الخاتمة
100 paragraphs · vol. 2, p. 557
Page 1 of 3
- vol. 2, p. 557
وعلى نحو ما قدمنا في الحديث عن أقسام المقاصد استهل الإمام الأكبر كتابه مقاصد الشريعة بحملنا على اعتقاد أنه بما يقدمه من مباحث جليلة يرجو أن يضع بين أيدي المتفقهين في الدين نبراساً لهم، ومرجعاً بينهم، يحد من اختلاف الأنظار، ويدرب الفقهاء وأتباعهم على الإنصاف، ونبذ التعصب والخلاف، والفيئة إلى الحق فيما يبدون فيه آرائهم أو يُعرضون له من أنظار عند إرادة الترجيح بين الأقوال. ذلك أنهم لم يجدوا في علم أصول الفقه منتهى ينتهي إلى حكمه المختلفون في الفقه منهم، وعُسر أو تعذر الرجوع بهم إلى وحدة رأي أو تقريب حال.
-
واعتقاد الشيخ ابن عاشور أنهم واجدون في علم مقاصد الشريعة ما فقدوه في علم الأصول لأن هذا العلم محصورة قضاياه في استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع بواسطة قواعد تنتزع بها الفروع أو الأوصاف التي تؤذن بها تلك الألفاظ من غير أن تكون متناولة لبيان حكمة الشريعة. وإن كان لبعض مباحثه صلة بالمقاصد. وذلك كالمناسبة والإخالة في مسالك العلة، ومباحث المصالح المرسلة والمتواتر، والمعلوم من الدين بالضرورة، وحمل المطلق على المقيد.
-
واستعرض إثر ذلك موضوع قطعية أصول الفقه، وقارن القول فيها بين الجويني صاحب البرهان والمازري شارحِه، وبين الأبياري
vol. 2, p. 558والبصري، وبين القرافي والشاطبي، رادّاً على القائلين بالقطعية مؤكداً ما ذهب إليه القرافي في نفائس الأصول، ومعترضاً على الشاطبي، مفنّداً أدلته التي ناصر بها إمام الحرمين.
-
وتناول في تمهيده الحديث عن القواعد القطعية للتفقه، وهي التي وضعتها جماعة من العلماء، كما تحدث عن روّاد علم المقاصد منوّهاً بهم ومقارناً بينهم.
-
وفي القسم الأول من الكتاب تعرض لإثبات مقاصد الشريعة، وإلى مدى احتياج الفقيه إلى معرفتها، منبهاً إلى أن كل مكلَّف بحاجة إلى معرفة ذلك، لكنّ عُسر طلبها يحول بينها وبين العامة، وأن العلماء أنفسهم متفاوتون في تقديرها على قدر تفاوتهم في القرائح والفهوم.
-
وذكر جملة من المقاصد منها علة تحريم المزابنة، وعلة تحريم بيع الجزاف بالمكيل، وإباحة الغبن القليل تيسيراً على الناس كما في معاملات الأبدان، وإبطال الغرر في المعاوضات، وطلب الرواج، معقباً على هذا ببيان الجهات الثلاث لمعرفة مقصد الشارع، وبتقسيمه المقاصد إلى أصلية وتابعة.
-
وقد اهتم بما عُني به العلماء المتقدمون من أهل السلف، ومن المجتهدين فبيّن منهاجهم والطرائق التي اعتمدوها للتوصل إلى معرفة المقاصد وتقسيمها، معتمداً أساساً على الاستقراء والاستدلال.
-
وتوقف عند الخطاب الشرعي، ذاهباً - كما ذهب غيره - إلى أن الكلام لا يكفي وحده للدلالة على مراد اللافظ دلالةً لا تحمل شكاً في مقصده من لفظه. وتحدث عما يلابس الخطاب من وجوه البيان
vol. 2, p. 559والخفاء، ودعا إلى الاستعانة على فهم المعاني بمعرفة السياق والمقام وما يحف بالكلام من دلالات وقرائن مقالية وحالية، وحمل على الخطأ كل الفقهاء الذين كانوا يقتصرون في استنباط الأحكام على اعتصار الألفاظ. وأشار إلى تقصير الظاهرية وبعض المحدّثين في ذلك. ونقد بعض الأحاديث ووجه الدارسين إلى القيام بتحرير مقدار الاعتبار بمذاهب الصحابة فيما طريقه النقل والعمل.
