الفصل الرابع: مقاصد التصرفات المالية ونظر الشريعة في أهمية الأموال

157 paragraphs · vol. 2, p. 380

Page 1 of 4

  1. في تمهيد كتاب مقاصد الشريعة إشارة واضحة من صاحبه إلى كون القصد من مصنّفه هذا هو بحث مقاصد الشريعة في قوانين المعاملات، وفي الآداب التي يتميّز بها الإسلام باعتبارها قواعد التشريع الإسلامي وأساسَ قوانينه وسياساته الاجتماعية (١) . وإذا كان المتقدمون من الفقهاء قد صرفوا جهودهم لكشف أسرار التشريع في العبادات خاصّة، فإن أهميّة هذا الموضوع والحاجة إليه، حملت الشيخ ابن عاشور على الاستدراك عليهم، وعلى الالتفات إلى مثل ما أبدوه من مقاصد وخصائص في العبادات، بمحاولة الوقوف على مثل ذلك في المعاملات.

    vol. 2, p. 380
  2. [من مقاصد المعاملات المالية]

    vol. 2, p. 381
  3. وعند بحث مقاصد التصرّفات الماليّة وما بعده، ذكر الإمام ثالثة أركان الإسلام "زكاة الأموال" ، منوّهاً بها، ومعتبراً بقاءها شعاراً للمسلمين، وانتفاءها علامة للمشركين. وفي هذا تنبيه على ما للمال من قدرة على القيام بمصالح الأمة اكتساباً وإنفاقاً. وأشار إثر ذلك إلى أهمية المال البالغة، كما تدلّ على ذلك الآيات الكثيرة الكريمة. فقد ورد ذكر المال في معرض المواساة به، ثناء وتحريضاً، وأكّد المؤلّف على ما يكون به من قضاء على نوائب الأمة، مشيراً إلى تنويه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بدور المال في قوله: "ذهب أهل الدثور بالأجور" ، و "اللهم أعطِ منفقاً خلَفاً وممسكاً تلَفاً" . وبعد ذكر الأدلة من المصدرين على أهميته وازن بين وجوه إنفاقه، وأشار إلى ما طُبعت عليه النفوس من حب له، واعتبارها إياه فتنة. فذكر إجماع الصحابة على طلبه والسعي إليه خلافاً لموقف أبي ذر منه. وعدّ العلماء المال من الكليات الخمس. وجعل الفقهاء نظام نمائه وطرق دورانه معظم مسائل الحاجيات، كالبيع والإجارة والسَّلَم. واعتبرت الشريعة حفظ مال الأمة، وتوفيره لها، مقصداً من أهم مقاصدها. وهو حق الحاصلين عليه، وثروةٌ للأمة ينتفع به الناس آحاداً وجماعات في جلب نفع، أو دفع ضُرّ، في مختلف الأحوال والأزمان والدواعي، انتفاعَ مباشرة أو وساطة. وذكر بعد هذا الأوصاف الخاصة المقوّمة له (١) .

  4. وفصّل الإمام القول في التملّك والتكسّب. جاعلاً التملّك من أصول الحضارة البشرية، وأنه الأصل الأصيل للإثراء البشري وللاختصاص. وهو عبارة عن اقتناء الأشياء التي يستحصل منها ما تُسَدُّ به الحاجة بغلاته أو بأعواضه.

    vol. 2, p. 382
  5. وتتفرّع عنه من الحقوق ما ترجمت عنه كثير من المعاملات كإحياء الموات والمغارسة. وقيدت الشريعة تصرّف الناس فيه للأحرار الرشداء. ولا يتوقّف هذا الحق إلا بسبب صبا أو سفه أو إفلاس ونحوه.

  6. والتكسب وهو الوجه الثاني للتصرّفات المالية عبارة عن معالجة إيجاد ما يسدّ الحاجة إما بعمل البدن أو بالمراضاة مع الغير. وأصول التكسب ثلاثة: الأرض، والعمل، ورأس المال. وذكر علماء الاقتصاد أن التملك والتكسب سببٌ للقيام بالعديد من الوظائف الاجتماعية، وجعلت الشريعة ما يتفرع عنهما من أحكام مبنياً على الشروط والالتزامات. ومن أمثلة ذلك حديث العداء بن خالد أنه اشترى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبداً أو أمة فأمره أن يكتب له بذلك: هذا ما اشتراه العداء بن خالد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. اشترى منه عبداً أو أمة بيع المسلم للمسلم لا داء ولا خبئة ولا غائلة (١) .

