الفصل الثالث: الأموال

101 paragraphs · vol. 2, p. 358

Page 2 of 3

  1. ويقتضي هذا النظر حماية مكاسب الناس أولاً بعدم انتزاع الملك من صاحبه بدون رضاه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس لعرق ظالم حق" (٣) .

    vol. 2, p. 366
  2. فإذا تعلق حق الغير بما ملكه المالك كان للحاكم أن يتدخل بالبيع، أو بالقضاء بالاستحقاق، وبإنزال العقاب بكل من أكل سحتاً أو تصرّف في أموال الناس بغير حق.

    vol. 2, p. 367
  3. وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحاسب عماله وولاته. ووعظ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته مقارناً بين ألوان السلوك القويم والجائر، موصياً بالعدل والتعفف عن المحاباة والجور في الأحكام، قائلاً: "إنما أهلك الذين من قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد" (١) .

  4. [° الفوارق بين الأموال العينية والنقدية]

  5. ومن الفوارق بين الأموال العينية والأموال النقدية أن الأولى يلحقها العرض والطلب، بخلاف الثانية وهي النقود فإنها لا تعرض إلا نادراً.

  6. ومما يفرّق به بين الأعيان والنقود ما رواه البراء بن عازب وزيد بن أرقم من سؤال تاجرين النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصرف فقال: "إن كان يداً بيد فلا بأس، وإن كان نَساء فلا يصلح" .

  7. وحديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ابتياع التمر الجنيب بالجمع (٢) .

  8. ومما ورد من نهيه - صلى الله عليه وسلم - أن تكسر سكة المسلمين إلا من بأس (٣) .

  9. ونهيه - صلى الله عليه وسلم - عن استعمال الرجال للذهب والفضة لحكمة هي عدم تعطيل رواج النقدين بكثرةِ الاقتناء المفضي إلى قلّتهما (١) .

    vol. 2, p. 368
  10. وفي المقايضة تختلف أموال المعاوضات فيها بناء على تقابل إرادة العرض والطلب في زمن معين وبطريق محدد.

  11. ومن ثم تظهر صعوبة التعامل بها كما أشار إلى ذلك الشيخ ابن عاشور لأسباب كثيرة، منها:

    ° توافق رغبات المتبادلين.

  12. ° وتحديد نسبة التبادل.

  13. ° وعدم إمكانية تجزئة السلع والخدمات.

  14. [المقايضة]

  15. كان التعامل بين الناس في القديم قائماً على المقايضة. وهي تبادل سلعة بسلعة، أو خدمة بخدمة، أو سلعة بخدمة. وقلما وجد التعاوض بالنقود، إلا أن تُعتَبَرَ هي نفسها سلعة. وكانت أنواع المتموّلات في أموال المعاوضات من حبوب وفواكه وألبان ولحوم وسمك وعسل وأنعام ونحو ذلك. ولم تكن الغاية من الإنتاج في العصور الأولى الإثراء وجمع الثروات بل هي على العكس من ذلك تكاد تنحصر في إشباع الحاجات وتحقيق الاكتفاء الذاتي. وبناء على هذا لم تكن أموال المعاوضات تحتاج إلى وسيط نقدي وفقاً لظروف كل حالة من أحوال التبادل. ومتموّلات المعاوضات مختلفة متباينة، بحسب أنواعها في التمييز بين مبيع وثمن.

  16. فالأعيان القيمية هي غير التي من ذوات الأمثال وتُعتبر عند مقابلتها بالمثليات المعينة كالمبيع ومثال القيمية والمثلي هو الثمن مطلقاً وهو الثياب والدور والعقارات، والعدديات المتفاوتة كالغنم والبطيخ إذا بيع بالعدد لا بالوزن.

    vol. 2, p. 369
  17. وإذا قوبلت الأعيان القيمية بالأموال غير المعينة، أي الملتزم بها في الذمة، فالعبرة في الثمنية بمقارنة حرف الباء مثل بعتك قنطاراً من السكر بهذا المشاع.

