و - انتصاب الشارع للتشريع

70 paragraphs · vol. 3, p. 87

Page 1 of 2

  1. ممّا يهمُّ الناظرَ في مقاصد الشريعة تمييز مقامات الأقوال والأفعال الصادرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والتفرقةُ بين أنواع تصرّفاته.

    vol. 3, p. 87
  2. وللرسول عليه الصلاة والسلام صفات كثيرة صالحة لأن تكون مصادر أقوال وأفعال منه. فالناظر في مقاصد الشريعة بحاجة إلى تعيين الصفة التي عنها صدر منه قول أو فعل.

  3. وأول من اهتدى إلى النظر في هذا التمييز والتعيين العلامة شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، في كتابه: "أنوار البروق في أنواء الفروق" . فإنه جعل الفرق السادس والثلاثين بين قاعدة تصرّف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقضاء، وقاعدة تصرّفه بالفتوى - وهي التبليغ -، وقاعدة تصرفه بالإمامة (١) .

  4. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 3, p. 89وقال: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الإمام الأعظم، والقاضي الأحكم، والمفتي الأعلم. فهو - صلى الله عليه وسلم - إمام الأئمة وقاضي القضاة وعالم

    vol. 3, p. 90العلماء. [فجميع المناصب الدينية فوَّضها الله تعالى إليه في رسالته. وهو أعظم من كل من قد تولّى منصباً منها في ذلك إلى يوم القيامة] (١) . فما من منصب ديني إلّا وهو متَّصف به في أعلى رتبة، غير أن غالب تصرفه - صلى الله عليه وسلم - بالتبليغ، لأن وصف الرسالة غالب عليه. ثم تقع تصرّفاته - صلى الله عليه وسلم -: منها ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعاً؛ ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء؛ ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة؛ ومنها ما يختلف العلماء فيه لتردّده بين رتبتين فصاعداً. فمنهم من يغلب عليه رتبة، ومنهم من يغلب عليه أخرى.

    vol. 3, p. 88
  5. ثم تصرّفاته - صلى الله عليه وسلم - بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة. فكل ما قاله أو فعله على سبيل التبليغ كان ذلك حكماً عاماً على الثقلين إلى يوم القيامة. فإن كان مأموراً به أقدم عليه كل أحد بنفسه، وكذلك المباح. وإن كان منهياً عنه اجتنبه كل أحد بنفسه. وكل ما تصرّف فيه عليه السلام بوصف الإمامة لا يجوز لأحد أن يُقدِم عليه إلا بإذن الإمام، [اقتداء به عليه السلام] (١) ، ولأن سبب تصرّفه فيه عليه السلام بوصف الإمامة دون التبليغ يقتضي ذلك. وما تصرّف فيه - صلى الله عليه وسلم - بوصف القضاء لا يجوز لأحد أن يُقدِم عليه إلا بحكم حاكم، لأن السبب الذي لأجله تصرّف فيه - صلى الله عليه وسلم - بوصف القضاء يقتضي ذلك.

  6. وهذه هي الفروق بين هذه القواعد الثلاثة. وتحقيق ذلك بأربع مسائل:

    المسألة الأولى: بعث الجيوش، وصرف أموال بيت المال

    vol. 3, p. 91في جهاتها، وجمعها من محالِّها، وتولية الولاة، وقسمة الغنائم ... فمتى فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك شيئاً علمنا أنه تصرّف فيه بطريق الإمامة دون غيرها. ومتى فصل بين اثنين في دعاوى الأموال أو أحكام الأبدان ونحوها بالبيّنات أو الأيمان والنكولات ونحوها، فنعلم أنّه - صلى الله عليه وسلم - إنّما تصرَّف في ذلك بالقضاء دون الإمامة، وكل ما تصرّف فيه - صلى الله عليه وسلم - من العبادات بقوله أو فعله أو أجاب به سؤال سائل عن أمر ديني فأجابه فيه فهذا تصرف بالفتوى والتبليغ. فهذه المواطن لا خفاء فيها.

