الفصل الثالث: مع فقهاء الشريعة الإسلامية

121 paragraphs · vol. 2, p. 255

Page 1 of 4

  1. إن من بين من اعتمدهم الإمام في نشر العلوم الشرعية وبناء الفكر الإسلامي جملةً من الرواد والشيوخ من قراء ومحدثين وعلماء وفقهاء، بذلوا جهوداً عظيمة في تدبر ذلك الميراث النبوي وتحليله والكشف عن جواهره وروائعه. فكان منهم المجتهدون أصحاب المذاهب، وأصحاب الطبقات والرجال على مدى العصور الماضية. فهي تنبئ عن دورهم الكبير في تصنيف العلوم، وتضع أمامنا ذلك الصرح الحضاري الخالد الذي يكفي أن تمتد إليه أيدينا لنجتني ثماره في أي فنّ من فنون الفكر والعلم. فمن عقيدة وقرآن وسُنة، وشريعة، وأصول، وفقه. وما كان يساعد على التوصّل إليها وينمّيها من علوم وفنون لها ارتباط بتصاريف الكلام وأسرار التعبير.

    vol. 2, p. 255
  2. وليس بيننا وبين إدراك هذه الحقيقة غير الرجوع إلى كتب أساتذتنا وتصانيف علمائنا، وعلى الخصوص ما دبَّجه يراع إمامنا الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. فقد كانت هذه العلوم جميعها بمفرداتها حاضرة في ذهنه، شاغلة عقله، مستقرة في قلبه، جارية على لسانه، سائلاً بها مدادُه. وإن وقفة تأمل فيما دَبجه قلمه لتكشف لنا عن نظريته في علم المقاصد، وعن موقفه عند استخدام أصوله وقواعده، وعن المنهجين النظري والتطبيقي اللذين يدلي بهما مرات كثيرة منبهاً وموجهاً، مناقشاً ومستدركاً.

  3. وهذه الجوانب هي التي تَلِجُ بنا أعماق العِلْم الإسلامي، وتبصرنا برجالاته، وتجعلنا واعين مع التحقق والجزم بما كان بين هذا الإمام وبين نظرائه من رجال العلم الإسلامي من تجاوب. فهو بذلك خاتمة المحققين، وشاهد صدق على ما أماط عنه أثناء دراساته وبحوثه الكثيرة المتنوعة، من ثراء وخصب وجودة وإبداع وصلاحية وحِكمة اتسمت بها شريعة الإسلام.

    vol. 2, p. 256
  4. وإن صُحبتنا للمؤلف، بعد الإشارة إلى جملة من المسائل والفروع التي ضمّنها كتاب المقاصد، لتحملنا بعد إمعان القراءة، على الاحتراز من أوضاع أنكرها، وعلى التأمل في أصول ومناهج اعتمدها، وقضايا ومشاكل جمعها ثم ميّز بينها، والإفادةِ من آرائه وتوجيهاته وتنبيهاته لنا. فتلك إذن أربعة محاور تصوّر علاقاته بالعلماء ورجال الفقه والشريعة من حوله:

    موقف الشيخ ابن عاشور من بعض المذاهب الفقهية وطائفة من الفقهاء:

    ما كان ينكره الشيخ على بعض المذاهب والعلماء والفقهاء.

  5. (١) من ذلك قوله عن أصول الظاهرية: "فأنت إذا نظرت إلى أصولهم وجدتهم يوشكون أن ينفوا عن الشريعة نوط أحكامها بالحِكمة؛ لأنهم نفوا القياس والاعتبار بالمعاني. ووقفوا عند الظواهر فلم يجتازوها" .

  6. وأهل الظاهر برفضهم القياس يقعون في ورطة التوقّف عن إثبات الأحكام فيما لم يرد فيه عن الشارع حكم من حوادث الزمان. وهو موقف خطير يُخشى على المتردِّي فيه أن يكون نافياً عن شريعة

    vol. 2, p. 257الإسلام صلاحَها لجميع العصور والأقطار (١) .

