الفصل الثالث: الأموال

101 paragraphs · vol. 2, p. 358

Page 1 of 3

  1. [° تعريف المال]

    vol. 2, p. 358
  2. المال: هو ما تقوم عليه المعاملات جميعها، فإليه تستند، وبه تتحقق وتُنجز.

  3. وقد جاء في تعريف المال عن اللغويين والمحدّثين والفقهاء عبارات مختلفة كثيرة تضيق وتتسع بحسب تصوّرهم له، وبحسب ما يمليه الحال في كل عصر.

    قال ابن الأثير: المال في الأصل ما يُملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان. وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل لأنها كانت أكثرَ أموالهم ذكراً.

  4. وفي اصطلاح الفقهاء من الحنفية عرّفه ابن عابدين بما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقته (١) . وشرطه أن يكون عيناً مادية لها وجود خارجي بحيث يمكن إحرازها وحيازتها وادخارها. وبهذا الوصف لا يطلق المال عندهم على المنافع خلافاً للجمهور.

  5. وهو عند الشافعي فيما نقل عنه لا يقع إلا على ما له قيمة يُباع بها وتلزم بتلفه.

  6. وذهب الشاطبي من المالكية إلى أن المال هو ما يقع عليه الملك ويستبد به المالك عن غيره، إذا أخذه من وجهه.

  7. وتوسع جمهور الفقهاء فأطلقوه على ما يشمل الحقوق المقوّمة والمنافع جميعاً. فهو يطلق على كل ما له قيمة مادية بين الناس، وجائز الانتفاع به انتفاعاً مشروعاً حال السعة والاختيار (١) . وهذا احترازاً من الخمر والنجاسات والخنزير.

    vol. 2, p. 359
  8. وعرّفه الشيخ ابن عاشور بتعريفين خاصًّ وعامًّ. ذكر الأولى في تفسيره لقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (٢) قال: هو ما بقدره يكون قدر إقامة نظامِ معاشِ أفرادِ الناس، في تناول الضروريّات والحاجيّات والتحسينيّات بحسب مبلغ حضارتهم، حاصلاً بكدْح (٣) . وذكر التعريف الثاني وهو العام الذي لا يتعلق بمداخيل الفرد فحسب، قائلاً والمال الذي يدال بين الآحاد هو على وجه الجملة حق للأمة عائد عليها بالغنى عن الغير. وبناء على هذا الاعتبار تكون للمال أنواع متعددة. فالمال الذي يقام به نظام المعاش ثلاثة أنواع على ما فصّله الإمام الأكبر (٤) .

  9. [° أنواع المال]

  10. منه ما تحصل به إقامة نظام المعاش بذاته دون توقّف على شيء آخر من غيره. وهذا كالحبوب والأطعمة والثمار. وكذلك الحيوان فيما أذن لنا بأكله، والانتفاع به: بصوفه وشعره، ولبنه وجلوده. قال تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (٥) ، وقوله: {وَالْأَنْعَامَ

    vol. 2, p. 360خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (١) ، وقوله: {يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (٢) .

  11. وهذا النوع من الرزق هو أعلى أنواع الأموال وأثبتها. ومنافعه حاصلة به من غير توقف على أحوال المتعاونين على كسبه، ولا على ما جرى به اصطلاح التنظيم له بين الناس.

  12. والنوع الثاني: ما يحصل ويكمل به نظام العيش. وهذا كالأرض للزرع وللبناء عليها، والنار للطبخ والإذابة، والماء لسقي الأشجار، وآلات الصناعات لصنع الأشياء من الخشب والصوف ونحو ذلك. وهذه الأشياء التكميلية قد تكون بأيدي أناس يضنُّون بها، وربما حالت دون نوالها موانع من حرب أو خوف أو وعورة طريق أو غير ذلك. وهي دون شك ذات أهمية بالغة. وإليها يرجع مَوْردان من الموارد المالية هما الفلاحة والصناعة.

  13. والنوع الثالث: هو ما تحصل إقامة العيش به مما اصطلح البشر على جعله عوضاً عما يراد تحصيله. وهذا كالنقد والعملة مما هو متوافر اليوم، وكالمعاوضات التي كان يحصل بها التبادل والتعاون للاكتساب والتملك قديماً، كما تَبرز صورة ذلك في أنواع التجارات والمعاوضات التي ضبطتها الشريعة الإسلامية بقوانين فقهية وأحكام استنبطها العلماء من أئمة وفقهاء في كل عصر من مصادر التشريع الإسلامي المختلفة المتنوعة وهو ما أدّى بهم إلى تفصيل القول فيها

    vol. 2, p. 361لإناطة الأحكام بها فيما اعتبره الشارع من المقاصد جالباً للمصالح ودارئاً للمفاسد.

