د - طريقة السلف في رجوعهم إلى مقاصد الشريعة وتمحيص ما يصلح لأن يكون مقصودا لها

14 paragraphs · vol. 3, p. 66

  1. وهذا المبحث يتنزل منزلة طريق من طرق إثبات المقاصد الشرعية، ولكنّي لم أعدّه في عدادها من حيث إني لم أجد حجّة في كل قول من أقوال السلف، إذ بعضها غير مصرِّح صاحبُه بأنه راعى في كلامه المقصد، وبعضها فيه التصريح أو ما يقاربه، ولكنّه لا يعدّ بمفرده حجّة لأن قصاراه أنّه رأي من صاحبه في فهم مقصد الشريعة.

    vol. 3, p. 66
  2. ولكنّ مناط الحجّة لنا بأقوالهم أنها دالة على أن مقاصد الشريعة على الجملة واجبة الاعتبار، وأن أقوالهم أيضاً لما تكاثرت قد أنبأتنا بأنهم كانوا يتقصَّون بالاستقراء مقاصد الشريعة من التشريع. ولقد أحببت أن أمثّل في هذا المبحث بأمثلة كثيرة يتجلَّى بها للناظر مقدارُ اعتبار سلف العلماء لهذا الغرض المهم. وفيه ما يعرفك بأن أكثر المجتهدين إصابة، وأكثرَ صواب المجتهد الواحد في اجتهاداته يَكونان على مقياس غَوصِه في تطلّب مقاصد الشريعة. وسنشرح ذلك في أبواب القسم الأول (١) .

  3. المثال الأول: روى جابر بن عبد الله وأبو هريرة ورافع بن خديج رضي الله عنهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كانت له أرض

    vol. 3, p. 67فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أَبَى فليمسك أرضه" (١) .

  4. فبلغ هذا الحديث عبد الله بن عمر، فذهب إلى رافع بن خديج فقال: قد علمتَ أنا كنا نكري مزارعنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما على الأَرْبِعاء (٢) وشيء من التبن. قال نافع: وكان ابن عمر يكري مزارعه على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان وصدراً من خلافة معاوية، ثم خَشِي عبدُ الله أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أحدث في ذلك شيئاً لم يكن يعلمه فترك كراء الأرض (٣) .

    vol. 3, p. 68وقال طاوُس عن ابن عباس: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينه عنه، ولكنه قال: "أن يمنح أحدكم أخاه خيرٌ له من أن يأخذ شيئاً معلوماً" (١) فحمله على أمر الترغيب والكمال.

  5. وبذلك أخذ البخاري. فقال في صحيحه: باب ما كان [من] أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يواسي بعضهم بعضاً [في الزارعة والثمرة] (٢) . وأخرج حديث رافع بن خديج عن عمه ظُهَير بن رافع: "لقد نهانا رسول الله عن أمر كان بنا رافقاً" . قلت: ما قال رسول الله فهو حق. قال: دعاني رسول الله، قال: "ما تصنعون بمحاقلكم؟ " قلت: نؤاجرُها على الربع، وعلى الأوسق من التمر والشعير. فقال: "لا تفعلوا، ازرعوها أو أَزرِعوها أو أمسكوها" . قال رافع: قلت: سمعاً وطاعة (٣) . فأشار البخاري في ترجمة الباب - التي هي دأبه

    vol. 3, p. 69وفقهه (كما قالوا) - إلى أن ذلك من قبيل المواساة، والمواساة لا تجب ولا يقضى بها.

  6. وفسَّر مالك بن أنس في الموطأ النهي عن المحاقلة بأنها كراء الأرض بالحنطة (١) ، واشتراء الزرع بالحنطة (٢) .

  7. وقال، ابن شهاب: سألت سعيد بن المسيب عن استكراء الأرض بالذهب والورق، فقال: لا بأس بذلك (٣) .

    وقال البخاري، قال الليث: "أرى أن ما نُهي عنه من كراء الأرض، ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه، لما فيه من المخاطرة" (٤) . فجعل مَحملَ النهي ما كان منها آيلًا إلى بيع ممنوع، جمعاً بين الأدلة.

  8. وفي باب من شهد بدراً من مغازي صحيح البخاري: عن الزهري عن سالم عن رافع بن خديج: "أن رسول الله نهى عن كراء المزارع" ، قال الزهري: قلت لسالم: أتكريها أنت؟ قال: نعم، إن رافعاً أكثر على نفسه (١) .

    vol. 3, p. 70
  9. ويظهر أن رافع بن خديج لما أكثر الصحابة من مخالفته تأوَّل

    vol. 3, p. 71روايته. ففي كتاب المزارعة من صحيح البخاري عن رافع بن خديج قال: "كنا أكثر أهل المدينة مُزْدَرعاً، كنا نكري الأرض بالناحية منها مسمًّى لسيد الأرض، [قال:] فممّا يصاب ذلك وتسلمُ الأرض، ومما تصاب الأرض ويسلم ذلك، فنهينا. وأما الذهب والورِق فلم يكن يومئذ" (١) اهـ. فجعل محمل النهي ما في عقود قومه من المخاطرة.

