملاحظ في الأقسام المتقدّمة انتقل الإمام إلى الحديث عن التقرير والتغيير في التشريع الإسلامي.

  16. فالتقرير هو ما تناول الحقائق الثابتة التي فطر الله خلقَه عليها فجعلها منهج إرشاد، وأساسَ تعامل الإنسان مع نفسه ومع من حوله.

  17. والتغيير هو ما جاء عن الشارع من نقضٍ للأوضاع، ورَدًّ للمنكرات، وتفريق بحن ما هو حق وما هو باطل.

  18. فحَمَى المرأة من أن تُطَلَّق ثلاثاً، مرّة بعد مرّة، من غير أن يراجعها زوجها بعد صدور الطلاق منه في كل مرّة حتى تشرف على انقضاء عدّتها، إمعاناً في مضارَّتها، وإطالةً وتمديداً لأيام عدّتها: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} (٤) . وهكذا أبطل الشارع واقعاً ذميماً ودعا إلى اعتبار الحكمة والقصد من تشريع العدّة وهو استبراء للرحم، وانتظار لندامة المطلَّق.

    vol. 2, p. 211قال سبحانه: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (١) .

  19. وكان فَهْمُ الناس لعدّة الوفاة أربعةَ أشهر وعشراً فهماً خاطئاً حين جعلوا العدّة حُزناً على فقدان الزوج، وصرفاً إلى اعتداد المرأة عدة الوفاة.

  20. وبيان ذلك أن المرأة إذا وضعت حملها إثر وفاة بعلها وبَرِئَت رحمُها يكون لها أن تتزوج في التوّ وهذا خلاف ما قاله أبو السنابل، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسبيعة حين جاءت تشكو أمرها: "قد حللت حين وضعت حملك فانكحي إن شئت" (٢) . ويدل هذا على أن العلة الحقيقية لعدة الوفاة كانت لأجل ما عسى أن يظهر من الحمل.

  21. أما ما ورد من نهي أهل الكتاب عن مذامًّ يأتونها؛ كمؤاخذته جل وعلا لليهود بقوله: {وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} (٣) فهو من أجل تحذير المسلمين من الوقوع في مثله.

  22. وكان الناس يعتدّون بالفوارق بين الذوات المتساوية: بين الرجال والنساء، وبين الأحرار والعبيد بصفة مطّردة. فأبطلت الشريعة ذلك، واعتبرت جميع الأحكام المتعلّقة بذوات متساوية في الوصف الواردِ لأجله الحكم، يجب أن تكون متساوية في الحكم.

  23. وممّا لم يقرّه الشرع وإن كان واقعاً في الجاهلية وصدر الإسلام التبنّي. أبطله تعالى بقوله: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ

    vol. 2, p. 212بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} (١) .

  24. وخالطت الأوهامُ الحقائق في المعارف والعادات شرعيها وعقليها، فكان متفشياً بين الناس اعتقاد أن الشمس تخسف إنذاراً بحوادث تقع في البشر، فردَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الاعتقاد، وقال حين خسفت الشمس عند وفاة ابنه إبراهيم - عليه السلام -: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله؛ لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته" (٢) .

  25. وكان الناس يتوهّمون عند وضع الطفل مختلفاً لونه عن لون أبويه أنه من سفاح؛ فينكرونه. وجاء فزارة (ضمضم بن قتادة) ، وشكا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الحالة. فبيّن - صلى الله عليه وسلم - له خطأه، واستلَّ منه وهمه بردِّه إلى واقع مشاهد، إذ قال له: "هل لك من إبل" ؟، قال: نعم. قال: "ما لونها" ؟ قال: حُمْرٌ. قال: "هل فيها من أورق" ؟، قال: نعم. قال: "فأنّى ذلك" ؟، قال: لعله نَزَعَهُ عِزق. قال: "فلعل ابنك هذا نزعه عِرْق" (٣) .

