الفصل الثالث: الأموال

101 paragraphs · vol. 2, p. 358

Page 3 of 3

  1. ولِما انتاب المجتمعات من نوائب، وحدث بها من تضخم في الأسعار، انتُقل في التعامل من اعتماد المقايضة إلى استعمال النقود.

    vol. 2, p. 373
  2. وتعرض عدد آخر من علماء ومفكري العرب والمسلمين لقضية النقود من جوانب مختلفة، نذكر منها مقالة عبد الرحمن بن خلدون: "الكسب هو قيمة الأعمال البشرية. وأن الله تعالى خلق الحجرين المعدنيين من الذهب والفضة قيمةً لكل متموّل، وإن اقتني

    vol. 2, p. 374غيرهما في بعض الأحيان، فهما الذخيرة والقِنية وأصل المكاسب " (١) .

  3. وأودع صاحب المقدمة في هذا الفصل حقائق كثيرة تُصوّر مدى علاقة النقود بالقدرة الإنتاجية للدولة، والعلاقة بين الرخاء وسرعة تداول النقود. وأبرز لنا خاصية النقود بقوله: "وإن اقتنى سواهما في بعض الأحيان فإنما هو لقصد تحصيلهما بما يقع في غيرهما من حوالة الأسواق التي هما عنها بمعزل ". وبهذا يقرّر خاصيات الثبات النقدي للنقدين: الذهب والفضة، ويشير إليه بقوله: " إن للذهب والفضة وظيفتين هامتين، فهما الذخيرة والقنية لأهل العالم في الغالب، كما أنهما القيمة لكل متموّل "، وبنى على ذلك " أن الناس اتخذوهما أداة للمبادلة والادِّخار ".

  4. وحدد ابن خلدون العلاقة بين النقود وبين القدرة الإنتاجية للدولة، وصرح في غير تردد: "أن الأموال من الذهب والفضة والجواهر والأمتعة إنما هي معادن ومكاسب كالحديد والنحاس والرصاص، وسائر العقارات والمعادن. والعمران يظهرها بالأعمال الإنسانية ويزيد فيها أو ينقصها. وما يوجد منها بأيدي الناس فهو متناقل متوارث. وربما انتقل من قطر إلى قطر أو من دولة إلى دولة أخرى بحسب أغراضه والعمران الذي يستدعي له ".

  5. وهو لا يلبث أن يحدثنا عن أن أكثرية الاقتصاد يقوم على تبادل المنفعة والحصول على الذهب والفضة ابتغاء الحصول بهما على سلع أخرى. وأن هذا رهين بنشاط الدولة ومن لنظرها من أرباب الأموال وأصحاب المهن والصنائع. يشهد لهذا قوله: "إن

    vol. 2, p. 375أقطار المشرق مثل مصر والشام وعراق العجم الهند والصين وناحية الشمال وأقطار ما وراء البحر الرومي لمّا كثر عمرانها كثر المال فيها، وعظمت دولهم، وتعددت مدنهم وحواضرهم، وعظمت متاجرهم وأموالهم. فإنه بلغنا عنهم في باب الغنى والرَّفَه غرائب تسير الركبان بحديثها، وربما تُتَلقى بالإنكار في غالب الأمر. ويحسب ما يسمع من العامة، يعزون ذلك لزيادة أموالهم، أو لأن المعادن الذهبية والفضية أكثر بأرضهم، أو لأن ذهب الأقدمين من الأمم استأثروا به دون غيرهم. وليس كذلك فمعدن الذهب من بلاد السودان. وهي إلى بلاد المغرب أقرب، وجميع ما في أرضهم من البضاعة فإنما يجلبونه إلى غير بلادهم للتجارة. فلو كان المال عتيداً موفوراً لديهم لما جلبوا بضائعهم إلى سواهم يبتغون بها الأموال، ولاستغنوا عن أموال الناس بالجملة " (١) .