  7. ومما تقتضيه مقاصد التملك إعطاء المالك حقَّ التصرّف في ماله، وتحرم مُضارَّة المسلم غيره في ملكه، وعدم التعامل بالربا لما فيه من إضرار بالعامة والخاصة. وكل ما دخل في ملك الإنسان عن طريق غير شرعي مهدر، وهو ظلم ينبغي أن يُرفع. ولا يجبر الإضرار بحقوق الناس، ولا يحافظ على أموالهم وعلى الإنتاج، غير محاسبة الناس وإقامة العدل بينهم. فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من استعملناه منكم على عمل فَكَتَمَنا مخيطاً فما فوقه فهو غالٌّ يأتي بما غلّ يوم

    vol. 2, p. 383القيامة .. ألَا من استعملناه على عمل فليجئ بقليله وكثيره. فما أعطي منه أخذ وما نهي عنه انتهى ".

  8. أ - مصارف المال: البرّ، والصدقات، والزكاة:
  9. رغَّبت الشريعة في وجوه البرّ والصدقات، وفَرضت الزكاة على مَن ملك نصاباً. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تذكّر أهل الوفرة والثروة بأن ما أتيح لهم من وفرٍ آت من أبواب اتسعت لبعض فضاقت على آخرين. ومن ثَم وجب أن يكون ذلك الوفر محفوظاً لإقامة أود المعوزين، وأهل الحاجة الذين يتزايد عددهم بقدر وفرة الأموال. وخير البذل ما يكون في اكتساب الزلفى من الله. "السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد عن النار؛ والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار. وَلَجاهلٌ سخيّ أحبّ إلى الله من عابد بخيل" (١) .

  10. ومن أجل هذا قال أحدهم وهو يدعو: اللهم هب لنا حمداً وهب لنا مجداً. فإنه لا حمد إلا بفعال ولا فعال إلا بمال. ولكون أموال الأفراد من أموال الأمة، فإن لذوي القربى والمساكين وأبناء السبيل حقاً في تلك الأموال.

  11. وقد أوضح الإمام الأكبر أن القصد الشرعي من عدم التبذير ومن عدم الإمساك والبخل أن تكون للأمة أموال هي عدّةٌ لها، وقوةٌ لابتناء أساس مجدها والحفاظ على مكانتها، حتى تكون مرهوبة الجانب، مرموقة بعين الاعتبار، غير محتاجة إلى من قد يستغل حاجتها، فيبتز منافعها، ويدخلها تحت نير سلطانه (١) .

    vol. 2, p. 384
  12. [الزكاة]

  13. من الواجب والفضل إنفاق المال في البر. وأول البر الزكاة.

  14. والزكاة لغة: النماء والريع والزيادة. قال علي بن أبي طالب: المال يزكو بالإنفاق. وترد بمعنى الصلاح كما جاء في قوله تعالى: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً} (٢) ، وقوله سبحانه: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (٣) بمعنى صلح ويصلح. وأطلقت أيضاً على ما يُخرج من حق الله في المال لكونها تطهيراً للمال مما اختلط به من حق الغير. وفي الحديث: زكاة الفطر طُهرة للصائم (٤) . كما وردت بمعنى التثمير والإصلاح والنماء بالإخلاف من الله تعالى. قال النسفي: سميت الزكاة زكاةً لأنه يزكو بها المال بالبركة ويطهّر بها المرء بالمغفرة (٥) . ولعل هذا مأخوذ من قوله سبحانه: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (٦) .

  15. وفي الاصطلاح عرفها الماوردي بقوله: الزكاة عبارة عن أداء حق مخصوص من مال مخصوص، على أوصاف مخصوصة لطائفة مخصوصة. وهي فريضة من فرائض الإسلام وركن من أركانه. قَرَنَها الله بالصلاة في غير ما آية. فهي عبادة لله، وحق معلوم للمحاويج الذين ذكرهم سبحانه في كتابه. وهي محددة المقدار والوعاء والتوقيت والشروط.

    vol. 2, p. 385
  16. وقد حذر الله من الإمساك عن أداء هذا الحق وأنزل في ذلك وعيده بقوله: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} (١) .