-
وعلى غرار الإمام القرافي اهتم بالتمييز بين مقامات أقوال وأفعال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وفرَّق بدقة بين التبليغ والإمامة القضاء. وجعل المقامات بما تختلف فيه بينها من أحوال ليست مقصورة على مقامات التشريع، بل تتجاوزها إلى ما وراءها، وأورد اثنتي عشرة حالة هي كما ذكرنا أولاً مما كان يختلف فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحوال التشريع أو الفتوى أو القضاء أو أحوال كثيرة أخرى كحال الإمارة، وحال الهدي، وحال المصالحة بين الناس، وحال الإشارة على المستشير، وحال النصيحة، وحال طلب حمل النفوس على الأكمل، وحال تعليم الحقائق العالية، وحال التأديب، وحال التجرد عن الإرشاد.
-
ثم خلص من ذلك وهو ماض في نفس السياق إلى بيان أن مقاصد الشريعة مرتبتان: قطعية وظنية، وأن تعيين مقصدٍ شرعيٍ، كلياً كان أو جزئياً، أمرٌ تتفرع منه أدلة وأحكام كثيرة في الاستنباط. ففي الخطأ فيه خطر عظيم.
-
وهو يقترح على من يزعم قطعية علم الأصول تجنب هذا المسلك لأن مسائل أصول الفقه ظنية لا يمكن أن ترقى إلى درجة أصول الدين. ولكن الذي ينبغي الاتجاه إليه والحرص على الظفر به
vol. 2, p. 560هو أن نسير على منهج الإمام العز بن عبد السلام في كتابه القواعد الكبرى فنجمع جملة من القواعد القطعية، يتأتّى لنا الرجوع إليها في التحكيم عند الاختلاف والمكابرة. وتستمد هذه القواطع من متكرر أدلة القرآن النافي لاحتمال المجاز أو المبالغة، ومن اطراد النهي عن التعدي على النفوس والأموال والأعراض، وعن الغصب والظلم وكل ما فيه ضرر أو إضرار.
-
ومن بين ما تناوله القسم الأول من الكتاب النظر في تعليل الأحكام الشرعية، والتفريق بين ما هو منها معلل وما هو تعبدي. وفي هذا أبرزَ وظيفة الفقهاء في انتزاع الفروع من الأصول إما بطريق تحقيق المناط، وإما بطريق القياس، وإما باعتماد أحكام ثبت صدورها عن الشارع في علم المجتهد وهو موقن بها، لكنه لم يقف على مراد الشارع منها لخفائها، وهو التعبدي. وقد نبّه إلى مقالة عمر أن السنن ووجوه الحق تأتي كثيراً على خلاف الرأي، فما يجد المسلمون بداً من اتباعها كقضاء الحائض الصوم، وعدم قضائها الصلاة، وكون العمة تورِث ولا تَرث. وكشف المؤلف عن رأي الظاهرية في هذا المحل، وذهب مسانداً لابن العربي في موقفه منهم قائلاً: يضطر الظاهرية (بنزعتهم هذه) إلى التوقف عن إثبات الأحكام فيما لم يرو فيه عن الشارع حكماً من حوادث الزمان. كما أن في اتجاههم هذا نفيَ مواكبة الشريعة لجميع العصور والأقطار.
-
ومثل لما أبداه الصحابة من الاجتهاد بقضية العول في الميراث. ونصح الفقهاء بأن لا يساعدوا على وجود الأحكام التعبدية في تشريع المعاملات، وأن يعتبروا أن التعبدي من الأحكام هو ما خفيت علله ودقت. وأنه وإن جاز إثبات أحكام تعبدية لا علة لها في غير أبواب المعاملات المالية والجنائية، فإن عليهم استنباط العلل في
vol. 2, p. 561أقسام المعاملات الأخرى كما فعل الأئمة الثلاثة في بيان علةِ تحريمِ ربا الفضل قياساً على الأصناف الربوية.