  14. ولا بدع في ذلك فإن المال جميعه، الذي بأيدي الناس، هبة من الله لهم، تقتضي شكرَ المنعم، والامتثالَ لمنهجه وأحكامه التي وَجَّه بها عباده للقيام بواجباتهم تحصيناً ووقاية للإنسان من الأمراض الخُلقية والسلوكية المزمنة. وبقدر ما تحدّث القرآن الكريم والسُّنة النبوية الشريفة عن الأنواع المختلفة للمال تكسباً وامتلاكاً في مجالي المعاوضات والتبرعات، فإن الإسلام يصرف المسلمين عن اتخاذ المال هدفاً لذاته، ويأمرهم بالسعي إلى تحقيق المقصد الشرعي منه بما سخره الله لنا في السموات والأرض، فنفيد منه ونستخدمه استخداماً صالحاً كريماً، من أجل إشباع حاجاتنا وحاجات مجتمعاتنا، ضمن الإطار الديني العام وتعاليم الإسلام، ووفقاً للمفهوم الأساس للاقتصاد الإسلامي الرشيد.

  15. وفي الآيات الكريمة أحكام للمعاملات تنظم حياة الناس وتقيهم الظلم والعدوان في المكاسب.

  16. من ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (١) ، وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (٢) .

  17. وفي الآيتين تحذير للناس من التجرؤ على أكل المال بالباطل، أي ظلماً ومن غير وجه حق، إلا أن تكون الأموال عن تجارة. فإنه يُحصَل عليها بالتبادل بين الطرفين وعن طيب نفس، ولقصد المتصدّي

    vol. 2, p. 362للتجارة الحصولَ على مال زائد على قيمة ما بذله المشتري. فمن هذا الوجه الذي قد يكون به اشتباه خصّت التجارة في الآية بالاستدراك والاستثناء. والمقصد الشرعي من ذلك هو إباحة الجزء الزائد المتراضى عليه لاعتبار التجارة مدارَ رواج السلع الحاجية والتحسينية. ولولا تصدّي التجار وجلبهم السلع لما وجد صاحب الحاجة ما يسدّ حاجته عند الاحتياج.

  18. [° أقسام المال في الملكية]

  19. قسم علماؤنا المال إلى أقسام أربعة مختلفة:
  20. القسم الأول: تقسيم المال بالنسبة للملكية. وهو ثلاثة أنواع:

    (١) ما لا يجوز تمليكه ولا تملّكه بحال. وهذا كالطرق والجسور والحصون والسكك الحديدية ونحوها. فهذه أموال عامة ليس لأحد أن يمتلكها لتعلّق حق الناس جميعهم بها.

  21. (٢) ما لا يَقبل التمليك إلا عند وجود المسوّغ الشرعي. وهو الأعيان الموقوفة والعقار المملوك لبيت المال. والوقف لا ملك فيه لأحد عند أكثر الفقهاء، وهو عند غيرهم مملوك للواقف أو للمستحقين لريعه. وملكيتهم له ليست ملكية مطلقة. وأما المملوك لبيت المال فإنه ملك لجماعة المسلمين.

  22. (٣) ما يقبل التمليك بلا شرط دائماً وفي كل حال. وهو ما هو حق في متناول الأفراد والجماعات كلهم كالصيد (١) .

  23. القسم الثاني: كون المال من الثوابت كالعقار من أرض ومبانٍ، أو كونه من المنقول. وهو على نوعين: إما سلعة كالنبات والجماد والحيوان، وإما ثمن.

  24. والقسم الثالث: يشمل الأموال الخاصة مضافة إلى أصحابها، وكذلك الأموال العامة، وما يتجمع في بيت المال من مختلف الموارد فهي أموال المسلمين. وكان هذا النوع في صدر الإسلام يتمثل في أموال الزكاة التي كانت تعم أذواد الإبل المعدّة لحمل المجاهدين، واللامة المرصودة للبس المجاهدين، وكذلك الأدرع والأعتدة تحبس في سبيل الله، وما جعل لمنفعة المسلمين كبئر رومة (١) .

    vol. 2, p. 363
  25. والقسم الرابع للمال: هو ما اختلف بين نقدي وعيني.

  26. ويحتاج الناس في معاملاتهم إلى التفريق بين الثمن والقيمة.

  27. أما الثمن فهو إما أن يكون ثمناً بالخلقة كالذهب والفضة، وإما أن يكون ثمناً بالاصطلاح كسائر النقود من غير النقدين، سواء أكانت ورقية أم من المعادن.

  28. وأما القيمة فهي ما يقوّم به المقوّمون الشيء استناداً إلى ما بذل في تحصيله من جهد ومال مع إضافة ربح معقول تعارف الناس عليه.

  29. وقد اتسمت السياسة المالية في الإسلام بالوسطية لأهمية المال عند الشارع وعند الناس. ووَرَدَ في المصدرين: الكتاب والسُّنة منهج شرعي إلهي يحدد ما أمر به سبحانه من سياسة مالية ينجو بها المرء من غوائل الدهر، ويحصل بها التكافل والتراحم بين أفراد الناس كافة. فالرزق جميعه بيد الله، أنعم به على عباده. وقضى لكل واحد منهم بما قسم له مما يليق به، بحسب ما جبلت عليه نفسه، وما يحفُّ به من أحوال النظم المحيطة به في هذا العالم {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ

    vol. 2, p. 364قَدَرًا مَقْدُورًا} (١) ، و {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} (٢) .

