الفصل الثالث: مع فقهاء الشريعة الإسلامية

121 paragraphs · vol. 2, p. 255

Page 2 of 4

  1. (٦) على الفقيه أن يجيد النظر في الآثار التي تتراءى منها أحكام خفيت عللها ومقاصدها، وأن يُمحِّص أمرها. فإن لم يجد لها محملاً من المقصد الشرعي نظر في مختلف الروايات، لعلّه يظفر بمسلك الوهم الذي دخل على بعض الرواة، فأبرزوا الأثر في صورة تؤذن بأن حكمه مسلوبُ الحِكمة والمقصد. وعليه أن ينظر إلى

    vol. 2, p. 265الأحوال العامة في الأمة التي وردت تلك الآثار عند وجودها (١) .

    vol. 2, p. 264
  2. (٧) من حق الفقيه، مهما لاح له ما يوهم جعل الوَهْمِ مدركَ حكم شرعي، أن يزيد في التأمل، عسى أن يظفر بما يزيل ذلك الوهم، ويرى أن ثمة معنى حقيقياً هو مناط التشريع، وقد قارنه أمر وهمي فغطّى عليه في نظر عموم الناس لأنهم ألِفوا المصير إلى الأوهام (٢) .

  3. (٨) قد تأتي أحكام منوطة بمعانٍ لم نجد لها متأوّلاً إلّا أنّها أمور وهمية، مثل استقبال القبلة في الصلاة، ومثل التيمم، واستلام الحجر الأسود. فعلينا أن نثبتها كما هي، ونجعلها من قسم التعبّدي الذي لا يصلح للكون مقصداً شرعياً أو نتأوّلها، وتأتي أحكام منوطة بما يمكن له تأويل يُخرجه عن الوهم مثل طهارة الحدث، فنعالج بإمكاننا حتى نخرجه عن الكون وهمياً (٣) .

  4. [التنبيهات]

  5. (١) لا يستغني المتكلمون والسامعون عما يحف بالكلام من ملامح في سياق الكلام، ومقام الخطاب، ولا عن مبيّنات من البساط، كي تتضافر تلك الأشياء الحافّة بالكلام على إزالة احتمالات كانت تعرض للسامع في مراد المتكلم من كلامه (٤) .

  6. (٢) تتفاوت مراتب الفقهاء في عملهم؛ فهم جميعاً في الصدر

    vol. 2, p. 266الأول لم يستغنوا على استقصاء تصرّفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا عن استنباط العلل، وكانوا في عصر التابعين وتابعيهم يشدّون الرحال إلى المدينة ليتبصّروا من آثار الرسول وأعماله وعمل الصحابة ومن صحبهم من التابعين (١) .

  7. (٣) إن للرسول - صلى الله عليه وسلم - صفاتٍ وأحوالاً تكون باعثاً على أقوال وأفعال تصدر عنه (٢) .

  8. (٤) لحال الإفتاء علامات مثل حديث: "انحر ولا حرج" ، "وارم ولا حرج" ، "وافعل ولا حرج" (٣) .

  9. (٥) أما حال القضاء فيكون حين الفصل بين المتخاصمين المتشادين كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أمسك يا زبير حتى يبلغ الماء الجَدرَ ثم أَرسِله" (٤) .

  10. (٦) أما حال الإمارة فأكثر تصاريفه - صلى الله عليه وسلم - لا يكاد يشتبه بأحوال الانتصاب للتشريع إلا فيما يقع في خلال أحوال بعض الحروب مما يحتمل الخصوصية (٥) .

  11. (٧) تأول معظم العلماء النهي عن كراء الأرض على معنى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه أن يواسي بعضهم بعضاً (٦) .

  12. (٨) تتردد المعاني بين كونها صلاحاً تارة وفساداً أخرى. وهذا بأن يكون قد اختل منها وصف الاطراد، يجعلها غير صالحة لاعتبارها مقاصد شرعية على الإطلاق، بل المقصد الشرعي منها أن توكل إلى نظر العلماء وولاة الأمور (١) .

    vol. 2, p. 267
  13. (٩) تنبيه علماء أصول الفقه على أنه إذا ورد في القرآن كلام خاص ثم تلاه لفظ يشمل ذلك الخاص وغيره لمناسبة، فإن ذلك اللفظ لا يختصّ ببعض مدلوله لأجل السياق (٢) .

  14. (١٠) إن المصالح المتعددة إذا لم يمكن تحصيل جميعها، والمفاسد المتعددة إذا لم يمكن درء جميعها، فإنّ تقديم أرجح المصلحتين هو الطريق الشرعي، كان درء أرجح المفسدتين كذلك. فإذا حصل التساوي من جميع الوجوه فالحكم التخيير (٣) ، كما ذكر قبل.