  17. وفي بيان مصارف هذه الصدقة وتعيين مستحقيها يقول - عز وجل -: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (٢) . وكلمة "فريضة" هنا مصدر يفيد معنى فَرَضَ الله وأَوجب.

  18. وتأتي بعد هذه البشرى للمنفقين المتصدّقين المزكّين الذين استجابوا لربهم: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (٣) .

  19. ومن الدلائل على تنويه الشرع بالزكاة ورود ذكرها في القرآن الكريم فى نحو اثنتين وثمانين آية. وفي السُّنة في صحيح البخاري وحده سبعةٌ وثمانون باباً حوت نحو سبعة عشر ومائتي حديث.

  20. وفي سورة التوبة يقول جل وعلا: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (١) وفي هذا بيان من الله للناس لما وعدهم به عند أمرهم بالزكاة من تنقية لقلوب المتصدّقين من الآثام، ومغفرة لهم، وشرح لصدورهم، وتنمية للخير بينهم، معقباً ذلك كله بأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالدعاء لهم بتسكين نفوسهم وملئِها طمأنينة وأمناً، واعداً بفيض من بركات الله ورحماته عليهم.

    vol. 2, p. 386
  21. ولعلّ مما يوقع الناس في الضلال والغفلة موازنتُهم السطحية بين سلبية الزكاة المتمثلة فيما ينقص من أموالهم أو يقتطع منها بسببها، وبين إيجابيتها المتمثلة في الزكاء والنماء والطُّهرة والإخلاف والمثوبة من الله لمن بذلها وأدّاها، عن رضا وطواعية.

  22. وقد أبدع في تصوير التعامل مع المال على وجه العموم الإمام الزَّبيدي في حديثه عن الساهين عن الحق الغافلين عن الواجب بقوله: "اعلم أن الله تعالى أوجد أعراض الدنيا بُلغة فاتخذها الناس عُقدة، وصيّر الدنيا مرتحلاً وممراً فصيروها موطناً ومقراً. ومِن وجهِ مِنحة مُنحت للإنسان لينتفع بها مدة ويذرَها لينتفع بها غيرُه من بعده، ومن وجه وديعة في يده رخّص له استعمالُها والانتفاع بها بعد ألا يسرف فيها، لكن الإنسان لجهله ونسيانه لَمَّا عُهد إليه اغترّ بها وظنّ أنها جعلت له هبة مؤبّدة. فركن إليها واعتمد عليها، ولم يؤدِّ أمانةَ الله فيها، ولَمَّا طولب بردّها تضرّر منه وضجر. فلم ينزع عنها إلا بنزع روحه أو كسر يده. وبعضهم - وهُم الأقلون - حفظوا ما عُهد إليهم بها. فتناولوها تناول العارية والمنحة والوديعة فأدّوا فيها الأمانة،

    vol. 2, p. 387وعلموا أنها مسترجعة. فلما استردت منهم لم يغضبوا ولم يجزعوا، وردُّوها شاكرين لما نالوه، ومشكورين لأداء الأمانة فيها" (١) .

  23. هذا وإن الإسلام، الذي هو خاتمُ الشرائع وأكملُها، جاء مسوّياً بين أتباعه. فكلما وجدت ثغرة في بناء المجتمع الإسلامي أو تطرّق إليه خلل ما، وجدنا في هذه الشريعة ما يسدّ الثغرة ويصلح أمر المجتمع.

  24. وفيما نشاهد ونرى في مجتمعاتنا من ضرورات عامة وخاصة ما يقتضي تشريع هذه الزكاة وتوفير الصدقات لعلاج أوضاعها. فالضرورة الحتمية الأولى والمزدوجة هي القضاء على البؤس والفقر، وتحرير الإنسان من عبودية المال بسب ما يعترض سبيله من حاجات لا يقوى على دفعها ولا على التخفيف من حدّتها. وقد شرع الله - عز وجل - الزكاة لنا. فهي أعظم مؤسسة للتضامن الاجتماعي، وإن في تأدية الزكوات على وجهها إصلاحاً للأوضاع والأخلال في المجتمع، من بطالة وبؤس وفقر ونوائب وكوارث وديون. كما تتمثل أبعاد مشروعيتها في ضمان حاجات الأفراد وضمان استقرار الحياة الإنسانية بينهم.

