الفصل الخامس: العقود

244 paragraphs · vol. 2, p. 422

Page 4 of 7

  1. [الإجارة]

    vol. 2, p. 442
  2. الإجارة في اللغة: الأجر، وفي الاصطلاح: تمليك المنافع بِعِوَض، سواء أكان ذلك العوض عيناً أم دَيناً أم منفعة (١) . وقال الحنابلة هي عقد يفيد تمليك منفعةٍ مباحة معلومةٍ بعوض معلوم إلى أجل معلوم (٢) . وهذا أضبط وأدق من التعريف الأولى.

  3. وتستند مشروعية الإجارة إلى الكتاب: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (٣) ، {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} (٤) ، {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا} (٥) ، وقوله - عز وجل -: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} (٦) ؛ وإلى السُّنة القولية كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره" (٧) ، ولفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قالت عائشة: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر استأجرا رجلاً خريتاً عالماً بالهداية (٨) .

  4. وإلى الإجماع بما روي عن عمر وابن عباس من تأويلهما قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} (٩) قالا: هو أن الرجل يحج عن الرجل ويؤجّره نفسه.

  5. وعقد الإجارة ملزم لكل من المتعاقدين. فليس لأحدهما فسخه لأنه عقد معاوضة ومبادلة كالبيع تماماً فكان لازماً مثله، ولأن الإجارة لا تختلف عن البيع إلا باختصاصها باسم معين. وأقر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس يستأجرون ويؤاجرون ونهاهم عن مفسداتها.

    vol. 2, p. 443
  6. والإجارة ضربان: إجارة عين. وهي ما يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها كاستئجار الدار الصالحة للسكنى.

  7. وإجارة منفعة في الذمة على شيء معين أو موصوف بصفات يمكن ضبطها بالعلم أو المدة كخياطة الثوب ونحوه.

  8. والاستئجار، كما قال ابن رشد الجد، هو الذي أذن الله به لعباده، وجعله قواماً لأحوالهم، وسبباً لمعاشهم وحياتهم ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بما أحكمته السُّنة والشريعة؛ فمنه الجائز، ومنه المحظور. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) .

  9. وللإجارة مقاصد منها: قضاء حاجات الناس، على وجه يحقق المصلحة والعدل فيما بينهم. فلكل عملية من العمليات، أو تصرّف معتبر من التصرّفات عقدٌ خصّه الشارع به. فاحتياجات الإنسان اليومية لا يمكن له وحده أن يقوم بها لكثرتها، ولعدم قدرته على توفيرها كلها عملياً، واحتياجِه إلى وجود سوق الشغل واستخدام الكثير من أصحاب القدرات والمواهب الراقية، دفعاً للمشقّة ورفعاً للحرج، شرع الله لعباده عقد الإجارة، عقداً يكون به تمليك المنفعة بعوض.

  10. السَّلَم:

    هو لغة: الإعطاء والترك والتسليف.

  11. واصطلاحاً: بيع موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلاً. وقد اختلفت عبارات الفقهاء في تعريفه. فهو عند الحنفية والحنابلة: بيع مؤَجَّلٍ بمُعجَّل، اعتماداً على شروط صحّته عندهم. وهي قبض رأس المال في المجلس وتأجيل المسلم فيه.

    وقالت الشافعية: هو عقد على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلاً. وقد نظروا إلى شروطه عندهم. وهي قبض رأس المال في المجلس، وإجازة أن يكون السَّلَم مؤجلاً.

    vol. 2, p. 444
  12. وذهبت المالكية إلى: أنه عبارة عن بيع معلوم في الذمة، محصور بالصفة بعين حاضرة أو ما في حكمها، إلى أجل معلوم. وقولُهم هذا مبنيٌّ على منعهم السلم الحالّ، وعدم اشتراطهم تسليم رأس المال في المجلس (١) .

  13. فالسَّلَم نوع من أنواع البيع، ينعقد بما ينعقد به، وبلفظ السلم والسلف. وقد أقرّ الكتاب والسُّنة والإجماع مشروعيتَه. ودليل ذلك من الكتاب قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} (٢) . شهد ابن عباس أنها نزلت في السَّلَم يعني بيع الثمار ونحوها من المثليات في ذمة البائع إذا كان ذا ذمة إلى أجل. وقد كان السَّلَم من معاملات أهل المدينة، أذن فيه الشارع وإن اعتبر الأصوليون السبب الخاص لا يخصص العموم (٣) .

  14. ودليل مشروعية السَّلَم من السُّنة قوله - صلى الله عليه وسلم - من رواية ابن عباس: "من أسلم في شيء فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل

    vol. 2, p. 445معلوم" (١) . وهذا هو الأصل والقاعدة التي اعتمدها الفقهاء.

  15. وأما الإجماع فهو ما حكاه ابن المنذر من قوله: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السَّلَم جائز.