-
وفي القسم الثاني من الكتاب الموضوع لمقاصد التشريع العامة بدأ الإمام الأكبر بتعريف المقاصد، وبيان الصفة الضابطة لها في المعاني الحقيقية والمعاني العرفية العامة. واشترط فيها الثبوت والظهور والانضباط والاطراد. فإذا توفرت الشروط حصل اليقين بأنها مقاصد شرعية، وإذا اختلطت المعاني وترددت بين الصلاح والفساد تعين الرجوع إلى نظر العلماء وولاة الأمر لتحديد المقصود منها ولا يعتد بما هو أوهام أو تخيلات في المعاني. فإن البناء على الأوهام مرفوض في الشريعة إلا عند الضرورة. ومن حق الفقيه أن يتعمق في التأمل من أجل إزالة ذلك الوهم والتوصل إلى المعنى الخفي الذي هو مناط التشريع. والأمور الوهمية وإن لم تصلح لأن تكون مقصداً شرعياً فهي صالحة لأن يُستبان بها في تحقيق المقاصد الشرعية، فتكون طريقاً للدعوة والموعظة ترغيباً وترهيباً.
-
وتوقف الإمام طويلاً عند وصف الفطرة وذكر ما قالها المفسرون فيها، وفي أقسامها، وأورد في ذلك مقالة ابن سينا نقلاً عن كتاب النجاة. وفي وجوه الحث عليها والجري على مقتضاها يقول: إن الشريعة الإسلامية داعية أهلها إلى تقويم الفطرة والحفاظ على إعمالها وإحياء ما اندرس منها، وأن المقصد العام من التشريع يتعين أن يكون مسايراً لها، سالماً من خرقها أو اختلالها، وأن الوصف المترتب عليها وهو أكبر مقاصدها هو السماحة. وهي سهولة المعاملة في اعتدال، وتظهر سهولتها المحمودة فيما يظن الناس التشديد فيه، ومن ثم كان من الفطرة النفور من الشدة والإعنات.
- vol. 2, p. 562
والمقصد العام من التشريع هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان. ذلك أن مقصد الشريعة أساساً وبالذات هو الإصلاح وإزالة الفساد. وقد جعل الإسلام صلاح الإنسان بصلاح أفراده وبصلاح مجموعه. فبدأ بإصلاح الاعتقاد ثم عالج الإنسان بتزكية نفسه وتصفية باطنة، وتصفية الباطن تُحرِّك دون شك الإنسانَ إلى الأعمال الصالحة.
-
وللارتباط الجذري بين المقصد والمصلحة عرف الإمام المصلحة بكونها الوصف الذي يحصل به الصلاح أي النفع دائماً أو غالباً للجمهور وللآحاد. وذكر في هذا المقام تعريفات أخرى لها وللمفسدة، نقلها عن الإيجي والشاطبي. ثم قسم المصلحة باعتبار العموم والخصوص، وباعتبار الظهور والخفاء. وتميز عن الإمامين العز بن عبد السلام والشاطبي بذكر ضوابط المصلحة. وهي خمسة أمور:
كون النفع والضر محققين، غالبين، واضحين لا يمكن الاجتزاء عنهما بغيرهما، وكون أحدهما في حال المساواة بضده يعضده مرجح من جنسه، وكون أحدهما منضبطاً محققاً والآخر مضطرباً.
-
وتعرف مصالح الدنيا ومفاسدها وأسبابها، كما قال العز بن عبد السلام، بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات.
-
وأكد بعد ذلك على أن تشريع جلبِ المصالح ليس فيه تحصيلُ مفسدة كما أن تشريع درءِ المفاسد ليسَ فيه إضاعةُ مصلحة. وختم البحث بذكر أن المنهيات كلَّها مشتملة على مفاسد.