  26. ومن أوهامهم اعتبارهم الزمان أو الدهر يأتي بالحوادث العجيبة وبالمصائب. فكانوا يسبُّون الدهر. فنهاهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "لا تسبّوا الدهر فإن الله هو الدهر" (٤) . ذلك أنهم أضافوا ما يحدث لهم من قوارع إلى الزمان، وليس الزمان سوى أمر اعتباري تؤقّت به الحوادث فأخطؤوا في الاعتقاد، وما من خالق للحوادث غير الله.

  27. وكانوا يتطيَّرون ويعتقدون أن الهامة طائر يتخيّلونه يخرج من

    vol. 2, p. 213رأس القتيل فلا يزال يصيح: اسقوني، حتى يؤخذ بثأر القتيل. كما كانوا يتشاءمون من شهر صفر ويخافون الكهنة، فنفى النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الأوهام قائلاً: "لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة" (١) ، "وإنما الطِّيَرَةُ على من تطيّر" (٢) . وردَّ على من سأل عن الكهنة فقال: "ليسوا بشيء" (٣) .

  28. فأنشأ الإسلام بسداد شريعته وحكمته العالية أمة صالحة للاستخلاف في الأرض. ولولا ما أُدخل عليها من تحريف الأفهام وتصديع الأوهام لكانت تاجاً فوق جميع الهام.

  29. ويحصل لمن لا يفقه الشريعة خلط الاعتبارات بالأوهام وهذا باطل. فلكل وصف من هذين موقع ومجال.

  30. فمن الأمور الاعتبارية قوله - صلى الله عليه وسلم -: "المُصلي يناجي ربه" (٤) ، تقريباً وتقريراً وتقديراً لفعله. وهذا الأمر في الواقع غيرُ متحقّق؛ لأن الربّ موجود والتقرّب إليه مشروع، واستحضاره عسير لا بد فيه من المعونة بأمر محسوس، ومن الاعتبارات استحضار استقبال القبلة في الصلاة.

  31. ومن هذا القبيل الحقائق التي لا ثبوت لها إلا في الذهن. وذلك ما حوّلته الشريعة إلى الاعتبار كالنية، وحُسن الظن بالمؤمن، ومقام الإحسان الذي صوَّره لنا الشارع بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أن تعبد الله كأنك تراه" (٥) . ودخل هذا في التشريعات الاعتبارية؛ لما يقارن هذه

    vol. 2, p. 214الحالات من صفات تستقر في النفس فتوحي لمن تخالطه وتلازمه أنها حقائق. ومن الأمور ما تترتّب آثار خفيفة على اعتبارها فيقدر المعدوم كالموجود. ومثال ذلك مِلك المقتول حق القصاص من القاتل قبل وفاته ليصحّ عفوه عن قاتله.

  32. ومن الأمور المعدودة في العادات من الأوهام، واصطلح عليها البشر في عوائدهم، ما أصبح من الفضائل، كستر العورة الذي أقرّه الإسلام وأوجبه. وفي الحديث قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تُحشرون حفاة عراة" . فقالت عائشة: يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: "الأمر أشدّ من أن يهمهم ذلك" (١) .

  33. ومن الأوهام والتخيّلات ما يكون جارياً في طرق الدعوة. وهو ليس من الحقائق التي تقتضيها الشريعة أو يطلبها التشريع. وهي وإن استعملت طريقاً لتحصيل علم أو عمل، فهي لا تبلغ في ذاتها أن تكون أمراً مقصوداً حصوله. ومثال هذا قول الله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} (٢) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" (٣) . وإنما ورد التخييل والتشبيه بقصد التشنيع والمبالغة في النهي.

  34. ونَهَى الشرع عن العمل بالوهْم. ورد في الجامع الصحيح للبخاري: عن ابن عباس: أن الناس كانوا يستحيون أن يتخلّوا فيفضوا إلى السماء، فكانوا يثنون صدورهم يستحيون من الله، فأنزل الله فيهم: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور} (٤) .