  16. وفي هذا ترخيص من الشارع وإذن منه بجواز السَّلَم. قال الإمام الأكبر: وقد وجدنا من الضرورات ضرورات عامة مطردة كانت سبب تشريع عام في أنواع من التشريعات مستثناة من أصول كان شأنها المنع مثل السلم والمغارسة والمساقاة. فهذه مشروعة باطراد. وكان ما تشتمل عليه من أضرار وتوقع ضياع المال مقتضياً منعها، لولا أن حاجات الأمة إليها داعية. فدخلت في قسم الحاجي (٢) .

  17. وفي هذا التشريع حكمة بالغة جرت على لسان الشيخ ابن عاشور في تفسيره عند قوله: التداين من أعظم أسباب رواج المعاملات، لأن المقتدر على تنمية المال قد يعوزه المال، فيضطر إلى التداين ليظهر مواهبه في التجارة أو الصناعة أو الزراعة، ولأن المترفّه قد ينضب المال من بين يديه وله قِبَلٌ به بعد حين. فإذا لم يتداين اختلّ نظام ماله. فشرع الله تعالى للناس بقاء التداين المتعارف بينهم كيلا يظنّوا أن تحريم الربا والرجوع بالمتعاملين إلى رؤوس أموالهم إبطال للتداين كله. وأفاد ذلك التشريع بوضعه في تشريع آخر مكمل له. وهو التوثق له بالكتابة والإشهاد (٣) .

  18. [المجموعة الثالثة: عقود المشاركة أو الشركات القائمة على عمل الأبدان]

  19. هذا النوع من المعاملات مثّل له الإمام بالمساقاة والمغارسة

    vol. 2, p. 446والقراض والجعل والمزارعة. وهذه معاملات مما يراد تكثيره لتأكد الحاجة إليه. وفرّق بين هذه المعاملات صاحب المقاصد وبيّن أنها مما يدخله الغبن والغرر، وهو مغتفر فيها بخلاف المعاملات المالية، فإنها لا يدخلها شيء من ذلك الغرر على أيّ طرف من أطراف العقد.

  20. وإنما جاز العقد على عمل الأبدان لصعوبة انضباط مقادير العمل المتعاقد عليه فيه، وتعسر معرفة ما ينجر للعامل من الربح، وما يحصل لصاحب المال فيها من إنتاج. ومن حِكمة الشريعة في إلغاء اعتبار الغرر والضرر في هذه العقود الخوف من بقاء أهل العمل عاطلين. وهذا أشد عليهم مما يلحقهم من الخيبة في بعض الصور والأحوال.

  21. وقد دلّ على مشروعية هذه الأعمال البدنية عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع اليهود في إعطائهم نخل خيبر للعمل فيه مقابل نصف الثمرة من محصولها. وكذلك ما فعله الأنصار مع المهاجرين حين سلَّموا إليهم حوائطهم للعمل بها.

  22. وخشية الإطالة في شرح هذه المسألة نقف عند أنواع أربعة من المعاملات المشار إليها آنفاً هي: المضاربة، والمساقاة، والمزارعة، والمغارسة.

  23. [المضاربة]

  24. المضاربة عند أهل العراق هي القراض في بلاد الحجاز. والتسمية الأولى مستمدة من الضرب في الأرض. قال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} (١) ، ومن قوله - عز وجل -: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ

    vol. 2, p. 447مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} (١) . والتسمية الثانية مأخوذة من اصطلاح أهل المدينة. وذلك قول الصحابة لعمر بن الخطاب في قصّته مع ابنيه: لو جعلته قراضاً. والقراض لم يرد التنصيص عليه في الكتاب ولا في السَّنة. وهو مأخوذ من الإجماع الذي لا خلاف فيه لأحد من أهل العلم. وكان في الجاهلية فأقرّه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الإسلام (٢) . ونصّ على الاستعمالين وفرّق بينهما في أصل التشريع ابنُ عبد البر. قال: أصل هذا الباب إجماع العلماء - يريد القراض - وقال: المضاربة سُنة معمول بها. وروي عن عمر وعائشة وابن مسعود وابن عمر أنهم كانوا يقولون: اتجروا في أموال اليتامى حتى لا تأكلها الزكاة. وكانوا يضاربون بأموال اليتامى (٣) .

  25. وهي عبارة عن شركة فيها المَغْنَمُ والمَغْرَمُ لطرفي المضاربة، وأن الكسب فيها ثابت لهما مهما قلّ أو كثر.

  26. وحَدُّ شركة المضاربة أو المقارضة دفع معلوم لمن يتّجر به بجزء معلوم مشاع من ربحه كالنصف والثلث والربع والسدس (٤) . وفي المجلة هي نوع شركة على أن رأس المال من طرف، والسعيَ والعملَ من الطرف الآخر (٥) .