  7. وأما مواضع الخفاء والتردّد ففي بقية المسائل. وهي:

    المسألة الثانية قوله عليه الصلاة والسلام: "من أحيا أرضاً ميتة فهي له" (١) .

  8. اختلف العلماء في هذا القول هل هو تصرُّف بالفتوى فيجوز لكل أحد أن يُحيي أرضاً ولو لم يأذن له الإمام؟ وهذا قول مالك والشافعي، أو هو تصرّف بالإمامة فلا يجوز لأحد أن يُحيي إلّا بإذن الإمام؟ وهو مذهب أبي حنيفة (١) .

    vol. 3, p. 92
  9. المسألة الثالثة: قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهند بنت عتبة زوج أبي سفيان لما قالت له: "إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني وولدي ما يكفينا" ، فقال لها: "خذي من ماله ما يكفيك وولدَك بالمعروف" (١) .

    vol. 3, p. 93
  10. اختلف العلماء هل هذا تصرّف بطريق الفتوى فيجوز لكل من ظفر بحقه أو بجنسه أن يأخذه بغير علم خصمه به؟ أو هو تصرُّف بالقضاء، فلا يجوز لأحد أن يأخذ جنس حقّه أو حقَّه إذا تعذر أخذه من الغريم إلّا بقضاء قاضٍ؟ (١) .

    vol. 3, p. 94
  11. المسألة الرابعة: قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل قتيلًا فلْه سَلبهُ" (٢) .

  12. اختلف العلماء هل هذا تصرف بالإمامة؟ فلا يستحق القاتل سلَب المقتول إلّا أن يقول له الإمام ذلك. ورآه الشافعي تصرفاً بالفتوى. فلا يحتاج إلى إذن الإمام. هذا حاصل كلام

    vol. 3, p. 96الشهاب القرافي (١) .

    vol. 3, p. 95
  13. ومن ورائه نقول: إن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - صفات وأحوالًا تكون باعثاً على أقوال وأفعال تصدر منه. فبنا (٢) أن نفتح لها مشكاة تضيء في مشكلات كثيرة لم تزل تُعنت الخلق، وتشجي الحلق. وقد كان الصحابة يفرّقون بين ما كان من أوامر الرسول صادراً في مقام التشريع، وما كان صادراً في غير مقام التشريع. وإذا أشكل عليهم أمر سألوا عنه.

  14. ففي الحديث الصحيح أن بريرة لما أعتقها أهلها كانت زوجة لمغيثٍ العبد، فَمَلَكَتْ أمر نفسها بالعتق، فطلقت نفسها. وكان مغيث شديد المحبة لها، وكانت شديدة الكراهية له. فكلم مغيث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فكلّمها رسول الله في أن تراجعه. فقالت:

    vol. 3, p. 97أتأمرني يا رسول الله؟. قال: "لا، لكني أشفع" . فأبت أن تراجعه (١) . ولم يُثرّبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا المسلمون.

  15. وفي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله أنه مات أبوه عبد الله بن عمرو بن حرام وعليه دين. فكلم جابرٌ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أن يكلم غرماء أبيه أن يضعوا من دينه، فطلب النبي عليه الصلاة والسلام منهم ذلك، فأبوا أن يضعوا منه. قال جابر: "فلمّا كَلّمهم رسول الله كأنهم أُغروا بِي" (٢) . ولم يُثرّبهم المسلمون على ذلك. ونظائر ذلك ستأتي (٣) .

  16. على أن علماء أصول الفقه قد تعرّضوا في مسائل السنة النبوية

    vol. 3, p. 98إلى ما كان من أفعال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جِبِلِّياً أنه لا يدخل في التشريع (١) . وما ذلك إلّا لأنهم لم يهملوا ما كان من أحوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أثراً من آثار أصل الخلقة لا دخل للتشريع والإرشاد فيه. وتردّدوا في الفعل المحتمل كونه جِبِلِّياً وتشريعياً كالحج على البعير (٢) . وقد يغلط بعض العلماء في بعض تصرفات رسول الله

    vol. 3, p. 99عليه الصلاة والسلام فيعمد إلى القياس عليها قبل التثبت في سبب صدورها.

