الخاتمة

100 paragraphs · vol. 2, p. 557

Page 2 of 3

  1. ب - بتعيين الحقوق لأنواع مستحقيها.

    vol. 2, p. 568
  2. ج - ببيان القصد من العقوبات.

  3. وتمهيداً لدراسة هذه الموضوعات يعود المؤلف إلى التفريق بين المقاصد والوسائل. فالمقاصد هي المتحملة للمصالح، والمفاسد في أنفسها. والوسائل هي الأحكام التي شرعت لأن بها تحصيل أحكام أخرى، فهي غير مقصودة لذاتها بل لتحصيل غيرها على الوجه المطلوب الأكمل. والوسائل هي التي تترتب عليها المقاصد، وترتيب الوسائل يكون بترتيب المصالح والمفاسد. وهكذا يكون ترتيب الأحكام المنوطة بتصرفات الناس في معاملاتهم الصالحة والفاسدة،

    vol. 2, p. 569فتوجد متماثلة في الرتب في أقسام الحكم الشرعي، وإن كانت متفاوتة بحسب كون مناطها من التصرفات مقصداً أو وسيلة في نظر الشارع وفي نظر الناس.

  4. والوسائل في الدرجة الثانية من المقاصد فإذا سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة.

  5. ومعرفة المقاصد الشرعية الخاصة بأبواب المعاملات، والكيفيات المقصودة للشارع من أجل تحقيق مقاصد الناس النافعة، أو من أجل حفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة تدخل فيها كل حكمة روعيت في تشريع أحكام تصرفات الناس. ومقاصد الناس في تصرفاتهم هي المعاني التي لأجلها تعاقدوا أو تعاطوا أو تغارموا أو تقاضوا أو تصالحوا، وهي نوعان: عليا ودنيا.

  6. أ - ومقاصد التصرفات المالية يدل عليها مجيء الشريعة لحفظ نظام الأمة وتقوية شوكتها وعزتها. فلثروة الأمة في نظر الشريعة المكان السامي من الاعتبار والاهتمام، وللمال في نظر الشريعة حظ لا يُستهان به، وهو ليس منظوراً إليه بعين الشريعة إلا إغضاء أو أنه غير لاقٍ من معاملتها إلا رفضاً، لأن الشريعة لم تنهَ الناس عن اكتساب المال من وجوهه المعروفة، ولا تغبن أصحابَ الأموال ما يحصل لهم من الفضائل والدرجات بسبب أموالهم إن أنفقوها في مصارفها النافعة. وقد رأينا فيما تقدم أن حفظ الأموال معدود من كليات الشريعة الراجعة إلى القسم الضروري، وأن نظام الأموال وطرق دورانها هو معظم مسائل الحاجيات كما أن معظم قواعد التشريع المالية متعلقة بحفظ أموال الأفراد وآيلة إلى حفظ مال الأمة. والشريعة تضبط إدارة المال بأسلوب يحفظه موزعاً بقدر المستطاع، وتعين على نمائه في نفسه أو بأعواضه.

  7. ومال الأمة هو ثروتها، والثروة هي ما ينتفع به الناس آحاداً أو جماعات في جلب نافع أو دفع ضار، والكسب لا يعدّ ثروة إلا إذا صلح للانتفاع به مدداً طويلة.

    vol. 2, p. 570
  8. وتتقوّم صفة المال بخمسة أمور، هي: قابليته للادخار، وكونه مرغوباً في تحصيله، وقابلاً للتداول، ومحدود المقدار، ومكتسباً.

  9. ولثراء الأمة والأفراد طريقان، هما: التملك والتكسب. فالتملك أصل للإثراء البشري وهو اختصاص، يدأب المرء على تحصيله قوتاً ووقوداً ومسكناً وركوباً وسلاحاً وزينةً. وأسبابه في الشرع ثلاثة: الاختصاص، والتبادل في العوض، والانتقال من مالك إلى غيره.

  10. والتكسب هو معالجة ما يسد الحاجة، وأصولهُ: الأرض، والعمل، ورأس المال.

  11. والمعاملات المالية بعضها راجع إلى التملك كبيع دار للسكنى والأطعمة المأكولة، وبعضها راجع إلى التكسب كبيع أرض الحراثة وأشجار الزيتون.

  12. والمقصد الشرعي في الأموال كلها خمسة: رواجها، ووضوحها، وحفظها، وثباتها، والعدل فيها.

  13. ومن أهم أصول النظام في التعامل المالي وضع النقدين أعواضاً للتعامل.

  14. فالتعامل بالنقدين أيسر من التعامل بالأعيان، والنقدان عوضان صالحان بغالب أحوال البشر، يطلبان ولا يعرضان بخلاف بقية المتموّلات فإنها يلحقها العرض والطلب.