  27. والمضاربة عند الفقهاء نوعان: مطلقة، ومقيّدة. أما المطلقة فهي التي لا تتقيد بزمان ولا مكان، ولا نوع تجارة ولا بتعيين بائع ولا مشتر. وأما المقيّدة فهي التي تقيّدت بواحد من هذه الصفات.

  28. وهي مما اتفق عليه الفقهاء في الجملة. والخلاف في تفاصيلها (١) . والمقصد الشرعي كقصد تشريع عقود المشاركة كلها، منه أصلي وتابع.

    vol. 2, p. 448
  29. أما القصد الأصلي فهو تحصيل المال الحلال الطيب، أو تنمية الموجود منه في أيدي ملاكه بالعمل ممن لا يجده، أو لا يجد القدر الكافي منه لمباشرة التجارات الواسعة والمكاسب العظيمة، مع قدرته على العمل ومعرفته بوسائل استخراج المكاسب وتنمية الثروات.

  30. ومن مقاصد المشاركة التابعة:

    (١) إشاعة تداول الأموال بين الناس وتكثير عدد المستفيدين منها من أفراد الأمة حتى لا تبقى دُولَةً بين عدد قليل من الناس، لا يُحسن التصرّف فيها أو لا تستوعب قدراته وطاقات الفردية تشغيلها.

  31. (٢) تشغيل أكبر عدد ممكن من الأيدي العاملة ذات القوة البدنية والمهارة والخبرة مما يكون سبباً لزيادة الإنفاق، وتكثير المكاسب وتوفير السلع في الأسواق بأسعار رخيصة تكون في متناول الطالبين والمستهلكين.

  32. (٣) تشغيل العاطلين، وتنمية أموال المالكين، وعموم النفع لأفراد المجتمع وفئاته المختلفة.

  33. (٤) مظهر من مظاهر التعاون على البر والتقوى تتوثق به عرى الأخوة والتضامن والتكامل بين كل طبقات المجتمع وعناصره (٢) .

  34. وفي ذيل هذا التعريف بالمضاربة وبيان المقصد الشرعي منها ومن بقية عقود المشاركات، لا يفوتنا أن ننبه إلى نوع آخر من المضاربة، يتأكد التحذير منه، وهو معروف وجارٍ في الاقتصاد الغربي. وهو يشبه ما كان يعرف في العصر الجاهلي بالقرض الإنتاجي الربوي. وهو يقوم أساساً على تحديد الفائدة الربوية، للمبلغ المقترض، كما يحدّد الزمن الذي يستغرقه القرض كأن يكون ١٠ % سنوياً من رأس المال، مهما كانت نتائج القرض من كسبٍ كثير أو قليل أو من خسارة. وقد أبطله الإسلام لما فيه من تضارب مع أحكام الشريعة الإسلامية، ومناقَضة لها.

    vol. 2, p. 449
  35. وأضاف د/ علي السالوس في تفريقه بين شركة المضاربة والقرض الإنتاجي الربوي أنّ العلاقة بين صاحب القرض وآخِذِه ليست من باب الشركة. فصاحب القرض له مبلغ معين محدّد، ولا شأن له بعمل من أخذ القرض، والمقترض يستثمر ما أخذ من مال لنفسه فقط باعتباره مالكاً لذلك المال. وهو ملتزم برد مثله مع الزيادة الربوية عند حلول أجل الوفاء بذلك الدين. فإن كسب كثيراً فلنفسه، وإن خسر تحمَّلَ وحده الخسارة (١) .

  36. والمضاربة في الاقتصاد المعاصر عبارة عن عمليات بيع وشراء تنتقل معها العقود والأوراق المالية من يد ليد، دون أن يكون في نية البائع أو المشتري تسليمُ أو تسلمُ موضوع العقد المتفق عليه. وإنما غاية كل طرف من الطرفين ربِ المال والمضاربِ أو العامل الاستفادة من فرق السعر بين ما اشتراه بالأمس وما باعه اليوم، وبين ما يشتريه اليوم ويبيعه غداً. وهكذا تدور الصفقة عدَّة دَورات بين الطرفين إلى

    vol. 2, p. 450أن تنتهي إلى آخر مشتر يتسلم الموضوع محل الصفقة (١) . وقد اهتزت لمخاطر هذا النوع من التعامل أسواق كثيرة في العالم، وزلزلت هذه المضاربات، من نحو عشر سنوات أو أكثر، كيان اقتصاد دول النمور الآسيوية في جنوب شرقي آسية.

  37. [المساقاة]

  38. المساقاة كذا في لغة أهل الحجاز، وهي المعاملة عند أهل العراق (٢) .

  39. وهي في اللغة: مفاعلَة من السقي، بأن يقوم شخص على سقي النخيل والكروم ومصلحتهما. ويكون له من ريع ذلك جزء معلوم (٣) .

  40. وهي في الاصطلاح الشرعي: معاقدة دفع الشجر والكروم إلى من يصلحه بجزء معلوم من ثمره (٤) .