  17. وقد عرض لي الآن أن أعدّ من أحوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي يصدر عنها قول منه أو فعل - اثني عشر حالًا. منها ما وقع في كلام القرافي، ومنها ما لم يذكره.

  18. وهي: التشريع، والفتوى، والقضاء، والإمارة، والهدي، والصلح، والإشارة على المستشير، والنصيحة، وتكميل النفوس، وتعليم الحقائق العالية، والتأديب، والتجرّد عن الإرشاد.

  19. ١ - فأما حال التشريع فهو أغلب الأحوال على الرسول عليه الصلاة والسلام إذ لأجله بعثه الله، كما أشار إليه قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} (١) . وقرائن الانتصاب للتشريع ظاهرة، مثل خطبة حجة الوداع (٢) ، وكيف أقام مسمِّعين يُسمِّعون الناس ما يقوله رسول

    vol. 3, p. 100الله - صلى الله عليه وسلم - ( ١) ، ومثل قوله عليه الصلاة والسلام في حجّة الوداع: "خذوا عني مناسككم" (٢) ، وقوله عقب الخطاب: "ليبلغ الشاهدُ منكم

    vol. 3, p. 101الغائب " (١) .

  20. ٢ - وأما حال الإفتاء فله علامات، مثل ما ورد في حديث الموطأ والصحيحين عن عبد الله بن عمرو وعن ابن عباس: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف في حجة الوداع على ناقته بمنى للناس يسألونه، فجاء رجل فقال: لم أشعُرْ فحلقت قبل أن أنْحَر، فقال: "انحر ولا حرج" ، ثم جاء آخر فقال: نحرت قبل أن أرمي، قال: "ارم ولا. حرج" ، ثم أتاه آخر فقال: أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، قال: "ارم ولا حرج" . فما سئل عن شيء قُدَّم ولا أخَّر ممّا ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض إلّا قال: "افعل ولا حرج" (٢) .

  21. ٣ - وأما حال القضاء فهو ما يصدر حين الفصل بين المتخاصمين المتشادّين مثل قوله عليه الصلاة والسلام: "أمسك يا زبير حتى يبلغ الماء الجَدْر ثم أرسله" (١) .

    vol. 3, p. 102
  22. ومثل قضائه في خصومة الحضرمي والكندي في أرض بينهما الوارد في صحيح مسلم (٢) . فكلُ تصرُّفٍ كان بغير حضور خصمين

    vol. 3, p. 103فليس بقضاء، مثل ما في حديث هند بنت عتبة المتقدم (١) .

  23. ومن أمارات ذلك قول الخصم للرسول عليه الصلاة والسلام: اقضِ بيننا، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "لأقضين بينكما" . مثاله: ما في حديث الموطأ عن زيد بن خالد الجهني، قال: جاء أعرابي ومعه خصمه، فقال: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. وقال خصمه [وكان أفقه منه] : صدق، اقضِ بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم. وذكرا قضيتهما. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لأقضين بينكما بكتاب الله .. " (٢) إلخ.

  24. وقد استقصى الإمام محمد بن فرج مولى ابن الطلاع القرطبي معظم أقضية رسول الله في كتاب ممتع.

    vol. 3, p. 104
  25. وقوله: حين شكت إليه حبيبة بنت سهل الأنصاري زوجة ثابت بن قيس، وذكرت أنها لا تحبّه، فقال لها رسول الله عليه الصلاة والسلام: "أتردّين عليه حديقته؟ " قالت: كل ما أعطاني هو عندي، فقال رسول الله لثابت: "خذ منها" . فأخذ حديقته وطلقها (١) .

  26. وهذه الأحوال الثلاثة كلُّها شواهد التشريع، وليست التفرقة بينها إلا لمعرفة اندراج أصول الشريعة تحتها.