  6. وهذا الوضع من الرخاء والرَّفَه مما يقتضيه العمران. فالعمران يظهر النقود بالأعمال الإنسانية فيزيد منها أو ينقصها.

  7. [النقود عند ابن القيم وابن عابدين]

  8. إلى جانب نظرة المؤرخين للنقدين يذكر الفقهاء كابن القيم في إعلام الموقعين شيئاً عنهما أثناء حديثه عن ربا الفضل. ومن ذلك قوله: "فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات. والثمن هو المعيار، به يُعرف تقويم الأموال. فيجب أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات بل الجميع سلع. وحاجة الناس إلى الثمن يعتبرون

    vol. 2, p. 376به المبيعات حاجة ضرورية عامة. وذلك لا يمكن إلا بسعر تُعرَف به القيمة. وذلك لا يكون إلا بثمن تقوّم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة، ولا يُقَوّمُ هو بغيره، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخُلفُ، ويشتد الضرر كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح. فعمَّ الضرر وحصل الظلم. ولو جعلت ثمناً واحداً لا يزداد ولا ينقص بل تقوّم به الأشياء ولا تقوّم هي بغيرها لصلح أمر الناس" (١) .

  9. وخص ابن عابدين النقود برسالة مستقلة هي تنبيه الرقود على مسائل النقود. لخّص بها رسالة الغزّي التمرتاشي بذل المجهود في مسأل تغيّر النقود. وموضوع الرسالة، كما صرح بذلك مؤلفها بحث موضوع النقود من جهة الرخص والغلاء والكساد والانقطاع. وقد نقل فيها أكثر ما وقف عليه من كلام الأئمة.

  10. [أنواع النقود]

  11. وظهرت بعد السلعة الوسطية التي كانت تستخدم في المقايضات النقودْ المعدنية. فاستعملوا لهذا الغرض الحديد، ثم النحاس، ثم المعدنين النفيسين، ثم البرونز. وبدأ ترتيب هذه النقود في التداول بالفضية ثم الذهبية. واتجهت كل واحدة منهما إلى مجال من المعاملات. وبقيت تُستخدم في المبادلات الصغيرة القليلةِ الأهمية نقودٌ أخرى من النحاس والبرونز والرصاص وأحياناً النيكل. وإنما اتخذت إنجلترة في منتصف القرن التاسع عشر الذهب أساساً لنظامها النقدي، حين توافرت لديها كميات معتبرة من الذهب. وذلك بعد قيام الثورة الصناعية واستعمال المحركات الميكانيكية، وتقدم التجارة

    vol. 2, p. 377الخارجية بفضل تطوّر وسائل النقل باستعمال البخار. وفي تلك الفترة من الزمن اكتشفت مناجم الذهب في الأورال وكاليفورنية وأسترالية. فعجل ذلك بسقوط العملة الفضية وتدنّيها وأصبحت من بين النقود الثانوية.

  12. لكنّ تَميّز المعدنين: الذهب والفضة ببريقيهما جعلهما يُقدّمان على غيرهما من المعادن. وكان من أهم خصائصهما رغبة الناس فيهما وشغفُهم المتزايد بالزينة والتحلّي، وسهولة حملهما وسلامتهما من التلف، وقابليتهما للتجزئة، والتشابه والتجانس بين القطع المسكوكة من الذهب والفضة، وصعوبة تزييفهما وثبات قيمتهما. كل ذلك قضى لهذين النقدين على سائر المعادن. فكان لهما بذلك الرواج والادَّخار.

  13. ولهذين النقدين قيمتان حقيقية ومعدنية. فالأولى هي قيمة المعدن في ذاته، والثانية القيمة الاصطلاحية التي تحددها الدولة للتعامل بذلك النقد.