  30. ويحملنا هذا على التطلع إلى معرفة المقاصد الشرعية الحاكمة للمعاملات وللتصرّفات المالية بين الناس. فنتبين أسرار التشريع فيما يعود إلى مقاصد البشر النافعة، وما تتحقق به الموازنة بين جميع طبقات المجتمع الإنساني.

  31. فإن من السياسة الدينية ما يقوم على توجيه العباد في تصرّفاتهم المالية، وإن كانوا أحراراً في الأساس في مباشرة ما عهد به إليهم من رزق حُرِمَ منه غيرهم.

  32. ومنها بيان حقيقة الإنفاق لذلك المال في السبل المشروعة.

  33. وكذلك وجوب الاستجابة للأوامر والنواهي الشرعية التي تقتضي مراعاة أحكام الله التي لا يجوز إغفالها ولا تجاوزها نفياً للظلم، وحماية للحقوق، وإقامة للعدل.

  34. ولكون المال وهو الذهب والفضة والحلي والنقود مما تُقتنى به أعواض الأشياء المحتاج إليها، وكذلك الجنات والحوائط وحقول الزرع مما أنعم الله به على عباده، وائتمنهم عليه وامتحنهم فيه، اعتُبر ذلك كله من متاع الحياة الدنيا، تحرِص النفوس على الحصول عليه، والتنافس فيه، والتواثب عليه. وتغلب عليهم شقوتُهم بقدر تعلق نفوسهم به وإفراطها في طلبه، استجابة لشهوتها النزاعة إليه، غير ناظرة إلا إلى جانبه المغري، ساهية عما يخفيه وينطوي عليه من مذام.

  35. ففي الذكر الحكيم جاء تصوير الأموال بالفتنة إذا كانت مقصودة من الناس لذاتها، لا لأداء ما يتعلق بها من واجبات أو صرفها في وجوه البر كما أمر الله المنعمُ بها. قال - عز وجل -: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (١) .

    vol. 2, p. 365
  36. وإلى جانب هذه الحقيقة الثابتة التي تعتبر في الخَلق فطرةً وجبلةً وُجودُ ما يساعد النفوس على الاستقامة والرشد فيما يصدر عنها من تصرّفات يمليها الشارع وتقتضيها طبيعة أحكامه. وهذه هي القاعدة الأولى قاعدة حُسن التصرّف. وإنك لتجدها مع قواعد أخرى في أبواب المعاملات، تأسست على توجيهات وتعاليم دينية، وعلى تشاريع وأحكام شرعية، إذا خرج عنها العبد ولم ينقد إليها، سُمجت نفسه، وطاش عقله، وقويت شهوته، واقتعد الهوى غاربَه. فإذا صدر عنه بعد ذلك أي عملٍ، كان حجة عليه شاهداً بتجاوزاته، وتعريةً لأمراضه النفسية، وحجاباً بينه وبين المصلحة الكلية التي أوجب الباري مراعاتَها والسيرَ على وفقها إصلاحاً للبشر ودعماً للأمة وإقامة للعمران.

  37. والقاعدة الثانية هي الوسطية في البذل والعطاء. وهي الواقعة بين الحدَّين الذميمين: الإفراط والتفريط. فالله، جلّت حكمته، أمرنا بالتزامها في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} (٢) ، وفي قوله: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} (٣) ، وفي قوله: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} (٤) . وقال أحدهم في تحديد السرف: لا

    vol. 2, p. 366خير في السرف، فأجيب بأنه لا سرف في الخير. ولهذه النظرة مؤدّاها، والمقصد منها.

  38. وفي هذا التوجيه والتشريع الإلهيين: التنبيهُ أولاً على أنه سبحانه جعل المال عوضاً لاقتناء ما يحتاج إليه المرء في حياته من ضروريات وحاجيات وتحسينيات كما قدمنا، وأنه قدّر ثانياً أن يكون المال مرصوداً لإقامة مصالح الأمة.

  39. وربما دلت الثروة على معنى المال وأطلقت بإزائه. فقد قرن بينهما الشيخ ابن عاشور حين أراد استجلاء المقصد الشرعي منهما وذلك في قوله: مال الأمة ثروتها (١) .

  40. وأمعن المعاصرون في تحديد الثروة، وجعلوها قسمين باعتبارٍ أوسع وأدق. فقالوا: هي من جهة تشارُك في الأعمال الإنتاجية في شكل نقدي، ومن جهة ثانية ما يتحول إلى معدات إنتاجية تتخذ أشكالاً مختلفة عدداً، وآلات ومولدات طاقة ومبانيَ وأثاث، يترتّب على إنتاجها التضحية بإنتاج مختلف السلع والخدمات الاستهلاكية. وهي العنصر الإنتاجي الذي نسميه رأس المال في حين أن الشكل النقدي الأول ليس إلا تعبيراً نقدياً عن عنصر التنظيم الذي يواجه المخاطرة وعدم التأكد (٢) .