  15. (١١) إن مقام المرتبك في دقائق المصالح والمفاسد وآثارها، وفي وسائل تحصيلها وانخرامها. تتفاوت فيه مدارك العقلاء اهتداء وغفلة، قبولاً وإعراضاً فتطلع فيه الحيل والذرائع (٤) .

  16. (١٢) ما ذهب إليه فقهاء المذاهب من ألفاظ الطلاق والأيمان لم يبق للناس عهد بها مثل اللازمة والحرام، ونحو ذلك من كلمات تجري على الألسن، ولم يبق للناس علم بمدلولها. فهذه أمثلة نتأمل فيها ونحتذيها (٥) .

  17. (١٣) يدرك معنى صلاحية شريعة الإسلام لكل زمان من كون أحكامها كلّيات ومعاني مشتملة على حِكم ومصالح صالحة لأن تتفرعّ عليها أحكام مختلفة الصور متّحدة المقاصد (١) .

    vol. 2, p. 268
  18. (١٤) أجمع الفقهاء على مساواة غير المسلم للمسلم في معظم الحقوق والمعاملات. وهي ثابتة يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" وتلك حاصلة من العلم بأصل المساواة بين الخاضعين لحكومة واحدة فلا يحتاج إلى تعليل (٢) .

  19. (١٥) اتفاق العلماء على أن عدم مساواة غير المسلم للمسلم في بعض الأحكام في المعاملات كمنع مساواة غير المسلم لقريبه المسلم في إرث قريبهما (٣) .

  20. (١٦) شرعت الزواجر والعقوبات والحدود لإصلاح حال الناس بما هو اللازم في نفعهم، دون ما دونه ودون ما فوقه (٤) .

  21. (١٧) لا يستثنى من دلالة السكوت على التقرير إلا الأحوال التي دلّ العقل على إلحاقها بأصول لها حكم غير الإباحة. وهي دلالة القياس بمراتبها (٥) .

  22. [٦ - المقادير]

  23. عكوف الفقهاء على ما صدر في عصر الخلفاء من تحديد

    vol. 2, p. 269مقادير الجزية والخراج والديات وأُروش الجنايات، مع أن بعض تلك التقديرات طرأ ويطرأ عليه نقص القيمة أو الرواج، فلا يصلح لأن يبقى عوضاً لِما عوّض به فيما مضى (١) .

  24. [٧ - المصطلحات الشرعية]

  25. تعتبر الأسماء الشرعية باعتبار مطابقتها للمعاني الملحوظة شرعاً في مسمياتها، عند وضع المصطلحات الشرعية. فإذا تغيّر المسمَّى لم يكن لوجود الاسم اعتبار. ولذلك يقول فقهاء المالكية: إن صيغ التبرعات قد يستعمل بعضها مكان بعض. ومن التحرّي في هذا الباب اعتبار العُمْرى المُعَقّبة حبساً، والحُبس المجعول فيه شرطُ البيع يَؤُول إلى معنى العمرى، والصدقة المشروط فيها حق الاعتصار تؤول إلى الهبة، والعطايا المشروط فيها تصرّف المعطي في المعطى إلى موته تؤول إلى الوصية وإن سمّوها حبساً أو هبة أو عمرى.

    وقالوا: إذا قال ولي المرأة: وهبت فلانة إليك بمهر كذا كانت تلك صيغةَ نكاح، ولو سماها هبة (٢) .

  26. [من المصطلحات]

  27. تغاير الأسماء في المخالفات الشرعية وهي ألقاب مراتب الفساد. وهي أسماء ليست بالكثيرة ولا المطّردة. فعند الشافعية ثلاث مراتب: الحرام، والمكروه، وخلاف الأولى، وعند الحنفية مثل ذلك

    vol. 2, p. 270وهي: التحريم، وكراهة التحريم، وكراهة التنزيه (١) .

  28. [المنهج]

  29. جرى علماء الشريعة على ذمَّ بعض المباحات ترغيباً للناس في التخلّي عنها لمذمتها. وعلى هذا كان عملُ الإمام مالك في سدّ الذريعة، عند قصد المبالغة، حيث قال بنجاسة عين الخمر، وهو يعلم أن الله إنما نهى عن شربها لا عن التلطّخ بها. وإنما حمله على هذا استقراء السُّنة الذي أكد في نفسه مراعاة قصد الشريعة الانكفاف عن شربها (٢) .

