الخاتمة
100 paragraphs · vol. 2, p. 557
Page 3 of 3
- vol. 2, p. 575
وفي بعض الأحوال تشترط المرأة أن يكون الطلاق بيدها، أو طلاق أمر الداخلة عليها بيدها، أو يكون أمرها بيدها إن أضر بها الزوج. واختلف في الشروط اللاحقة بعقدة النكاح. وقال مالك: الشرط إذا انعقد عليه النكاح يكون شرطاً باطلاً غير لازم، وإن وقع طوعاً من الزوج بعد عقدة النكاح لزم.
-
أما انحلال آصرة النسب فإنها مبنية على انكشاف بطلان ما كان يظن أنه نسب، لأن النسب الثابت لا يقبل انحلالاً ولا إسقاطاً.
- vol. 2, p. 576
ويكون إثبات النسب الحق بالبينة الظاهرة أو بالإقرار الذي لا تهمة فيه.
-
أما في آصرة الصهر فانحلالها تابع لانحلال آصرة أصل منشئه. ويكون الانحلال فيها تاماً في مثل أخت المرأة وعمتها وخالتها إذا انفكت عصبة المرأة بموت أو طلاق، ومنها لا انحلال فيه مثل أم الزوجة وزوجة الأب وزوجة الابن والربائب.
-
افتتح الشيخ ابن عاشور حديثه عن الحقوق بفصول تتعلق بهذا الغرض فذكر مقصد الشريعة من تعيين أنواع الحقوق لمستحقيها. وصرّح بأن الشريعة لم تترك هذا الأمر للصدفة أو للقوة والقهر، ولكنها نصت في تعيين أصحاب الحقوق وبيان أولوية بعض الناس ببعض المستحقات على انتهاج طريق فطري عادل يضمن الاقتناع ويحقق العدل. وجماع أصول تعيين الحقوق التكوين أو الترجيح. فأما التكوين فهو يرجع إلى كون أصل الخلقة قد أوجد الحق وكوّن صاحبه، وقرن بينهما، وأما الترجيح فبإظهار الأولية في إثبات الحق لأحد الطرفين، ويكون هذا بحجة العقل أو بالحجة المقبولة بين الناس، أو بجملة من المرجحات الاصطلاحية. وبالاستقراء توصل الإمام إلى جعل الحقوق متنوعة إلى تسع مراتب. وقد تقدم تفصيل ذلك في محله.
-
إن في تعيين المستحقين ما يعين القضاء، عند الفصل بين الخصوم، على إيصال الحق إلى صاحبه. ومن مقاصد الشريعة اشتمال نظام هيأة القضاء في الجملة على ما فيه إعانة على إظهار الحق وقمع الباطل. والقاضي هو أهم أركان القضاء. وهو الذي يتولى إبلاغ الحقوق إلى طالبيها. ولا يكون ذلك إلا مع أصالة الرأي
vol. 2, p. 577والعلم والسلامة من نفوذ الغير عليه في قضائه، والعدالة.
-
وإذا كانت الحقوق في هذا العالم معرضة للاغتصاب بدافع الغضب أو الشهوة أو معرضة لسوء الفهم وللجهل والتناسي، فإن في إقامة ولاة لأمور الأمة، وإقامة سلطة تعينهم على التنفيذ ما يكون به نشر العدل وحفظ الحقوق. ورجح العلماء، نفياً للحرج واطمئناناً للمتقاضين، أن يتولى القاضي التصريح بمستنده في الحكم.
-
واختلفوا فيمن يولَّى هذا المنصب الجليل. قال ابن القاسم: لا يستقضى من ليس بفقيه. وقال أصبغ وأشهب ومطرف وابن الماجشون: لا يصلح كون القاضي صاحب حديث لا فقه معه ولا صاحب فقه لا حديث معه. وقال ابن عبد البر: لا يولّى القضاء إلا من كان موثوقاً في دينه وعلمه وفهمه. فالقضاء أمانة، ومن شرطه القدرة على فهم مدركات المسائل وعللها.