  27. والفتوى والقضاء كلاهما تطبيق للتشريع. ويكونان في الغالب لأجل المساواة بين الحكم التشريعي والحكم التطبيقي، بحيث تكون المسألة أو القضية جزئياً من القاعدة الشرعية الأصلية، بمنزلة لزوم

    vol. 3, p. 105المقدمة الصغرى للكبرى في القياس. وقد يكونان لأجل عموم وخصوص وجهي بين الحكم التشريعي العام وبين حكم المسألة أو القضية بأن يكون المستفتي قد عرض لفعله عارض أوجب اندراجه تحت قاعدة شرعية، لا لكون الفعل نفسه مندرجاً تحت قاعدة شرعية، بمنزلة لزوم إحدى القضيتين للأخرى في قياس المساواة المنطقي بواسطة مقدمة غريبة (١) .

  28. مثاله في الفتوى: النهي عن الانتباذ في الدُّبَّاء والحَنْتَم والمُزَفَّت والنَّقير (٢) ، فإن هذا النهي تعيّن كونه لأوصاف عارضة توجب تسرّع

    vol. 3, p. 106الاختمار لهذه الأنبذة في بلاد الحجاز. فلا يؤخذ ذلك النهي أصلاً يُحرّم لأجله وضعُ النبيذ في دباءة أو حنتمة مثلاً لمن هو في قطر بارد. ولو قال بعض أهل العلم بذلك لعرَّض الشريعة للاستخفاف.

  29. وكذلك القول في الأقضية مثل: قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة للجار (١) . فإن ذلك يُحمل على أن الراوي رأى جاراً قُضِي له بالشفعة ولم يعلم أنه شريك.

  30. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 3, p. 107
  31. ٤ - وأما حال الإمارة فأكثر تصاريفه لا يكاد يشتبه بأحوال الانتصاب للتشريع إلا فيما يقع في خلال أحوال بعض الحروب مِمَّا يحتمل الخصوصية، مثل: النهي عن أكل لحوم الحُمُر الأهلية في غزوة خيبر (١) . فقد اختلف الصحابة: هل كان نهيُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن

    vol. 3, p. 109أكل الحمر الأهلية وأمرُه بإكفاء القدور التي طبخت فيها نهيَ تشريع، فيقتضي تحريم لحوم الحمر الأهلية في كل الأحوال؟ أو نهيَ إمرة لمصلحة الجيش (١) ، لأنهم في تلك الغزوة كانت حمولتهم الحمير.

    vol. 3, p. 108
  32. وقد تقدم كلام الشهاب القرافي في الإذن بإحياء الموات (١) .

    vol. 3, p. 110
  33. وقد قال رسول الله عليه السلام يوم حنين: "من قتل قتيلاً فله سلَبُه" (٢) . رواه مالك في الموطأ و [رجاله] رجال الصحيح. فجعل مالك ذلك تصرّفاً بالإمارة. فقال: لا يجوز إعطاءُ السَّلَب إلّا بإذن الإمام، وهو من النفل، وهو خارج من الخمس الذي هو موكول لاجتهاد أمير الجيش. وبذلك قال أبو حنيفة أيضاً. وقال الشافعي وأبو ثور وداود: لا يتوقّف ذلك على إذن الإمام، بل هو حق للقاتل (٣) . فرأوه تصرّفاً بالفتوى والتبليغ.

  34. ٥ - وأمّا حالُ الهدي والإرشاد: فالهدي والإرشاد أعمّ من التشريع (٤) ؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قد يأمر وينهى.

  35. وليس المقصود العزم، ولكن المقصود الإرشاد إلى طرق الخير. فإن المرغّبات، وأوصاف نعيم أهل الجنة، وأكثر المندوبات من قبيل الإرشاد. فأنا أردت بالهدي والإرشاد هنا خصوصَ الإرشاد إلى مكارم الأخلاق وآداب الصحبة، وكذلك الإرشاد إلى الاعتقاد الصحيح.

    vol. 3, p. 111
  36. وفي الحديث الصحيح عن أبي ذر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "عبيدُكم خَوَلُكم جعلهم الله تحت أيديكم. فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليُلْبسْه مما يلبس، ولا يكلَّفه من العمل ما لا يطيق، فإن كلَّفه فليعنه" . قال الراوي: "لقيت أبا ذر وغلاماً له، وعلى غلامه حلّة، فقلت لأبي ذر: ما هذا؟ فقال: تعال أحدثْك إني ساببت عبداً لي، فعيّرته بأمه، فشكاني إلى رسول الله فقال رسول الله: أعيّرته بأمه يا أبا ذر؟ قلت: نعم، قال: إنك امرؤ فيك جاهلية، عبيدكم خَوْلُكم ... " (١) الحديث.

