الفصل الثاني: منهج الشيخ ابن عاشور في تقريراته وفي تناوله لبعض متممات الخطاب
154 paragraphs · vol. 2, p. 222
Page 1 of 4
- vol. 2, p. 222
[التفصيل والتقسيم]
-
إبلاغ المخاطبين، بإيصال مقاصد الخطاب إليهم، لا يكون فقط باستعمال اللغة الصحيحة الفصيحة. فذلك أمر يشترك في الحاجة إليه الخاصّة وأهل المعرفة وسائر الناس. وإنما تتأكد الحاجة إلى هذه المتمّمات والمتعلّقات لدى طلاب العلم وأهل النظر العلمي والشرعي لمساعدتها لهم على الفهم الصحيح، وعلى استنباط الأحكام من الأدلة وضبطها.
-
وقد تقدم لنا بحث قسم من هذه المتمِّمات عند عرض قضية التعليل والقياس وعند الحديث عن الاستدلال وأنواعه وأهميته، وعند بيان معنى المقام والسياق اللذين يُعتبران مجرى للخطاب، تحفّ به مختلف القرائن المقالية والحالية. وإلى جانب هذا نذكر جملة من تقريرات الإمام ومنهجه عند التعرض للقضايا الشرعية كالتفصيل والتقسيم، والضبط والشروط، والتقرير والتقعيد، والوسيلة والمقصد، والحاجة إلى إعمال النظر الشرعي.
-
١ - فمن هذا الباب مقامات الأقوال والأفعال الصادرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والتفرقة بين أنواع تصرّفاته فيها.
- ٢ - التمييز بين مظاهر تيسير الشريعة الثلاثة:
-
(أ) في أحكامها المعيّنة المبنيّة على التيسير في الغالب.
- vol. 2, p. 223
(ب) اعتبار ما حصل من تغيير في الأحكام الشرعية من صعوبة إلى سهولة في الأحوال العارضة للأمة أو للأفراد.
-
(ج) بناء أحكام الشريعة على أصول مرعية من التعليل والضبط والحِكمة. فلا يقبل الصدوف عنها لما في الأحكام من مقاصد تحقق للناس النفع وتدفع عنهم الضر (١) .
-
٣ - تقسيم مقاصد الناس في تصرّفاتهم إلى قسمين:
° الأول: أعلاها؛ وهو عبارة عن أنواع التصرّفات التي اتفق عليها العقلاء أو جمهورهم، لما وجدوها ملائمة لانتظام حياتهم الاجتماعية.
-
° الثاني: أدناها. وهو الذي يقصده فريق من الناس أو آحاد منهم في تصرّفاتهم لملاءمة خاصة بأحوالهم الشخصية (٢) .
-
٤ - تفصيل الشريعة في تعيين أصحاب الحقوق، وبيان أولويّة بعض الناس ببعض الأشياء، أو بيان كيفية تشاركهم في الانتفاع فيما يقبل التشارك على منهج فطري عادل. وجماع أصول تعيين الحقوق أحد أمرين: التكوين، أو الترجيح (٣) .
-
٥ - تقسيم الحقوق ثلاثة أقسام: حق الله، وحق العبد، والحقان مقترنان.
-
وهو بعد هذا يفصّل القول في تعيين أصحاب الحقوق. وقد ورد بعد استقراء الشيخ لعامة المستحقين ترتيبهُ لهم على تسع مراتب:
° الأولى: الحق الأصلي المتحقق بالتكوين وأصل الجِبِلَّة.
- vol. 2, p. 224
° الثانية: وهي قريبة من الأولى غير أنها تخالفها من حيث إن فيها شائبة من تواضع، اصطلح عليه نظام الجماعة والشريعة.
-
° الثالثة: أن يكون المستحق وغيره سَواء في إمكان تحصيل الحق، ولكن بعض المستوفين للحقّ قد سعى بجهد، وعمِل بيده أو بدنه، أو بابتدار إلى تحصيل الشيء قبل غيره.
-
° الرابعة: وهي دون الثالثة. وذلك بأن يكون الطريق إلى نوال الشيء هو الغلبة والقوة.
-
° الخامسة: حق السبق الذي لم يصاحبه إعمال جهد في تحصيل الحق.
-
° السادسة: أن يكون المستحق قد نال الحق بطريق ترجيحه على متعدّدين من المستحقين في مراتب أخرى، لتعذّر تمكين الجميع من الانتفاع بالشيء المستحق.
-
° السابعة: نوال الحق ببذل عوض في مقابلته يُدفع إلى صاحب الحق إرضاءً له.