-
وإلى جانب هذا قواعد وآداب أخرى كثيرة تلزم القاضي والشهود وغيرَهم. فمن ذلك أنه ليس من طريق لحمل طبقات الأمة على الاقتناع بأحكام القاضي غير الأخذ بالأصلح من مجموع أقوال العلماء. وأن في تطوير الإجراءات في مجال القضاء بحسب ما تدعو إليه الحاجة ما حمل الفقهاء على إضافة جملة من الضوابط والشروط في أحكام المرافعات ما كان السلف يرعونها.
-
وعلى القضاة أن يسعوا إلى فصل القضايا في آجال محدودة نسبياً. فالإبطاء بإيصال الحق إلى صاحبه عند تعيينه يثير مفاسد كثيرة، كما أن الإسراع بالفصل بين الخصمين وحده ليس محموداً إذا لم يكن الفصل قاطعاً يمنع أن تعود المنازعة.
-
والمنوط بهم تنفيذ أحكام الشريعة، في خصوص إيصال
vol. 2, p. 578الحقوق إلى أصحابها على نحو ما رسمته الشريعة تأصيلاً وتفريعاً، هم القضاة وأهل الشورى وأعوانهم وما تتألف منه طرق أقضيتهم من بيّنات ورسوم. وقول عمر بن الخطاب في هذا هو الفصل: فاقض إذا فهمت وأنفذ إذا قضيت.
-
أما العقوبات فإن التحقق من إقامتها على الجناة على قواعد معلومة يؤيس أهل الدعارة من الإقدام على إرضاء شهواتهم بارتكاب الجنايات. والزواجر والعقوبات والحدود لم تشرع إلا من أجل إصلاح حال الناس. وأكبر مقاصد الشريعة هو حفظ نظام الأمة والتوصل بالعقاب إلى تأديب الجاني وإرضاء المجني عليه وزجر المعتدي.
-
ونحن بعد أن استعرضنا أكثر ما ورد بكتاب مقاصد الشريعة من الموضوعات تاركين ما اختصرناه من ذلك إلى همة الدَارس والمُطالع للكتاب مثل قضية الذرائع والتحيل والوازع بأنواعه وصور تحكيمه نؤكد على جملة مما ورد من مسائل في التمهيد وفي الأقسام الثلاثة من الكتاب، مبدين بذلك كمال التنسيق بين أغراضه، وحُسن الترتيب لموضوعاته، ومشيرين إلى ظواهر مميزة لطريق الإمام الأكبر في معالجته لمسائله.
-
وهي أولاً كثرة الأمثلة والفروع التي خصصناها بجدول جامع تقديراً لأهميتها ولربطه فيها بين الأحكام والأدلة والمقاصد. وثانياً ما أظهره من عناية بالقواعد والمقاصد.
-
وقضية المقاصد عرضت لنا في موضعين الأول عند ذكر المؤلف سبقها في الوجود لحكم أصول الفقه، وبيانه مدى استعانة الفقهاء بها، والخلوص منها إلى الأحكام. وذلك قوله: تُمَكّن
vol. 2, p. 579القواعد العارف بها من انتزاع الفروع منها، أو من انتزاع أوصاف تؤذن بها تلك الألفاظ، يمكن أن تجعل تلك الأوصاف باعثاً على التشريع، كما تمكن تلك القواعد المتضلع فيها من تأييد فروع انتزعها الفقهاء بواسطة تلك القواعد مقبولة في نفوس المزاولين لها من مقلدي المذاهب.