  15. ومن الواجب إبطال الاحتكار في الطعام لقول عمر: "لا حكرة في سوقنا" .

    vol. 2, p. 571
  16. وعقود التبرعات تقوم على أساس المواساة بين أفراد الأمة الخادمة لمعنى الأخوة. وهي تمثل مصلحة حاجية جليلة بها تحصل مساعفة المعوزين، وإغناء المقترين، وإقامة الجم من مصالح المسلمين، ومما يقصد من التبرعات الإغناء وإقامة المصالح المهمة.

  17. ومقاصد الشرع في التبرعات كثيرة: الأول: منها هو تكثيرها لما فيها من المصالح العامة والخاصة، والمقصد الثاني منها: أن تكون صادرة عن طيب نفس، والمقصد الثالث: التوسع في وسائل انعقاد التبرع حسب رغبة المتبرعين، والرابع: أن لا يكون التبرع ذريعة إلى إضاعة مال الغير من حق وارث أو دائن.

  18. ومقاصد الشريعة في المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان أساسها إنتاج الثروة للأفراد ولمجموع الأمة. فالعمل أحد أركان الثروة. ومن ثم لا يجوز أن توصد في وجوه الفريقين: العامل وصاحب المال، الطرقُ المثلى بوجه عادل. وتنعقد المعاملات على الأبدان بإجارة الأبدان، وبالمساقاة، والمغارسة، والمزارعة، والقراض، والجعل. وهذه العقود لا تخلو من غرر لعسر تقدير عمل التعاقد عليه، وعسر معرفة ما ينجر إلى العامل من الربح، وعسر انضباط ما ينجر إلى صاحب المال من إنتاج وعدمه.

  19. ومقصد الشريعة في هذه المعاملات الحياطة لجانب العملة، كي لا يذهب عملهم باطلاً أو مغبوناً. وقد التفت علماء الشريعة إلى ما ينبغي أن يوفر للعملة من حقوق، فجعلوها بالاستقراء ثمانية:

    ١ - تكثير المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان.

  20. ٢ - الترخيص في اشتمال عقود هذه الأعمال على الغرر المتعارف في أمثالها.

    vol. 2, p. 572
  21. ٣ - التحرز عما يثقل على العامل في هذه العقود.

  22. ٤ - العقود على عمل الأبدان يتم انعقادها بمجرد القول، ولكن ذلك يترتب على الشروع في العمل عند المالكية، في غير المساقاة، وهو في الجعل والقراض باتفاق، وفي المغارسة والمزارعة على الراجح.

  23. ٥ - إجازة تنفيل العملة بمنافع زائدة على ما يقتضيه العمل في ذلك.

  24. ٦ - التعجل بإعطاء عوض عمل العامل دون تأخير ولا نظرة ولا تأجيل.

  25. ٧ - إيجاد وسائل إتمام العمل للعامل، فلا يلزمه إتمامه بنفسه.

  26. ٨ - الابتعاد عن كل شرط أو عقد فيه شبهة استعباد العامل.

  27. ومما تحدث عنه الإمام الأكبر نوع من الشراكة في المزارعة تسمى بتونس شركة الخماس. ذكر صورتها وأحكامها وعقب على ذلك بكونها شركة منافية لمقاصد الشريعة لا محالة، وإن كانوا يزعمون أن الضرورة دعت إليها.

  28. ب - وفي أحكام الأسرة ومقاصدها يوزع صاحب المقاصد الأصول التشريعية في العائلة على ثلاثة أواصر فيجعل منها أحكاماً خاصة بآصرة النكاح، وأخرى خاصة بأحكام آصرة القرابة، وثالثة دعاها بأحكام آصرة الصهر أو المصاهرة، ثم ذكر ما تنقض به كل هذه الأواصر لما يعرض لها أو يصيبها من انحلال.

  29. فآصرة النكاح ليست مقصورة على داعية اقتراب الذكر من

    vol. 2, p. 573الأنثى في الجنس الإنساني. وإنما هي جذم نظام العائلة ينبني عليه اختصاص الرجل بالمرأة، والوثوق من انتساب نسلها إليه، وتتضاعف بها أسباب حصانة المرأة، ويضفي عليها عقد الزواج تشريفاً وتنويهاً في نظر الشرع ونظر الناس، يشهد له قول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (١) . وفي هذا ما يفاد اقتران الرجل بالمرأة المحرمة مثل نكاح الاستبضاع، ونكاح الرهط دون العشرة، ونكاح البغايا، وما يقوم منه على السفاح أو المخادنة أو الضماد، أو الزواج من المحَرّمات.