  25. وإن الشريعة مع ذلك حين تضيّق على الفرد مداخله، وتقتطع من جهده وكسبه، لِتَجتزئ منه شيئاً لصالح إخوانه ينشأ عنه توسيع قاعدة التوزيع، وتحول دون بقاء المال محصوراً في جهة واحدة، وتأمر بأن تتداوله الأيدي فتقوى بذلك الأمة، وتحافظ على كيانها من عوادي الدهر. وما من شك في أن مقادير الزكاة في كل أوعية الصدقات تزيد بزيادة الكسب. وفي هذا دفع للنمو الاقتصادي وزيادةٌ

    vol. 2, p. 388في الإنتاج مع ما فيه من التزام بالعبادة القائمة على السعي والإنفاق معاً، وتحقيقُ للعدل الاجتماعي بالإغناء والإثراء للفقراء، وتطورٌ حميد سليم يخرج الناس من الفاقة والحاجة إلى اليسار، ومن أخذ الصدقات إلى القيام بها وبذلها لإخوانهم.

  26. ومن الدلائل على حرص الشارع على حماية الأموال من التلف أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولي اليتيم بالاتجار في مال اليتيم حتى لا تأكله الصدقة.

  27. وهذه كلمات بليغة ووصايا مفيدة نتلمَّسُها عند الأئمة في صدر الإسلام، ولدى الفقهاء والمجتهدين. فإن أبا بكر الصديق حين ثارت، في حرب الرِدّة، طوائف من المتردّدين ضعيفي الإيمان، تدعو لتعطيل الزكاة وعدم جبايتها بعد انتقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى، صدع بقوله - رضي الله عنه -: "والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة" . ثم وافقه ابن الخطاب معلناً معاضدته له بقوله: "فوالله ما هي إلا أن رأيتُ الله شرح صدر أبي بكر للقتال" (١) . وقال أيضاً: "إني حريص على ألا أدع حاجة إلا سددتها" ، وقال موجهاً للمتصدّقين: "إذا أعطيتم فأغنوا" .

  28. ب - التملُّك والتكسُّب:
  29. تقدم التعريف بالتملك والتكسب. فهما عند علماء الاقتصاد الوضعي سبب القيام بالعديد من الوظائف الاجتماعية. وهما في الإسلام يتجاوزان هذا الاعتبار، لكونهما في الأصل صورةً من صور العبادة يلازمها صاحب المال وتلازمه، وتجعله في كل أمره في خشية

    vol. 2, p. 389من ربه ومراقبة له، فهو يؤدّي لذلك واجباته التي ناطها الله بمالِه على وجه عبادة.

  30. والمقصد من الاكتساب كالمقصد من التملك. فالأحكام مبنية فيهما على الوفاء بالشروط والالتزامات. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} (١) . وفي الحديث: "المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً" (٢) .

  31. وقامت سياسة الإسلام المالية في كل المعاملات على اكتساب المال من وجوهه الطيبة المعروفة، وبيّنت ما في وجوه صرفه من المصالح والمفاسد، مؤكّدة لأصحابه ما يحصل لهم بسببه من الفضائل والدرجات إن هم أنفقوا أموالهم في مصارفها النافعة.

  32. ولا شك أن المقاصد الشرعية محكّمة فيما قدّمناه من معاملات وتصرّفات مالية.

  33. [١ - الأسباب المشروعة وغير المشروعة للتملك]

  34. عدّ الفقهاء من أسباب التملّك في الشرع ثلاثة:
  35. (١) الاختصاص بشيء لا حقّ لأحد فيه كإحياء الموات.

  36. (٢) العمل في الشيء مع مالكه كما في المغارسة.

  37. (٣) التبادل بالعوض في البيع وغيره من عقود المعاوضات، أو الانتقال من المالك إلى غيره عن طريق التبرع أو الميراث أو الوصية.

  38. ومن الأسباب غير المشروعة في التملّك:

    vol. 2, p. 390(١) الربا بصوره المختلفة.

  39. (٢) ربح ما لا يضمن لقوله - عز وجل -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} (١) . ولأن القاعدة الفقهية العامة تأباه. وهي: "لا خراج إلا بضمان" (٢) .

  40. (٣) ما اعتُمد فيه على الحظ والمصادفة في الكسب. وذلك كالقمار والميسر. وقد جاء النهي عنهما بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (٣) .