  30. [المسائل والأحكام في "مقاصد الشريعة الإسلامية" ]

  31. إذا كان المؤلف قد جَعَل من غرضه الأول بيانَه معنى الخطاب الشرعي وتفصيلَ القول فيه. ولَفَتَ النظر إلى الخطوة الثانية التي أساسها تدبر أدلة الأحكام ونقدها على الطريقة الأصولية المعهودة والتمييز بينها، وإذا حرص شديد الحرص على بيان طرق كشف الأدلة عن المقاصد الشرعية وإثباتها لدى الأئمة الفقهاء ولدى السلف في رجوعهم إلى المقاصد وتمحيص ما يصلح منها لأن يكون مقصوداً منها، فإن اهتمامه قد انصب أيضاً على الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية: يربط بينها وبين الأدلة، وينظر فيها إلى أي مدى كانت تلك خادمة أو خاضعة للمقاصد الشرعية. وهو في بحثه هذا يوضح الطريق إلى تطبيق نظرية المقاصد، ويذكر الأمثلة الثابتة فيما ضبطه العلماء من قبل.

  32. وقد برزت الصورة المزدوجة في كتاب المقاصد تجمع بين المسائل والأدلة والأحكام والمقاصد. ومن يَتَقَصَّ بالنظر الأقسامَ الثلاثة لمصنَّف الإمام، ويعمد بعد ذلك إلى ذكر جملة من المسائل في الأبواب أو الفصول المتفرعة عنها، يجد الإشارة إلى جملة من المسائل يذكرها مرّة أو مرات: إمّا تمثيلاً وتمثلاً للقارئ، وإمّا تفصيلاً لأحكامها إذا كانت موضع اختلاف الأنظار بين الأئمة والفقهاء السابقين، وإمّا بياناً للمقاصد الشرعية فيها.

    vol. 2, p. 271
  33. ويجمع كتاب المقاصد أكثر من ستمائة مسألة موزعة على أبواب وفصول الكتاب على النحو التالي:

    في مسلسل فصول الكتاب ... الموضوع ... عدد المسائل

    ١ ... احتياج الفقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة ... ٧

    ٢ ... طرق إثبات المقاصد الشرعية ... ١١

    ٣ ... طريقة السلف في رجوعهم إلى مقاصد الشريعة وتمحيص ما يصلح لأن يكون مقصوداً لها ... ١٠

    ٤ ... أدلة الشريعة اللفظية لا تستغني عن معرفة المقاصد الشرعية ... ١

    ٥ ... انتصاب الشارع للتشريع ... ٥٠

    ٦ ... مقاصد الشريعة مرتبتان ... ٧

    ٧ ... مقاصد التشريع العامة والصفة الضابطة للمقاصد الشرعية ... ٢٣

    ٨ ... ابتناء مقاصد الشريعة على وصف الشريعة الإسلامية الأعظم وهو الفطرة ... ٦

    ٩ ... السماحة أول أوصاف الشريعة وأكبر مقاصدها ... ٣

    ١٠ ... المقاصد العامة من التشريع ... ٤

    vol. 2, p. 272في مسلسل فصول الكتاب ... الموضوع ... عدد المسائل

    ١١ ... بيان المصلحة والمفسدة ... ٢١

    ١٢ ... طلب الشريعة للمقاصد ... ٣١

    ١٣ ... أنواع المصلحة المقصودة من التشريع ... ٦٣

    ١٤ ... عموم شريعة الإسلام ... ١٣

    ١٥ ... المساواة ... ٢٠

    ١٦ ... ليست الشريعة بنكاية ... ٥

    ١٧ ... مقصد الشريعة من التشريع تغيير وتقرير ... ٣٢

    ١٨ ... أحكام الشريعة قابلة للقياس عليها باعتبار العلل والمقاصد القريبة والعالية ... ٢

    ١٩ ... التحيّل على إظهار العمل في صورة مشروعة مع سلبه الحكمة المقصودة للشريعة ... ٢٧

    ٢٠ ... سدّ الذرائع ... ٤

    ٢١ ... نوط الشريعة بالضبط والتحديد ... ٢٧

    ٢٢ ... نفوذ الشريعة ... ١

    ٢٣ ... الرخصة ... ٥

    ٢٤ ... مراتب الوازع: جبلية ودينية وسلطانية ... ١١

    ٢٥ ... مدى حرية التصرّف عند الشريعة ... ٣٦

    ٢٦ ... مقصد الشريعة تجنبها التفريع وقت التشريع ... ٢

    ٢٧ ... واجب الاجتهاد ... ٤

    ٢٨ ... في مقاصد التشريع التي تختص بأنواع المعاملات بين الناس، والمعاملات في توجه الأحكام التشريعية إليها مرتبتان: مقاصد ووسائل ... ١٨