  35. وعلى هذا الأساس ألغَى الإجماعُ رضاعةَ الكبير. ولا بدع في هذا. فالتشريعات في أول إقامتها يكتفى فيها بما يؤذن بحرمة التشريع تهيئة لعمل الناس بها في المستقبل (١) .

    vol. 2, p. 215
  36. [الخطاب الشرعي أو النصوص التشريعية]

  37. أبرز ما يصوّر هذا الموضوع في القسم الأول من كتاب المقاصد فصلان السادس والسابع المتواليان. فبعد تفصيل المؤلف القول في إثبات أن للشريعة مقاصدَ من التشريع في الجملة، واستنادِه في ذلك إلى أدلة كثيرة من الكتاب والسُّنة (٢) ، وبعد تنبيهه على احتياج الفقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة، وتوجيهه الدارسين إلى طرق إثبات تلك المقاصد عند الأصوليين وغيرهم من علماء السلف (٣) ؛ انتهى إلى محورين أساسيين في علم المقاصد يتناولان مسائل كثيرة الفائدة، عظيمة الأهمية، نلمس من خلالهما بحثاً عن أدلة الشريعة اللفظية، وعن عدم استغنائها عن معرفة المقاصد الشرعية، وعما يعرض للرسول - صلى الله عليه وسلم - من أحوال وظروف مختلفة تُدْعى مقامات. وهي التي يتكيّف خطابه بحسبها فتتمايز بها أقواله وأفعاله تبعاً لذلك، وتحمل من المعاني والإشارات ما يخفى إدراكه على كثير من الناس بسبب انصرافهم عن ملاحظة أسباب القول ودواعيه وحافاته. فالنظر في نصوص السُّنة مثلاً يقتضي التفريق بين ما له اتصال بمقام التشريع كالتبليغ والقضاء والفتوى، وبين ما لا صلة له بذلك مثل مقامات الإرشاد والهدي والنصيحة وغيرها.

  38. وقد دعت هذه الآثار في ذاتها وباختلاف مناهجها إلى تقرير

    vol. 2, p. 216حقيقة علمية هي التي افتتح بها الشيخ ابن عاشور الفصل السادس المومى إليه أعلاه، إذ قال: إن الكلام لم يكن في لغة من لغات البشر، ولا كان نوع من أنواعه وأساليبه في اللغة الواحدة بالذي يكفي في الدلالة على مراد اللافظ دلالة لا تحتمل شكاً في مقصده من لفظه (١) . ومن أجل هذا احتاج المتكلمون والمستمعون إلى الاستعانة على الفهم الصحيح بالقرائن المقالية والحالية التي تحفُّ بالكلام، وبما يقتضيه السياق في توجه الكلام، ويحدده المقام من غرض الخطاب.

  39. ولبيان هذه الحقيقة أورد الشيخ ابن عاشور صوراً من الخطاب الشرعي قصدَ إثبات تفاوت دلالتها فيما بينها، فيقول: ولذلك تجد الكلام الذي شافه به المتكلم سامعيه أوضح دلالة على مراده من الكلام الذي بلّغه عنه مبلّغ. وهذه الصورة وإن كانت أقلّ وضوحاً وأكثر احتمالاً من الأولى، فإن ما يكون من الكلام عن طريق الكتابة هو أقل وضوحاً من الصورتين السابقتين لفقده دلالة البيان، ولغياب ملامح المتكلم عنه، وإن كانت هذه الصورة الأخيرة من الكلام أضبط من جهة انتفاء التحريف والسهو والتصرّف في التعبير عن المعنى عند سوء الفهم (٢) .

  40. وكل هذا يجب أن تُصرف فيه الجهود لتخلَص من الشك والاحتمالات، وما تقتضيه معميّات الكلام من خلط واضطراب. وإن أدقّ مقام في الدلالة وأحوجه إلى الاستعانة عليها هو مقام التشريع، لما يلزم من أعمال ما ينبغي أن يتخذ من الحيطة في هذا المحل (٣) .