  7. (٢) اعتراضه على منهج بعض العلماء في استنباط الأحكام بقوله: ومن هنا يقصّر بعض العلماء، ويتوحّل في خضخاض من الأغلاط، حين يقتصر في استنباط أحكام الشريعة على اعتصار الألفاظ، ويوجّه نظره إلى اللفظ مكتفياً ومقتنعاً به. فلا يزال يقلّبه ويحلّله ويأمل أن يستخرج لبّه، وهو في كل ذلك مهمل ما قدّمناه من ضرورة الاستعانة بما يحفّ بالكلام من حافات القرائن والاصطلاحات والسياق (٢) .

  8. (٣) إنكاره على بعض الفقهاء تسميتهم صنفاً من الحيتان "خنزير البحر" وحرّموا أكله لأنه خنزير. قال ابن العربي: سئل مالك: أيحلّ خنزير الماء؟ قال: أنتم تقولون خنزير، وأنا أكره أكله لإطلاق اسم خنزير على ما يحلّ أكله (٣) .

  9. (٤) ومن الأخطاء المنهجية: غلطت جماعة من الفقهاء في بعض تصرّفات الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فعمَدت إلى القياس عليها قبل التثبت في أسباب صدورها (٤) .

  10. (٥) القول بتحريم نكاح امرأة زوّجها وليُّها بعلاً بمهر، وزوّج

    vol. 2, p. 258هو ذلك الولي امرأة هو وليها بمهر مساوٍ لمهر الأخرى أو غير مساوٍ، باعتقاد أن هذا من الشغار؛ لأن شكله الظاهر كشكل الشغار. وهذا الحكم غير صحيح لأن من ذهب إليه أغمض عينيه عن المعنى والوصف الذي لأجله أبطلت الشريعة نكاح الشغار (١) .

  11. (٦) غلط بعض المفتين بتحريمهم التدخين بورق التبغ في الفهم؛ لأنهم لما ظهر التدخين به في أوائل القرن الثامن عشر سموه الحشيش، وتوهّموا أنه الحشيش المخدّر الذي يدخّنه الحشاشون (٢) .

  12. (٧) لما ظهرت الحبوب اليمانية التي نسميها قهوة أفتى بعض العلماء أول القرن العاشر بحرمة منقوعها لأنهم سموها القهوة. والقهوة عندهم اسم للخمر في اللغة العربية (٣) .

  13. (٨) أخطأ بعض الفقهاء بقتل المشعوذ باعتبار أنهم يسمّونه سحاراً، غافلين عن تحقيق معنى السحر الذي ناط الشارع به حكم القتل. فمن حقّ الفقيه إذا تكلم على السحر أو سُئل عنه أن يبين ويستبين صفته وحقيقته، وألا يفتي بمجرد ذكر اسم السحر، فيقول: يقتل الساحر ولا تقبل توبته، فإن ذلك عظيم (٤) .

  14. [١ - التضييق في الرخص]

  15. من الرخص ما هو مغفول عن التعرّض له لدى الفقهاء. فهم لا يمثّلون إلا بالرخصة العارضة للأفراد في أحوال الاضطرار. ونحن

    vol. 2, p. 259نعلم أن سبب الرخصة هو عروض المشقّة والضرورة. والرخصة في التحقيق:

    إما أن تكون في ضرورات عامة مطّردة، كانت سببَ تشريعٍ عام في أنواع من التشريعات، مستثناة من أصول كان شأنها المنع كالسَّلَم والمغارسة والمساقاة. فهذه مشروعة باطراد لدخولها في قسم الحاجي. كما نبّه الشاطبي على ذلك في مبحث الرخصة والعزيمة.

  16. وإما أن تكون في ضرورات خاصة مؤقّتة كالتي يشير إليها القرآن في قوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} (١) . وهي التي عُنِي بها الفقهاء.

  17. ومن الضرورات العامة المؤقّتة أن يعرض للأمة أو طائفة عظيمة منها ما يستدعي إباحة الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي مثل سلامة الأمة وإبقاء قوّتها. وهذه الضرورة عند حلولها هي أجدر وأولى بالاعتبار من الضرورة الخاصّة (٢) وقد تقدم ذكر أمثلة لها، كالكراء المؤبّد ونحوه. وقد يطرأ من الضرورات ما هو أشد، فالواجبُ رعيُه وإعطاؤه ما يُناسبه من الأحكامِ.