-
أما طلب الشريعة للمصالح فقد جعله قسمين: الأول: ما ليس
vol. 2, p. 563من شأن الشارع أن يطلبه لداعي الجبلة فيه ولكنها إلى ذلك تزيل عنه موانع حصوله، والثاني: ما لا تتحقق به المصلحة إلا أن يقوم بها الجميع كحفظ النفس الواجب على الأعيان، وكالواجب على الكفاية على الفرد أو على الجماعة مثل إنقاذ الغريق وإطفاء النار الملتهمة للبيت. ووقع البحث مع ذلك في جزئيات أخرى كثيرة تدخل في إطار هذا الموضوع منها أن للإنسان أن يتصرف في الحقوق الثابتة له، ولا تعلق لها بغيره بالإسقاط إن شاء، ومنها أنه ليس لأحد إسقاط شيء من مصالح القسم الثاني لأن المصلحة فيه حق ثابت له مع حق غيره. وإذا تعارضت المصالح ترجحت في التقديم العظمى. فتقديم أرجح المصلحتين هو الطريق الشرعي، ودرء أرجح المفسدتين كذلك. فإن حصل التساوي من جميع الوجوه بين المصالح والمفاسد كان الحكم في هذه الحالة التخيير. والشريعة تسعى إلى تحقيق المقاصد في عموم طبقات الأمة بدون حرج ولا مشقة، فتجمع بين مناحي مقاصدها في التكاليف والقوانين مهما تيسر الجمع.
-
ويمكن أن نضيف إلى هذا ذكرَ أنواع المصلحة المقصودة من التشريع. والعالِم المتمكن ذو الملكة في علم المقاصد يمكنه التعرف بيسر على مقصود الشارع. فمن ذلك اعتبار مقصد الشريعة من التشريع حفظ نظام العالم، وضبط تصرف الناس فيه على وجه يعصم من التفاسد والتهالك.
-
وكذلك بيان أمثلة ونظائر لأنواع المصالح المعتبرة شرعاً والمفاسد المحذورة. ويتنبه إلى أن مقصد الشارع لا يجوز أن يكون غير مصلحة، ولكنه لا يلزم شرعاً أن يكون مقصوداً منه كل مصلحة.
-
فالمصالح باعتبار آثارها في قوام أمر الأمة ثلاثة أقسام: ضرورية، وحاجية، وتحسينية.
- vol. 2, p. 564
وهي باعتبار تعلقها بعموم الأمة أو جماعاتها أو أفرادها تتنوع إلى كلية وجزئية.
-
وباعتبار تحقق الاحتياج إليها في قوام أمر الأمة أو الأفراد تختلف بين أن تكون قطعية أو ظنية أو وهمية، كما تتنوع بين خالصة محضة ومشوبة.
-
وبدأ بالكليات الخمس فذكر حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسب وخالف القرافي والطوفي في اعتبارهما حفظ العرض ملحقاً بتلك الكليات. وبعد حديثه المفصل عن الكليات تعرض لقسمي الحاجي والتحسيني. وقال عن الأول: هو ما تحتاجه الأمة لاقتناء مصالحها وانتظام أمورها على وجه حسن، ولولا مرعاة ذلك لما فسد النظام، ولكنه يكون على حالة غير منتظمة، وهو لا يبلغ مبلغ الضروري. وبعد إيراد أمثلة كثيرة لهذا النوع أفرد التحسيني بالبيان، وعرّفه بأنه ما يكون به كمال حال الأمة في نظامها حتى تكون مرغوباً في الاندماج فيها وفي التقرُّب منها، وهي ما تُراعَى به المدارك الراقية البشرية.
