هـ - أدلة الشريعة اللفظية لا تستغني عن معرفة المقاصد الشرعية
7 paragraphs · vol. 3, p. 79
- vol. 3, p. 79
إن الكلام لم يكن في لغة من لغات البشر، ولا كان نوعٌ من أنواعه وأساليبه في اللغة الواحدة بالذي يكفي في الدلالة على مراد اللافظ دلالةً لا تحتمل شكاً في مقصده من لفظه، أعني: الدلالة المعبّر عنها بالنص الذي يفيد معنى لا يحتمل غيره (١) ، ولكن تفاوت
vol. 3, p. 80دلالة ألفاظ اللغات، ودلالة أنواع كلام اللغة الواحدة تفاوتاً في تطرّق الاحتمال إلى المراد بذلك الكلام. فبعض أنواع الكلام يتطرّقه احتمالٌ أكثر ممَّا يتطرق إلى بعض آخر، وبعضُ المتكلمين أقدر على نصب العلامات في كلامه على مراده منه من بعض آخر. ومن هنا وُصف بعضُ المتكلّمين بالفصاحة والبلاغة.
-
على أن حظ السامعين للكلام في مقدار الاستفادة منه متفاوت أيضاً؛ بحسب تفاوت أذهانهم، وممارستهم لأساليب لغة ذلك الكلام، ولأساليب صنف المتكلم بذلك الكلام.
-
وبذلك لم يستغنِ المتكلمون والسامعون عن أن تحف بالكلام ملامحُ من سياق الكلام، ومقام الخطاب، ومبيّناتٌ من البساط، لتتظافر تلك الأشياءُ الحافة بالكلام على إزالة احتمالاتٍ كانت تعرض للسامع في مراد المتكلم من كلامه. ولذلك تجدُ الكلامَ الذي شافه به المتكلم سامعيه أوضح دلالة على مراده من الكلام الذي بَلَّغَه عنه مبلَّغ، وتجد الكلامَ المكتوب أكثرَ احتمالاتٍ من الكلام المبلّغ بلفظه
vol. 3, p. 81بله المشافه به؛ من أجل فقده دلالة السياق وملامح المتكلّم والمبلّغ، وإن كان هو أضبط من جهة انتفاء التحريف والسهو والتصرف في التعبير عن المعنى عند سوء الفهم (١) .
-
ومن هنا يقصر بعض العلماء ويتوحّل في خَضخاض من الأغلاط حين يقتصر في استنباط أحكام الشريعة على اعتصار الألفاظ، ويوجّه رأيه إلى اللفظ مقتنعاً به، فلا يزال يقلَّبه ويحلّله ويأمل أن يستخرج لُبَّه. ويهمل ما قدمناه من الاستعانة بما يحفَ بالكلام من حافات القرائن والاصطلاحات والسياق. وإنّ أدق مقام في الدلالة وأحوجه إلى الاستعانة عليها مقام التشريع.
-
وفي هذا العمل تتفاوت مراتب الفقهاء، وترى جميعهم لم يستغنوا عن استقصاء تصرّفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا على استنباط العلل، وكانوا في عصر التابعين وتابعيهم يشدّون الرحال إلى المدينة ليتبصّروا من آثار الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأعماله وعمل الصحابة ومن صحبهم من التابعين. هنالك يتبيّن لهم ما يدفع عنهم احتمالات كثيرة في دلالات الألفاظ، وليتضح لهم ما يستنبط من العلل تبعاً لمعرفة الحكم والمقاصد. وفي هذا المقام ظهر تقصير الظاهرية وبعض المحدّثين المقتصرين في التَفَقُّه على الأخبار (٢) .
- vol. 3, p. 82
ولله درُّ البخاري إذ ترجم في كتاب الاعتصام من صحيحه بقوله: باب ما ذكَر النبي - صلى الله عليه وسلم - وحضّ على اتفاق أهل العلم، وما أجمع عليه الحَرَمان مكة والمدينة، وما كان بها من مشاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين والأنصار ومصلّى النبي والمنبر والقبر (١) . ثمّ أخرج
vol. 3, p. 83حديث عاصم قال: "قلت لأنس بن مالك: أبلغك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا حلف في الإسلام" (١) ؟ قال أنس: قد حالف النبي بين قريش
vol. 3, p. 84والأنصار في داري التي بالمدينة. يشير إلى إبطال الحديث المروي عن أم سلمة وعن جبير بن مطعم وعن ابن عباس. أخرجه أحمد والطبراني وابن حبان وأبو داود (١) . وفيه ما يحرر مقدار الاعتبار
vol. 3, p. 85. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- vol. 3, p. 86
بمذاهب الصحابة فيما طريقه النقل والعمل. فقد كانوا يسألون رسول الله إذا عرضت لهم الاحتمالات، وكانوا يشاهدون من الأحوال ما يبصرّهم بمقصد الشارع.