  18. والمثليات هي أنواع من المكيلات والموزونات والذرعيات والعدديات متقاربة، إذا قوبلت أفرادها بالنقود فهي المبيعة، وإذا قوبلت بأمثالها كبيع قمح بزيت: فما كان منها معيناً يكون مبيعاً، وكل ما كان منها موصوفاً في الذمة يكون ثمناً. وإذا بيعت القيميات ببعضها يكون كل من العوضين مبيعاً من وجه، وثمناً من وجه آخر.

  19. وهذه الأنواع من التصرّف، ما عدا ما كان أحد عوضيه نقداً، كانت أكثر دوراناً بين الناس، جاريةً بها معاملاتهم. وقد عرفت هذه الظاهرة، كما قدمنا في الأزمان الخالية وبخاصة في المناطق التي غلبت عليها البداوة والبساطة. ولما تطورت المجتمعات في أكثر البلاد وامتدت الحضارة إليها أصبح طلب الناس في تصرّفاتهم المالية منصباً في الغالب على أهم أنواع المتموّلات وهي النقود.

  20. [النقود]

  21. اصطلح الناس في نظام حضارتهم المالية على اعتبار النقدين أعواضاً للتعامل. وهي في واقع الأمر نوع من المتموّلات استبدلت بالتعامل بالأعيان.

  22. ونظرة في المعاوضات بالأعيان تحملنا على ترتيبها باعتماد الناس عليها في معاملاتهم:

    فالحبوب من القمح والشعير ونحوهما أيسر رواجاً من التمر والزبيب والتين المجفف. وهي أخف نقلاً، وأطول ادخاراً، وأكثر مرغوبية، وأيسر تجزئة.

    vol. 2, p. 370
  23. والفواكه دون ذلك في جميع هذه الصفات.

  24. والألبان واللحوم ضعيفة في جميعها.

  25. والسمن والعسل مستويان في صفة الادخار والنقل، ومختلفان في وفرة المرغوبية.

  26. والأنعام أقوى في وفرة المرغوبية وخفة النقل، وأعسر ادخاراً وتجزئة.

  27. والرباع والعقار دون غيرها في معظم الصفات عدا صفة المرغوبية فالناس في اقتنائها أرغب، وعدا صفة الادخار لأن الخطر عنها أبعد.

  28. ومما تقدم يظهر أن النقود من الذهب والفضة عوضان صالحان بغالب أحوال البشر، وخاصة في حالات الأمن واليسر والخصب. وبهما يكون التعامل أيسر من التعامل بالأعيان من سائر الجهات. وبخاصة من جهة سهولة تجزئة القيمة وسهولة التعاوض في الأمور الثقيلة في التسليم كالمقادير الكثيرة، وفيما يعسر فيه تعاوض الأعيان. وأضاف الشيخ هنا ملاحظة دقيقة هي أن النقدين عند حالة الاضطرار في مثل حالات الحصار والجدب والمجاعة لا تغني عن أصحابها شيئاً. وتبدو المزية الواضحة في التعامل بالنقدين في حالات أخرى منها:

    vol. 2, p. 371° أولاً: إمكان تمييز البائع من المشتري. فباذل المال مشترٍ، وباذل العوض بائع.

  29. ° ثانياً: أن النقدين يُطلبان ولا يُعرضان بخلاف بقية المتموّلات فإنّها يلحقها العرض والطلب. ولا يلحق العرض بالنقدين إلا نادراً.

  30. ° ثالثاً: وضع صاحب النقد مقداراً من ماله لمن يرغب في المعاملة به معه مثل وضع رأس مال السَّلَم، ورأس مالِ القراضِ، وترويج أوراق البنوك.

  31. وتختلف النقود بعامة بين ذهب وفضة وفلوس معدنية مسكوكة رائجة، وأوراق نقدية كالتي يُتعامل بها في العصر الحاضر. والنقود أسهل رواجاً وأخف وزناً في النقل، وأطول مدة في الادخار، والرغبة فيها أشد لدى المتعاملين، لقابليتها للتجزئة إلى أجزاء قليلة. وصارت النقود اعتباراً لذلك كله أهمَّ ما اصطلح عليه البشر في حضارتهم المالية، ووضعوا النقدين أعواضاً بدل التعامل الطبيعي الذي كان تقايضاً بين الناس.