  18. [٢ - تعارض الروايات]

  19. مثاله ما أورده البخاري من حديث عاصم في كتاب الاعتصام من صحيحه. قال: "قال عاصم: قلت لأنس بن مالك: أبَلغك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا حلف في الإسلام "؟ قال أنس: قد حالف النبي - صلى الله عليه وسلم - بين قريش والأنصار في داري التي بالمدينة" (٣) . وفي هذا

    vol. 2, p. 260إبطال لحديث أم سلمة وجبير بن مطعم وابن عباس (١) .

  20. ٣ - الإجماعُ:
  21. هو اتفاق أهل العلم فيما يدعو إلى الانتباه والتأمّل كما أشار إليه البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه في باب ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - وحضّ فيه على اتفاق أهل العلم، وما أجمع عليه الحرمان مكة والمدينة، وما كان بها من مشاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين والأنصار ومصلّى النبي والمنبر والقبر (٢) ، ومنه ما كان موضعه الأحكام ذات العلة الخفية مما استنبط له الفقهاء علةً.

  22. [٤ - اختلاف الفقهاء]

  23. اختلفوا في تحريم ربا الفضل في الأصناف الستة، ومنع كراء الأرض على الإطلاق عند القائلين بالمنع من الصحابة والتابعين. وفي إثبات هذا النوع من العلل خطر على التفقّه في الدين. فمن أجل إلغائه وتوقّيه مالت الظاهرية إلى الأخذ بالظواهر ونفوا القياس، ومن الاهتمام به تعدد أساليب الخلاف بين الفقهاء، إنكار فريق منهم صحة أسانيد كثير من الآثار (٣) .

  24. أما اختلاف الفقهاء ومسائل الخلاف فقد اقتصر فيها في الغالب على ما هو راجع إلى اختلاف التأويل بين الأئمة، أو إلى الالتزام بأصل أو قاعدة أقيم عليها المذهب الفقهي عندهم.

  25. [٥ - من صور اختلاف الفقهاء]

    vol. 2, p. 261
  26. (١) فالصورة الأولى يشهد لها ما نقله الشيخ ابن عاشور عن القرافي في فروقه، من اختلاف العلماء في تصرّفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أقواله وأفعاله. وذلك كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أحيا أرضاً ميتة فهي له" . فهذا التصرّف التشريعي الذي يفيد إسناد شيء إلى أي أحد من الأفراد لتوفر الشروط فيه، انقسم حوله كبار الأئمة، فبعضهم وهو الإمام أبو حنيفة قال: هذا من التصرّف بالإمامة. فلا يجوز لأحد أن يحيي أرضاً إلا بإذن الإمام؛ لأن الفيئ لا يختص به أحد دون الإمام كالغنائم والإقطاعات. ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه" .

  27. وخالفه صاحباه وقالا بما قال به مالك والشافعي من أن هذا التصرّف بالفتوى. فيجوز لكل أحد أن يُحيي أرضاً ولو لم يأذن له الإمام. ولم يستثن من ذلك الإمام مالك إلا ما قرب من العمران من أراضي الموات؛ لأن هذه الأراضي تحتاج قبل إحيائها إلى النظر في تحرير حريم البلد. وكل ما كان هذا شأنه يحتاج إلى نظر وتحرير. فلا بد فيه من أحكام (١) .

  28. (٢) واختلفوا أيضاً في قوله - صلى الله عليه وسلم - لهند بنت عتبة: "خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف" أهو من قبيل التصرُّف بالفتوى، فيجوز لكل من ظفر بحقه أو بجنسه أن يأخذه بغير علم خصمه به؟ أم هو تصرّف بالقضاء، فلا يجوز لأحد أن يأخذ جنس حقّه أو حقّه إذا تعذّر أخذه من الغريم إلا بقضاء قاضٍ. وأكثر الشافعية يعتبرون هذا من قبيل الإفتاء، لأن القضاء على الغائب لا يصح حتى يكون غائباً

    vol. 2, p. 262عن البلد أو مستتراً لا يقدر عليه. ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجوداً. وجعل المالكية في مشهور مذهبهم تصرّف الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذه الحالة تصرّفاً بالقضاء، ورجّح منهم الأخذ بالحديث اللخميُّ وابن يونس وابن رشد والمازري (١) .