-
° الثامنة: أن ينال الحق بعد انقراض مستحقه أقربُ الناس إليه وأولاهم بوراثته وانتقال حقوقه إليه.
-
° التاسعة: مجرد المصادفة دون عمل أو سعي. وهذه أضعف المراتب (١) .
-
٦ - بيان أصول التكسّب الذي هو معالجة إيجاد ما يسدّ الحاجة إما بعمل البدن، أو بالمراضاة مع الغير. وتعتبر تلك الأصول
vol. 2, p. 225في الاقتصاد المعاصر من أسباب التنمية وإيجاد الثروة. وهذه الأسباب أو الأصول ثلاثة: هي الأرض، والعمل، ورأس المال (١) .
-
[الضوابط والشروط]
-
١ - إن ما جاء من ضبط المقاصد الشرعية، وهي المعاني الحقيقية والمعاني العرفية العامة، اشتراطَ أن يكون جميعها ثابتاً ظاهراً منضبطاً مطّرداً (٢) .
-
٢ - لطرق الانضباط والتحديد في الشريعة بعد الاستقراء: ست وسائل:
° الأولى: الانضباط بتمييز المواهي والمعاني تمييزاً لا يقبل الاشتباه، بحيث تكون لكل ماهية خواصُّها وآثارُها المترتّبة عليها.
-
° الثانية: مجرد تحقّق مسمّى الاسم كنوط الحد في الخمر، ونوط صحة بيع الثمار ببدوِّ الصلاح، ونوط تقرّر إكمال المهر بمجرد المسيس، ونوط لزوم العقود بحصول صيغها من إيجاب وقبول.
-
° الثالثة: التقدير كنُصب الزكوات، وعدد الزوجات، ونهاية الطلاق، والنصاب عند من يشترطه في إقامة حد السرقة، وأقل المهر، والمسافة المعتبرة في انتقال ولي المحضون عن بلد الحاضنة بستة برد عند المالكية.
-
° الرابعة: التوقيت كمرور الحول في زكاة الأموال، وطلوع الثريَّا في زكاة الماشية، ومرور أربعة أشهر في الإيلاء ونحو ذلك.
-
° الخامسة: الصفات المعيّنة للمواهي المعقود عليها.
- vol. 2, p. 226
° السادسة: الإحاطة والتحديد كما في إحياء الموات، ومنع الاحتطاب في الحرم إلا الإذخر، وحد الحرز في إقامة حد السرقة (١) .
-
ومن الضبط الذي يُخرج من التيهان، ما أورده بشأن الحيل وأنواعها حيث قال: وعند صدق التأمل في التحيّل على التخلّص من الأحكام الشرعية، من حيث إنه يفيت المقصد الشرعي كله أو بعضه أو لا يفيته، نجده متفاوتاً في ذلك تفاوتاً أذى به الاستقراء إلى تنويعه إلى خمسة أنواع:
° الأول: تحيّل يفيت المقصد الشرعي كله ولا يعوّضه بمقصد شرعي آخر.
-
° الثاني: تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه ينقلُ إلى أمر مشروع آخر.
-
° الثالث: تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه يسلك به أمراً مشروعاً هو أخفّ عليه من المنتقِل منه.
-
° الرابع: تحيّل في معانٍ ليست مشتملة على معانٍ عظيمة مقصودة للشارع.
-
° الخامس: تحيّل لا ينافي مقصد الشارع أو هو يعين على تحصيل مقصده. فأما ما كان وارداً في آثار شريعتنا فمخارجه ظاهرهُ (٢) .
-
٣ - إن ما تتقوّم به صفة المال الذي هو ثروة الأمة وهو خمسة أمور، هي:
vol. 2, p. 227أن يكون ممكناً ادخاره، مرغوباً في تحصيله، قابلاً للتَّداوُل، محدود المقدار، مكتسباً (١) .
-
[التقرير والتقعيد]
- ومما يرفع اللبس ويزيل الوهم والشك كون:
-
١ - الأعمال كلها منوطةً بأسباب، والأسباب ما جُعلت أسباباً إلا لاشتمالها على الحِكم والمصالح التي ضبطها الشرع بها. فإذا كان العمل مسلوباً من الحِكمة التي روعيت في سببه كان فعله خليّاً من الحِكمة التي لأجلها جُعل مسبباً على سببه (٢) .
-
٢ - إقرار أئمة الشريعة، من عهد الصحابة فما بعد، الأحكامَ الشرعية المتلقاة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلها. وهي وحي من الله تعالى.