  32. [من النقود السلعية إلى النقود المعدنية]

  33. ولما تطورت المعاملات انتقل التجار في الأسواق والمزارعون والفلاحون وأرباب الصنائع وغيرهم من اعتماد النقود السلعية في مبادلاتهم إلى النقدين: الذهب والفضة، طلبا لتيسير المعاملات، وتخلصاً من الصعوبات، ولكونها أثبتَ قيمة من غيرها من السلع.

  34. وقد عرف العرب الجاهليون والمسلمون من بعدهم هذين المعدنين النفيسين. وورد ذكرهما في القرآن والسُّنة. ونحن نذكر عن طريق التنزيل الحكيم تبايع أهل الكهف بالورِق. وهو السكة من

    vol. 2, p. 372الفضة، كما نعلم أن النقد بدأ ينتشر في بلاد العرب وما حولها وتَعامل الناس به، وسمّوا العينين الذهب والفضة نقدين. واعتبر الفقهاء هذين المعدنين أثماناً بأصل الخلقة. وإثر ذلك ولمواجهة البيوعات والمبادلات البسيطة أو المهينة أحدثوا أثماناً دون الدينار والدرهم. فضربوا القيراط والدانق وهي الفلوس، وجعلوا قيمة الدانق سدس الدرهم، والقيراط نصف الدانق. فإذا كانت هذه الفلوس نافقة وأقبل عليها الناس فهي الرائجة، وإلا فهي فلوس كاسدة (١) .

  35. [رأي الغزالي والمقريزي في النقدين]

  36. نوّه الغزالي شديد التنويه بثمنيّة النقدين في قوله: إن الله تعالى خلق الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأموال بهما ... وخلقهما لحكمة أخرى هي التوسل بهما إلى سائر الأشياء لأنهما عزيزان في أنفسهما، ولا غرض في أعيانهما، ونسبتهما إلى سائر الأموال واحدة. فَمَن ملَكَهما فكأنه ملك كل شيء.

  37. ومن يتدبر هذه الجمل على اقتضابها يتبين سبق هذا العقل الجبار النافذ إلى إدراك حقائق هذه المعادن وخصائصها، والتعرف على ما لم يسبقه إليه أحد في ذلك. فهو يعلن من خلال هذا النص عن رغبات المتبادلين في التبادل، وعن كون الدنانير والدراهم خُلِقا ليكون تقديرُ الأموال عن طريقهما، وأنه من المتعيّن تثبيت قيمة النقدين فلا يكونان سلعاً. ومضى في تحليله مضيفاً أن كل من أجرى معاملة الربا على الدراهم والدنانير فقد كفر بنعمة الله وظلم؛ لأنهما

    vol. 2, p. 373خلقا لغيرهما لا لنفسيهما، وذلك قوله: "إذ لا غرض في عينيهما" .

  38. ولفتة أخرى إلى حجة الإسلام ترينا كيف توصل إلى تفسير صعوبات المقايضة، فهو يقول في معرض حديثه: إن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه وملبسه وسائر حاجاته. وقد يعجز عما يحتاج إليه ويملك ما يستغني عنه.

  39. ويحدد بعد هذا نِسب التبادل، ويطرح صعوبة تجزئة السلع والخدمات على أساس أن السِلع تختلف من حيث حجمُها وطبيعتُها. فبعض السلع لا تقبل التجزئة لكبر حجمها، وهو ما يشكل عقبة في سبيل إتمام التبادل.

  40. وتناول المقريزي نفس القضية في كتابه إغاثة الأمة بكشف الغمة قائلاً: "إن النقد [يريد المعدنين الذهب والفضة] أمر أساسي في حياة المجتمعات، يتخذ أساساً لتعيين ثمن المبيعات وقيم الأعمال. وقد لازم الناس من قديم الزمان في سائر البلدان، ولا يُعلم خبر صحيح ولا سقيم، عن أمة من الأمم ولا طائفة من طوائف البشر، أنهم اتخذوا في قديم الزمان ولا حديثه نقداً غيرهما" (١) .