  29. (٣) ومثل هذا اختلافهم في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل قتيلاً فله سلَبه" فمنهم من جعله من التصرّف بالإمامة. وقال: لا يكون ذلك لأحد بغير إذن الإمام، ولا يكون ذلك من الإمام إلا على وجه الاجتهاد. وقال مالك: لم يبلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا يوم حنين. وقال ابن حجر: ذهب الجمهور إلى أن القاتل يستحق السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك أو لم يقل. وأن هذا فتوى من النبي - صلى الله عليه وسلم - وإخبار عن الحكم الشرعي (٢) .

  30. (٤) وكان الاختلاف كبيراً بين العلماء في الاحتجاج بقضايا الأعيان، وبأخبار الآحاد، إذا خالفت القواعد أي الكليات اللفظية أو المعنوية، أو خالفت القياس، أو خالفت عمل أهل المدينة. وهذا من موجبات التحرّي في العمل بخبر الواحد، وبخاصة بعد انتقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى. واستمر الخلاف بعد ظهور الأئمة المجتهدين وقيام المدارس والمذاهب الفقهية. فكان فريق منهم يأخذ بالاستنباط من ذلك، قاضياً بتحكيم القواعد العامة في التشريع، راداً على ما خالفها من السُّنة، وفريق كان من احتياطه في الأمر عدم التساهل برد الحديث بمجرد عدم موافقته للأصول العامة (٣) .

  31. (٥) ومما جرى فيه الخلاف القول بتأبيد تحريم المرأة المعتدّة على من يتزوجها في عدّتها ويبني بها. قضى بذلك عمر، وقال به مالك. ومن الأئمة من يكتفي بفسخ النكاح ولا يرى تأبيد التحريم وهو الأقرب. وهذا هو مذهب أبي حنيفة والثوري والشافعي (١) .

    vol. 2, p. 263
  32. [توجيه وتنبيه]

  33. من ذلك الدعوة إلى إخراج الناس من الجدل العقيم وجعل أهل العلم والمفكرين أبعد الناس عن التعنت والعناد والمكابرة.

  34. ومن أجل إسداء هذه النصحية لأهل العلم على الوجه المطلوب يبصرون بطريق الحق، ويفتح لهم سبيل الرشد. قال الإمام: إذا انتظم الدليل على إثبات مقصد شرعي وجب على المتجادلين فيه أن يستقبلوا قبلة الإنصاف، وينبذوا الاحتمالات الضعاف (٢) .

  35. ومن أجل مساعدة الطلاب والدارسين على بلوغ الغاية من البحث والنظر يقول في غير تردد: ويحق على العالِم أن يغوص برأيه في تتبع المصالح الخفيّة، فإنه يجد معظمها مراعىً فيه النفع العام للأمة والجماعة، أو لنظام العالَم (٣) .

  36. ومن توجيهات الإمام في كتابه المقاصد:

    (١) أن الفقيه محتاج إلى معرفة مقاصد الشريعة في قبول الآثار

    vol. 2, p. 264من السُّنة، وفي الاعتبار بأقوال الصحابة والسلف من الفقهاء، وفي تصاريف الاستدلال (١) .

  37. (٢) أن علينا أن نرسم طرائق الاستدلال على مقاصد الشريعة بما بلَغنا إليه بالتأمل وبالرجوع إلى كلام أساطين العلماء (٢) .

  38. (٣) على الفقيه ألا يعيّن مقصداً شرعياً إلا بعد استقراء تصرفات الشريعة في النوع الذي يريد انتزاع المقصد الشرعي منه ويتثبت من ذلك. لأن الجزم بكون الشيء مقصداً شرعياً يتفاوت بمقدار فيض ينابيع الأدلة ونضوبها، وبمقدار وفرة العثور عليها واختفائها.

  39. (٤) وجوب التمييز بين مقامات الأقوال والأفعال الصادرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتفرقة بين أنواع تصرّفاته (٣) .

  40. (٥) وجوب الحفاظ على صورة الحكم إن كان تعبدياً، وألا يزيدوا في تعبّديته كما ينبغي الاحتراز عن إضاعة أصل التعبّدية (٤) .