-
وتولى بعد هذا بيان موضوعاتها بقوله: وقصارى ذلك أنها تؤول إلى محامل ألفاظ الشارع في انفرادها واجتماعها وافتراقها حتى يقربَ فهم المتضلع فيها من أفهام أصحاب اللسان العربى القح كمسائل مقتضيات الألفاظ وفروقها من عموم وإطلاق، ونص، وظهور وحقيقة واطراد، وكمسائل تعارض الأدلة الشرعية من تخصيص وتعيين وتأويل وجمع وترجيح. وقد قصروا مباحثها على ألفاظ الشريعة، على المعاني التي أنبأت عليها الألفاظ، وهي علل الأحكام القياسية. وقد نفى المؤلف في غضون هذه المقالة بيان الحكمة أو القصد. وذلك قوله: فهي في تصاريف مباحثها بمعزل عن بيان حكمة الشريعة وعن مقاصدها العامة والخاصة في أحكامها.
-
وقد ضمّ العز بن عبد السلام في كتابه القواعد الكبرى المقاصد إلى القواعد، كما أنه لم يتعرض إلى القواعد الفقهية خاصة. فهي عنده لم تبلغ العشرين. وقد جعل منها: قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد، وقاعدة تعذر العدالة في الولايات، وقاعدة الحقوق الخالصة والمركبة، وقاعدة حقائق التصرفات، وقاعدة ما يوجب الضمان والقصاص، وقاعدة اختلاف التصرفات لاختلاف المصالح. وهو فيما يبدو قد جعل كتابه قائماً على بيان القواعد المتعلقة بالمصالح والمفاسد وما يتصل بها، متوسعاً في ذلك، معلناً عنه في مقدمة كتابه القواعد. وهو بذلك مخالف لما سار عليه الدبوسي في
vol. 2, p. 580تأسيس النظر، والقرافي في الفروق، والزركشي في المنثور، والمقري في قواعده بقوله: الغرض من وضع هذا الكتاب بيانُ مصالح الطاعات والمعاملات وسائر التصرفات، ليسعى العبادُ في كسبها، وبيان مقاصد المخالفات، ليسعى العبادُ في درئها، وبيانُ مصالح المباحات، ليكونَ العبادُ على خِيَرَةِ منها، وبيانُ ما يقدم من بعض المصالح على بعض، وما يؤخر من بعض المفاسد عن بعض، مما يدخل تحت أكساب العباد، دون ما لا قُدرةَ لهم عليه، ولا سبيل لهم إليه (١) .
-
ولحاجة صاحب مقاصد الشريعة إلى ذكر القواعد بحسب ما تقتضيه طبيعة عمله لم يقتصر في كتاب المقاصد على إدراج القواعد الفقهية أو الأصولية لديه بل تجاوز ذلك كما فعل العز بن عبد السلام، إلى الغرض العام منها معتمداً على ما ذهب ليه التهانوي في تعريفه له بقوله: القواعد ترادف الأصل والقانون والمسألة والضابط والمقصد. ويتضح ذلك مما جمعناه منها وإن تباينت صيغه.
- its page on Shamela
شَيخُ الْإِسْلَامِ الإِمَامِ الْأَكْبَرِ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عَاشُور
وَكتابه مَقَاصِد الشَّرِيعَة الإسلامية
الْجُزْء الثَّالِث
مَقَاصِد الشَّرِيْعَةِ الإسْلاميَّةِ
لشَيخِ الْإِسْلَامِ الإِمَامِ الْأَكْبَر مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عَاشُور
تَحْقِيق وَمُراجَعَة
الشَّيْخ مُحَمَّد الحبيب ابْن الخوجة
طُبِعَ على نَفَقَةِ
حَضْرَة صَاحبِ السُّمُوِّ
الشَّيْخ حمد بن خَليفَة آل ثَانِي أَمِير دولة قطر - حَفِظَهُ الله -
بإشرافِ وزارةِ الْأَوْقَاف والشؤونِ الإسلاميَّة
- vol. 3, p. 4
طبعَة وزارةِ الْأَوْقَاف والشؤونِ الإسلاميَّة
دوْلة قطَر
عَلَى نَفَقَةِ
حَضْرَة صَاحبِ السُّمُوِّ
الشَّيْخ حمد بن خَليفَة آل ثَانِي أَمِير دولة قطر - حَفِظَهُ الله -
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة
١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م
vol. 3, p. 5بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