  30. ويتميز النكاح الشرعي بالحرص على تحقق رضا المرأة وأهلها، وتحقيق حُسن قصد الرجل من إخلاص المحبة ودوام المعاشرة. ويجب فيه المهر، وأن لا يكون العقد مدخولاً فيه على التوقيت والتأجيل. واشترطوا الولي، وقصر أبو حنيفة هذا على الصغير ومن في حكمه، ودعوا إلى الشهرة في النكاح لأن الإسرار به يقربه من الزنا، وحرم نكاح الشغار لخلوه من المهر، ووجب إنفاق الرجل على زوجه، وإن كانت غنية، وجعل الزوجية سبباً للتوارث، واعتُبِرَ الإخلال بحُسن المعاشرة، وبالقوامة مفضيين إلى فسخ عقدة النكاح بحكم الحاكم بالطلاق عند ثبوت الضرر.

  31. وأما آصرة النسب والقرابة فتبدأ بنسبة البنوة والأبوّة من نسب مقطوع به. وأبرز مسائلها المحرمية والنفقة وإبداء الزينة.

  32. والمحرمية ثلاثة أنواع: فقد قررت الشريعة المحرمية بالنسب فحرمت الأصول والفروع وصنوانَهم في النكاح، صوناً لهم مما

    vol. 2, p. 574يقتضيه الوطء من إذلال وإهانة لا يساير ما تقتضيه القرابة من وقار واحتشام، وحرمت الأخوة والأخوات قصد إيجاد معنى الوقار بينهما، وحرمت بالصهر أم الزوجة والربيبة إلحاقاً لها بالنسب، وحرمت الجمع بين الأختين لما قد يفضي إليه هذا الجمع في النكاح من الشقاق القاطع للرحم، وكذلك الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها لنفس السبب، وألحقت بهذه المحرمات محرمات الرضاع اللاتي نزلها الرسول - صلى الله عليه وسلم - منزلة المحرمات بالنسب.

  33. ويشمل التحريم أحوالاً أخرى كالملاعنة لتعذر حُسن المعاشرة بعدها، واختلاف الدين بين المسلم وتابعات الأديان غير السماوية، والمطلقة ثلاثاً لما قضى به الله، وتعدد الأزواج للمرأة الواحدة، والاقتصار على الأربعة من النساء للرجل. وذلك تقديراً لما في هذه المحرمات من أسباب اقتضى التشريع الإسلامي اعتبارها ومراعاتها.

  34. ولتقوية آصرة القرابة وردت أحكام النفقة على الآباء والأبناء وعلى الأجداد والأحفاد في بعض المذاهب، وشرع الميراث باتفاق بسببها على الجملة. وحفت بهذه الآصرة آداب وواجبات كالأمر ببر الوالدين، والاعتداد بصلة الأقارب وذوي الأرحام، والترخيص للمرء أدْ يطعم في بيته أقاربُه دون دعوة ولا إذن.

  35. ونهت الشريعة النساء عن إبداء زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو أباء بعولتهن أو بناتهن أو أبناء بعولتهن، وكذلك لأخواتهن وبني إخوانهن وبني أخواتهت، وأثبتت لآصرة النسب حقوق الميراث.

  36. وتنشأ آصرة الصهر من آصرتي النكاح والنسب. وتثبت هذه الآصرة للربائب وأخت الزوجة وعمتها وخالتها وأم الزوجة كما تكون

    vol. 2, p. 575بنكاح أهل آصرة القرابة كزوجة الابن وزوجة الأب. وجعلت للمصاهرة درجتان: قريبة وبعيدة. أما الأولى فهي الزوجة وابنتها فهما محرمتان على الزوج، وأبو الزوج وابنته منهما محرمان على الزوج، وكذلك حرمت زوجة الابن على الأب وزوجة الأب على الابن، والثانية، وهي المصاهرة البعيدة على مراتب، منها ما يحرم كالجمع بين الأختين والجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، ومنها ما لا يحرم لضعف آصرته.

  37. وفي ختام العرض للأواصر الثلاثة ذكر صور انخرامها ببيان طرق تعطيلها أو إبطالها.

  38. فانحلال آصرة النكاح يكون بالطلاق من الزوج، أو بطلاق الحاكم أو بالفسخ، وذلك عند تعسر استقامة المعاشرة وما يترتب على ذلك من ارتباكات تحل بالزوجين أو بالأسرة كلها.

  39. وإنما جعل الطلاق بيد الرجل لأنه في غالب الأحيان الأحرص على استبقاء الزوج، والأنفذ نظراً في مصلحة العائلة.

  40. وأعطيت المرأة حق الخُلع بطريق الرفع إلى الحاكم إن حصل لها ضرر وتكون به المفارقة.