  14. وقد تتساوى القيمة الحقيقية للنقود مع قيمتها الاسمية فتعتبر النقود في هذه الحالة جيّدة. وإن كانت القيمة الحقيقية للنقود أكثر من قيمتها الاسمية وصفت النقود بالقويّة. وإن نزلت القيمة الحقيقيّة لهما دون قيمتهما الاسمية فهي نقود ضعيفة. ويُضاف إلى هذه القيم النقدية ما يسمى بالنقود الرديئة: وهي التي تطرد النقود الجيّدة. ومعنى ذلك أن النقود الجديدة لا تلبث أن تختفي من التداول غير قادرة على مزاحمة النقود القديمة. ووجه ذلك أن الجديدة تصدر إلى الخارج لتسديد الديون، وتُنتقى القديمة للاكتناز أو لتستخدم في الأغراض الصناعية أو لتُصنع وتُباع في شكل سبائك.

  15. [النقود المساعدة]

    vol. 2, p. 378
  16. اتخذ الناس نقوداً أخرى مساعدة، حين عمّت أطرافَ العالَم قُطراً فقُطراً موجةٌ جديدة اقتصادية قامت المعاملات فيها على النقود الورقية. وهذا ابتداء من منتصف القرن السابع عشر. وعزّزت هذه النقود الورقية تزايد نشاط التجارة الخارجية. وبدأ الصيارفة والتجار من القساوسة يجمعون النقود المعدنية حريصين على حفظها خوفاً من مخاطر السرقة والضياع، ومحافظةً منهم على عملة ذات قيمة عينية لا تشاركها فيها النقود الورقية.

  17. وظهرت البنكنوت أو النقود النائبة والمثيلة. وهذه الأوراق لا تعتبر نقوداً في حقيقة الأمر، وإنما هي أوراق تنوب عن نقود حقيقية مودعة في البنوك. وبسبب هذه النيابة أو التمثيل أطلق عليها اسم نقود، وإن لم تكن كذلك. وهي تقوم مقامها على الوجه الكامل لكونها مغطاة ١٠٠ %. فإذا قدمت هذه الأوراق إلى البنك اعتبرت بمثابة دين عليه، فيتلقى الوديعة ويدفع ما بذمته من المعادن.

  18. وظهرت بعد هذا النقودُ الورقية الائتمانية التي أصدرتها البنوك حين رأت أن ليس من الضروري أن تغطِّي ما صدر من الأوراق النقدية بغطاء معدني مقداره ١٠٠ % من قيمتها. وجرياً وراء الربح أصدرت من الأوراق النقدية ما يتجاوز قيمة المعادن المحتفظ بها كغطاء أو ضمان لطلبات التحويل. وتم ذلك بالفعل عن طريق منح البنوك قروضاً تجارية وخاصة. وبدأ يظهر هذا في صورة عمليات الخصم أو صكوك الائتمان التي كثر إصدارها. وتدفّقت الأوراق النقدية في التداول بجانب النقود التي سبق إصدارها بغطاء. وبذلك أصبحت في أيدي الأفراد كميات من أوراق النقد لا تقابلها أرصدة نقدية.

  19. وتتولى هذه العمليات البنوكُ التجارية التي آلت إلى بنوك مركزيّة تشرف عليها الحكومات.

    vol. 2, p. 379
  20. واطردت عمليات الإصدار هذه، وارتفعت أثمان السلع والخدمات، وزاد الشعور بعدم الثقة. واصطلحوا على تسمية هذه النقود الجديدة بالنقود الورقية الإلزامية أو القانونية. وأصبحت أوراق البنكنوت مجرد أوراق تستمد قوتها الشرائية من قوة القانون، ومن ثقة المتعاملين بها. ولا بد من ملاحظة أن هذه النقود الإلزامية تنسحب على كافة المسكوكات فضية كانت أو برونزية. وهي لا تحتوي من المعادن إلا ما يقل في قيمته عما تمثله من قيمة نقدية.

  21. ثم استقلت البنوك المركزية الموزعة على الدول عامة بإصدار تلك الأوراق النقدية. وتعامل الناس بها في تصرّفاتهم المالية، وسعوا إلى تحصيلها بمساعٍ شتى، أو حملوا على السعي إليها امتثالاً (١) .