    ٢٩ ... مقصد الشريعة تقنين أنواع الحقوق لأنواع مستحقيها ... ٢١

    vol. 2, p. 273في مسلسل فصول الكتاب ... الموضوع ... عدد المسائل

    ٣٠ ... مقاصد أحكام العائلة: آصرة النكاح ... ١٢

    ٣١ ... آصرة النسب والقَرابة ... ١٤

    ٣٢ ... آصرة الصهر ... ١

    ٣٣ ... طرق انحلال الأواصر الثلاثة ... ١٢

    ٣٤ ... مقاصد التصرّفات المالية ... ٤

    ٣٥ ... الملك والتكسب ... ٣٦

    ٣٦ ... الصحة والفساد ... ٢

    ٣٧ ... مقاصد الشريعة في المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان ... ٣١

    ٣٨ ... مقاصد أحكام القضاء والشهادة ... ٤٥

    ... الجملة ... ٦٢٢

    انظر فهرس المسائل والفروع

    ولا يسعنا في هذا التمهيد أن نقف عند كل مسألةٍ مسألة، فنجعل من "المقاصد" كتاب مسائل أو فروع، ولكننا نقتصر على أمثلة منها كاشفين، بما نورده من إحالات، عن الإطار أو السياق الذي وردت فيه، فنلمس عن كثب الدليل الشرعي، والقصد من التشريع، والمثال أو الفرع المستخدم في ذات المقام، وفي الجوانب ذات الصلة به. فيتضح لنا بذلك أن أحكام شريعتنا في غالبها، بهذا الاعتبار، شريعة معلّلة، ذاتَ مقاصد وأهداف تتمثّل في ما تجلبه من مصالح وتدرؤه من مضارّ.

  34. ١ - ومن أجل ذلك نشير إلى أن المؤلف بدأ في الفصل الثاني، "فصل طرق إثبات المقاصد الشرعية" . بتصوير الاختلاف

    vol. 2, p. 274الحاصل بين أئمة الفقه في تحديد معنى الذي بيده عقدة النكاح، وإسناد العفو إليه في قوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} فحمله مالك على الأب في ابنته البكر والسيد في أمته؛ لأن هذين يعقد لهما بغير إذن. وذهب الشافعي إلى جعل العفو المذكور من حق الزوج لأن بيده حل النكاح بالطلاق (١) .

  35. وجاء بضروب كثيرة من المعاملات منهي عنها مثل المزابنة لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن سأله عن بيع التمر بالرطب. قال: "أينقص الرطب إذا جف؟ " . قال: نعم. قال: "لا إِذَن" . وعلّة التحريم في المزابنة: الجهل بمقدار أحد العوضين.

  36. وكذلك النهي عن بيع الجزاف بالمكيل إلا أن يأتي كل منهما على أصله كقطعة أرض جزافاً وإردبّ قمح بكذا. وعلّة منعه الجهل بأحد العوضين، كما ذهب إليه الفقهاء بطريق استنباط العلّة. ويُستخلص من صور النهي عن هذه المعاملات مقصد شرعي هو إبطال الغرر في المعاوضات.

  37. ونهيُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أن يخطب المسلم على خِطبة أخيه أو يسوم على سومه، مشهور ومعروف. أخرجه مالك في الموطأ والبخاري في صحيحه. وعلّة النهي فيه ما في هذين التصرّفين من الوحشة. وقصد الشرع من النهي دوام الأخوة بين المسلمين.

  38. وكذلك النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، طلباً لرواج الطعام في الأسواق. وبيع الطعام بالطعام نسيئة، إذا حُمل على إطلاقه عند الجمهور، وعلّته تَفادي بقاء الطعام في الذمَّة فيفوت الرواج. ومنها

    vol. 2, p. 275أيضاً الاحتكار في الطعام لحديث مسلم عن عمر مرفوعاً: من احتكر طعاماً فهو خاطئ (١) . وقول عمر - رضي الله عنه - لا حُكرة في سوقنا. لا يعمد رجال في أيديهم فضول أذهاب إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا يحتكرونه علينا. لكن أيُّما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء أو الصيف فذلك ضيف عمر، فليبع كيف شاء وليمسك كيف شاء.

  39. ٢ - وللشريعة كما عبّر عن ذلك الشيخ ابن عاشور مقصد أساسي من التشريع يتمثلّ في مقامَيْ التغيير والتقرير.

  40. [القواعد والمقاصد باعتبار ما ينبني عليها، أو ما تدعو إليه من ترتيبات وتصرفات]