  10. المثال الثاني: أخرج البخاري في باب وفد اليمن: "إن خباب بن الأرتّ جاء إلى عبد الله بن مسعود وفي أصبعه خاتم من ذهب. فقال له ابن مسعود: أما آن لهذا الخاتم أن ينزع؟ ! فقال له خباب: أما إنك لا تراه عليّ بعد اليوم. فنزعه" (٢) اهـ. قال العلماء: كان خباب يرى نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لبس خاتم الذهب نهيَ تنزيه لا نهيَ تحريم. ولذلك كان ابن مسعود يحاوره في نزعه، ويستبطئ تريُّث خباب عن نزعه، إلى أن رضي خباب بنزعه إرضاء لصاحبه، ولم يكن تغيير ابن مسعود عليه بلهجة تغيير المُنكِر.

  11. المثال الثالث: أخرج مالك في الموطأ حديث: "البيعان بالخيار ما لم يفترقا" (٣) ثمّ عقّبه بقوله: وليس لهذا عندنا حد محدود

    vol. 3, p. 72ولا أمر معمول به [فيه] (١) ، أي في تقدير مدّة عدم تفرّقهما ولم يقل به مالك في مذهبه. وعلّلوا ذلك بمنافاته لمقصد الشارع من بتّ العقود. فمحمل الافتراق عنده أنه الافتراق بالقول وهو صدور صيغة البيع [الإيجاب دون القبول] .

  12. المثال الرابع: ذكر أبو إسحاق الشاطبي في المسألة الثانية من كتاب الأدلة عن ابن العربي (٢) قال: "إذا جاء خبر الواحد معارضاً لقاعدة من قواعد الشرع هل يجوز العمل به [أم لا] ؟ فقال أبو حنيفة: لا يجوز العمل به (٣) . وقال الشافعي: يجوز. [وتردّد مالك في

    vol. 3, p. 73المسألة، قال: ] ومشهور قوله، والذي عليه المعوَّل: أن الحديث إن عضدته قاعدة أخرى قال به، وإن كان وحده تركه (١) . وقد رد مالك حديث المُصرَّاة (٢) ؛ لمَّا رآه مخالفاً للأصول، [فإنه قد خالف أصل

    vol. 3, p. 74(الخراج بالضمان) ] (١) ، ولأن متلف الشيء إنما يغرم مثله أو قيمته،

    vol. 3, p. 75وأما غرم جنس آخر من الطعام أو العروض فلا.

  13. المثال الخامس: أخرج مالك في الموطأ [عن نافع] في تخمير المُحرم وجهه: "أن عبد الله بن عمر كفَّن ابنه واقدَ بنَ عبد الله، ومات بالجحفة مُحرماً، وخمّر رأسه ووجهه. وقال: لولا أنَّا حُرُم لطيّبناه. قال مالك: وإنما يعمل الرجل ما دام حياً، فإذا مات فقد انقضى العمل" (١) اهـ. أشار إلى أن المحرم إذا مات يطيب إن كان

    vol. 3, p. 76معه من الناس غيرُ مُحرم يجوز له مس الطيب (١) . وأشار إلى تأويل الحديث المروي في صحيح البخاري في المحرم الذي وقصته ناقته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تمسّوه بطيب" (٢) . والظاهر أن الراوي

    vol. 3, p. 77اشتبه عليه قوله: "لا تمسّوه بطيب" بأنه لأجل الميت، وإنما هو لأجل الأحياء الذين معه، أو هي خصوصية. وعلّة الرّد أن ذلك مخالف لتواعد الشريعة، وليس لورود خبر آخر يعارضه، إذ لم يُرو غيرُ ذلك.

  14. المثال السادس: أخرج مالك في الموطأ: "أن أبا حذيفة كان تبنّى سالماً وكان يرى أنه ابنه. فلما نزل قوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} (١) جاءت سَهلة بنت سُهيل زوجُ أبي حُذيفة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: كنا نرى سالماً ولداً، وكان يدخل علي وأنا فُضُل (٢) ، وليس لنا إلّا بيت واحد، فماذا ترى في شأنه؟ فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أرضعيه خمس رضعات، فيحرم بلبنها" (٣) . وكانت تراه ابناً من الرضاعة. فأخذت بذلك عائشة [أم المؤمنين] فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال. [فكانت] تأمر أختها [أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق وبنات أخيها أن يرضعن من أحبّت أن يدخل عليها من الرجال] (٤) . وأبى سائرُ أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدخل عليهن بتلك

    vol. 3, p. 78الرضاعة أحدٌ [من الناس] وقلن: [لا والله] ما نرى الذي أمر [به] رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سهلةَ إلا رخصة [من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] في رضاعة سالم وحده. [لا] والله لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد "، قال مالك بعد ذلك: " وكان عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود لا يريان الرضاعة إلّا في الصغر في الحولين" (١) اهـ.