  37. ٦ - وأما حال المصالحة بين الناس فهو حال يخالف حال القضاء. وذلك مثل تصرّف رسول الله عليه الصلاة والسلام حين

    vol. 3, p. 112اختصم إليه الزبير وحميد الأنصاري في شِراج الحَرّة (١) كانا يسقيان به. فقال رسول الله للزبير: "اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك" . فلما غضب حميد الأنصاري قال رسول الله للزبير: "اسق ثم احبس حتى يبلغ الماء الجَدْر" (٢) . قال عروة بن الزبير: وكان رسول الله أشار برأي فيه سعة للزبير وللأنصاري، ثم استوعى رسولُ الله للزبير حقَّه في صريح الحكم (٣) .

  38. ومثل قضية كعب بن مالك حين طالب عبد الله بن أبي حدرد بمال كان له عليه، فارتفعت أصواتهما في المسجد، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا كعب وأشار بيده، أي ضع الشطر. فرضي كعب، فأخذ نصف المال الذي له على ابن أبي حدرد (٤) .

  39. ٧ - وأما حال الإشارة على المستشير فمثل: ما في حديث الموطأ: "أن عمر بن الخطاب حمل على فرس في سبيل الله، فأضاعه الرجل الذي أعطاه عمر إياه ورام بيعه، فرام عمر أن يشتريه، وظنّ أن صاحبه بائعه برُخص، فسأل عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله: " لا تشتره ولو أعطاكه بدرهم [واحد] ، فإن الراجع في صدقته كالكلب يعود في قيئه" (١) . فهذه إشارة من رسول الله على عمر. ولم يعلم أحد أن رسول الله نهى عن مثل ذلك نهياً علناً. فمن أجل ذلك اختلف العلماء في محمل النهي. فقال الجمهور: هو نهي تنزيه كي لا يتبع الرجل نفسه ما تصدق به فجعله لله. وحُمل على هذا قول مالك في الموطأ (٢) والمدونة (٣) لجزمه بأن ذلك البيع لو وقع لم

    vol. 3, p. 114يفسخ. وحمله في الموازية (١) على التحريم. ولم يقل إن البيع يفسخ، مع أنه لو كان نهي تحريم لأوجب فسخَ البيع، لأن أصل المذهب أن النهي يقتضي الفساد إلّا لدليل.

    vol. 3, p. 113
  40. وعلى هذا المحمل يُحمل عندي حديثُ بريرة حين رام أهلها بيعها، ورغبت عائشة في شرائها، واشترط أهلُها أن يكون ولاؤها لهم، وأبت عائشة ذلك، وأخبرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك كالمستشيرة. فقال لها: "لا عليك أن تشترطي لهم الولاء" (٢) . وفي رواية: "خذيها

    vol. 3, p. 115واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق " (١) . ففعلت عائشة ذلك. ثم خطب، رسول الله في الناس خطبة، قال فيها: " ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟! [ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط. قضاء الله أحق، وشرط الله أحق] . وإنما الولاء لمن أعتق" (٢) . فلو كان قوله لعائشة تشريعاً

    vol. 3, p. 116أو فتوى لكان الشرط ماضياً، ولَعَارَض قوله في الخطبة: "إنما الولاء لمن أعتق" . ولكنه كان إشارة منه على عائشة بحق شرعي حتى تسنَّى لها التحصيل عليه مع حصول رغبتها في شراء بريرة وعتقها. وهذا منزع في فهم هذا الحديث هو من فتوحات الله عليَّ. وبه يندفع كل إشكال حيَّر العلماء في محمل هذا الحديث (١) .