-
وينتقل المؤلف من الحديث عن التكاليف الشرعية الراجعة إلى جهة مقاصدها في الخلق إلى قضية جدّ هامة هي من عيون المسائل التي كان له موقف مميّز فيها، وهي قضية المصلحة المرسلة. فعرفها بأنها المصلحة التي أرسلتها الشريعة فلم تُنِط بها حكماً معيناً ولا يُلفى في الشريعة لها نظير معين له حكم شرعي فتقاس هي عليه. وقد ذكر لها أمثلة كثيرة منها جمع القرآن وإحداث الدواوين، ووضع فقهاء الإسلام لجملة من الإجراءات في أساليب المرافعات ونحوها. ولما لها من الاعتبار ولحاجة الناس إليها في كثير من حوادث الزمان أثبت
vol. 2, p. 565مالك حجيّتها. ووجه ذلك: إننا إذا كنا نقول بحجية القياس وهو إلحاق جزئي حادث لا يعرف له حكم في الشرع بجزئي آخر ثابت حكمه في الشريعة للماثلة، فلأن نقول بحجية قياس مصلحة كلية حادثة في الأمة لا يعرف لها حكم على كلية ثابت اعتبارها في الشريعة باستقراء أدلة الشريعة أولى بنا وأجدر بالقياس وأدخل في الاحتجاج الشرعي. وبعد تقرير هذه الحقيقة وركون الإمام الأكبر إلى قياس الأجناس المحدثة على أجناس نظائرها الثابتة في زمن التشريع يبدي فرط عجبه من موقف إمام الحرمين من الاستدلال، وموقف الغزالي المتردد فيه بين طرف الوفاق على اعتباره، وطرف التردد في مقدار المصلحة الذي أخذ به الجويني. وبعد بيان موقفه المساند لموقف إمامه واستغرابه من موقفي صاحب البرهان وصاحب كتاب المستصفى يعلن أن أدلة اعتبار أجناس المصالح حاصل من استقراء الشريعة قطعاً أو ظناً قريباً من القطع، وأن أوصاف الحكمة قائمة بذواتها، ولأن هذه الأوصاف واضحة وضوحاً متفاوتاً غير محتاجة إلى استنباط ولا إلى سلوك مسالكه، ولا يقتصر في بيان أنواع المصالح على ذلك، فيلحق بما قدمه اختلافَها بين أن تكون من مصالح الشارع أو من مصالح الناس، وبين ما يكون منها حاصلاً من الأفعال بالقصد أو حاصلاً منها بالمآل.
-
ويستأنف الحديث عن أوصاف الشريعة وينعتها بالعموم موضحاً ذلك بقوله: إن أحكام الشريعة ميسرة لانتشارها وقيامها على التماثل في إجراء الأحكام والقوانين، ولكونها مبنية على اعتبار الحكم والعلل، وهي من مدركات العقول. وأن مصدري التشريع قائمان على كليات كثيرة في الكتاب، وعلى المجملات مما أراد الشارع بقاءه على إطلاقه وإجماله، وعلى قواعد عامة مما اشتملت عليه السُّنة.
- vol. 2, p. 566
وربما عقّب هذا البيان بذكر قواعد يتعين الانتباه إليها مثل أن قضايا الأعيان وأخبار الآحاد إذا خالفت القواعد أو الكليات، أو خالفت القياس أو عملَ أهل المدينة تصبح مختلفاً في حجيّتها على مذاهب معروفة في أصول الفقه. وأن علة الصلوحية للعمل بالشريعة أن لا يكون في اتباعها والالتزام بها هلاك أو عنت. وأن من مقاصد الشريعة تجنُّب التفريع في وقت التشريع.
-
ويذكر من مقاصد الشريعة المساواة، ويعتبرها أصلاً في التشريع. والمساواة في التشريع للأمة ناظرة إلى تساوي أفرادها في الخلقة وفروعها. فالناس سواء في البشرية وفي حقوق الحياة، وهم متساوون في أصول التشريع كحفظ النفس وحفظ النسب وحفظ المال، وحقّ القرار في الأرض لمن نشأ فيها أو استوطنها، وفي أسباب البقاء على حالة نافعة، ويكون التساوي بين الناس في الضروري والحاجي. وإلى جانب ذلك لا بد من الانتباه إلى عوارض المساواة وهي الموانع بأنواعها الجبلية والشرعية والاجتماعية والسياسية التي تحول دونها. وإنما يكون لتلك العوارض آثارُها في تقرير المساواة إذا كان في إلغاء حكم المساواة ظهورُ مصلحة راجحة أو اقتضى إجراء المساواة ظهورَ مفسدة.
-
وهو بعد ذلك ينفي عن الشريعة اشتمال أحكامها على النكاية، كما يلحق بهذه الأوصاف مقاصد تشريعية كاختلاف أحكامها من تغيير وتقرير، ونوط تلك الأحكام بمعان وأوصاف لا بأسماء وأشكال، ومن مقاصد الشريعة الحرية، فإن الشريعة متشوفة إلى الحرية. وتثبت الحرية في أصول الناس في معتقداتهم وأقوالهم وأفعالهم وفي النهي عن تحريم المباحات. ويقابل ذلك ما للشريعة من حقوق على أتباعِها
vol. 2, p. 567بتقييد حرياتهم. ومن تجاوز منهم حدود حريته أوقف عند الحد الشرعي بضمان التفريط أو العقوبة.
-
وقد حاطت الشريعة حرية العمل بسد ذرائع خرمِ تلك الحرية كمنع وكالة الاضطرار، ومنع الشروط الواقعة من رب المال على العامل في القراض والمزارعة والمساقاة ونحوها.
-
وعقِب هذا ذكر الإمام جملة من المقاصد لا يجوز إغفالها ولا إهمالها. فهو بعد ذكره مقصد الشريعة من نظام الأمة بجعلها قوية مرهوبة الجانب مطمئنة البال يذكر بأن صلاح الأفراد مقصود للشارع بلا شك، ولكن صلاح أحوال المجموعة وانتظام أمر الجماعة أسمى وأعظم، وبأن تشريع الرخص في الأحوال العامة له اعتباره. والرخصة في تغيُّر الفعل من صعوبة إلى سهولة لعذر عرض لفاعله، أو ضرورة اقتضت عدم اعتداد الشريعة بما في الفعل المشروع من جلب مصلحة أو دفع مفسدة مقابلَ المضرة العارضة لارتكاب الفعل المشتمل على مفسدة.
-
ومن الضرورات المقتضية للترخيص ضرورات عامة كما في السَّلَم والمغارسة والمساقاة.
-
وضرورات خاصة مؤقتة، تكون في حالة الاضطرار.
-
وضرورات عامة مؤقتة تقتضي إباحة الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي مثل سلامة الأمة وإبقاء قوتها ونحوه. وقد ألح الإمام على اعتبار هذه الضرورة عند حلولها، فإنها كانت مغفولاً عنها، وهي تقتضي تغير الأحكام الشرعية كالكراء المؤبد في أرض الوقف، والحكر، وبيع الوفاء.
-
وقد دعت الإمام مثل هذه الأحوال والحاجات العارضة للأمة
vol. 2, p. 568إلى التفكير في طلب المعالجة الشرعية لها بالاجتهاد فيها اجتهاداً يضطلع به العلماء من أهل النظر السديد في فقه الشريعة، العارفين بمقاصدها، ممن لهم خبرة بمواضع حاجة الأمة ومقدرة على حل مشاكلها حلاً شرعياً، ونادى بتكوين مجمع تَصدُر الفتوى فيه عن وفاق، تعلم أقطار الإسلام بمقرراته، ويتعين على الأمة العمل بها.
-
وبالفراغ من القسم الثاني المتعلق ببحث المقاصد العامة وضع الإمام القسم الثالث من كتابه. وإنّ أبرز ما دعا إلى الاهتمام به في هذا القسم قضايا ثلاثة:
١ - المعاملات المالية في الإسلام وما ترتبط به من مقاصد، وما يتعلق بها من حقائق التملك والتكسب ومقاصد التبرعات، وما يمكن أن يلحق بها من المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان.
-
٢ - مقاصد أحكام العائلة.
-
٣ - مقاصد الشريعة ذات الصلة:
أ - بالنظر في أحكام القضاء والشهادة.