ز - مقاصد الشريعة مرتبتان: قطعية وظنية

21 paragraphs · vol. 3, p. 138

  1. على الباحث في مقاصد الشريعة أن يطيل التأمل ويجيد التثبت في إثبات مقصد شرعي. وإياه والتساهل والتسرع في ذلك، لأن تعيين مقصد شرعي كلي أو جزئي أمر تتفرع عنه أدلة وأحكام كثيرة في الاستنباط. ففي الخطإ فيه خطر عظيم.

    vol. 3, p. 138
  2. فعليه أن لا يعيّن مقصداً شرعياً إلا بعد استقراء تصرفات الشريعة في النوع الذي يريد انتزاع المقصد الشرعي منه، وبعد اقتفاء آثار أئمة الفقه ليستضيء بأفهامهم، وما حصل لهم من ممارسة قواعد الشرع، فإن هو فعل ذلك اكتسب قوةَ استنباط يَفهم بها مقصود الشارع.

  3. ثم هو بعد الاضطلاع بهذا العمل العظيم لا يجد الحاصل في نفسه سواءً في اليقين بتعيين مقصد الشريعة، لأن قوة الجزم بكون الشيء مقصداً شرعياً تتفاوت بمقدار فيض ينابيع الأدلة ونضوبها، وبمقدار وفرة العثور عليها واختفائها. وليس هذا التَّوَفُّر وضده بعالة على مقدار استفراغ جهد الفقيه الناظر واستكمال نشاطه، بل إن الأدلة علي ذلك متفاوتةُ الكثرة والقلة في أنواع التشريعات بحسب سعة وضيق الزمان الذي عرض في وقت التشريع، وبحسب كثرة وقلة الأحوال التي عرضت للأمة في وقت التشريع. ألا ترى أن مسائل العبادات والآداب الشرعية أكثرُ أدلةً وآثاراً عن الشارع من مسائل المعاملات والنوازل؟ إذ كان معظم التشريع قبل الهجرة مقصوراً على النوعين الأولين دون الثالث، لأن جهل الأمة في مبدأ أمرها بمعرفة الله ورسله واليوم الآخر والعبادات كان أعرق وأشد من جهلهم بطرائق الإنصاف في المعاملة.

    vol. 3, p. 139
  4. وعلى هذا فالحاصل للباحث عن المقاصد الشرعية قد يكون علماً قطعياً أو قريباً من القطعي، وقد يكون ظناً. ولا يعتبر ما حصل للناظر من ظن ضعيف أو دونه، فإن لم يحصل له من عمله سوى هذا الضعيف فليفرضه فرضاً مجرداً ليكون تهيئة لناظر يأتي بعده، كما أوصى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ قال: "فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" (١) .

  5. وإن أعظم ما يهم المتفقهين إيجادُ ثلةٍ من المقاصد القطعية، ليجعلوها أصلاً يصار إليه في الفقه والجدل. وقد حاول بعضُ النظار من علماء أصول الفقه أن يجعلوا أصولاً للفقه قطعية، فطفحت بذلك كلمات منهم، لكنهم ارتبكوا في تعيين طريقة ذلك. وأحسب أن أول من حاول ذلك إمام الحرمين في كتاب البرهان. فإنه قال في تفسير أصول الفقه: "إنها القواطع في عرف الأصولين" (١) . ولا شك أنه يعني بها القواطع من الأدلة السمعية؛ إذ لا سبيل إلى تحصيل القواطع العقلية إلّا في أصول الدين. ثم قال "وأقسامها: نص

    vol. 3, p. 141الكتاب، ونص السنة [المتواترة] ، والإجماع " (١) .

    قال المازري في شرحه على البرهان: "قيّد في الدليلين الأولين ولم يقيد في الإجماع لأمرين:

    أحدهما: أن يكون جعل الألف واللام في الإجماع للعهد، يعني الإجماع الذي هو حجة (أي قاطعة) .

    vol. 3, p. 140
  6. الثاني: أن الشروط المعتبرة في كون الإجماع حجة كثيرة، لا يمكن ضبطها إلّا بتفريع المسائل وتمهيد الأبواب (٢) ".

    ثم قال إمام الحرمين: "فإن قيل: تفصيل أخبار الآحاد والأقيسة لا يُلْفَى إلّا في أصول الفقه وليست قواطع. قلنا: حظ الأصولي إبانة القاطع في وجوب العمل بها، ولكن لا بد من ذكرها ليتبين المدلول ويرتبطَ الدليل به " (٣) .

  7. فجعل حظ القطعيّ من هذه الأمور الظنّية هو القطع، باعتبارها أدلة شرعية يجب العمل بها على الجملة، لا في تفصيل جزئياتها.

  8. وفي شرح شهاب الدين القرافي على المحصول - في المسألة الأولى من مسائل اللفظ في باب الأوامر-: "قال [الأبياري] في شرح البرهان: مسائل الأصول قطعيّة، ولا يكفي فيها الظن، ومُدركها قطعيّ، ولكنه ليس المسطور في الكتب، بل معنى قول العلماء: "إنها قطعيّة" أن من كثر استقراؤه واطلاعه على أقضية الصحابة [رضوان الله عليهم و] مناظراتهم وفتاواهم وموارد النصوص الشرعية ومصادرها،

    vol. 3, p. 142حصل له القطع بقواعد الأصول. ومتى قصر عن ذلك، لا يحصل له إلّا الظن. وإنما وضع العلماء هذه الظواهر في كتبهم ليبيّنوا أصل المدرك لا [أنها] مدرك القطع، فلا تنافي بين كون هذه المسائل قطعية وبين كون هذه النصوص لا تفيد إلّا الظن " (١) اهـ.

  9. وأبو إسحاق الشاطبي حاول في المقدمة الأولى من كتابه عنوان التعريف طريقةً أخرى لإثبات كون أصول الفقه قطعية. وهي طريقة لا يوصل منها إلّا قوله: "الدليل على ذلك أنها راجعة إلى كليات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي (أي: لو تحققنا رجوع شيء معين إلى تلك الكليات) . وأعني بالكليات: الضروريات والحاجيات والتحسينيات" (٢) .

  10. ثم ذهب يستدل على ذلك بمقدمات خطابية وسفسطائية، أكثرُها مدخول ومخلوط غير منخول.

  11. وقد تقدمت الإشارةُ إلى كلامهم في صدر هذا الكتاب. وذلك حاصلُ ما لسلفنا في هذا الغرض (٣) . وإنما قصدت منه التنوّرَ بأضواء أفهامهم، لتعلم إمكان استخلاص قواعد تحصل بالقطع أو بالظن القريب من القطع ولو كانت قليلة.

  12. على أننا غير ملتزمين للقطع وما يقرب منه في التشريع، إذ هو منوط بالظن. وإنما أردت أن تكون ثُلةٌ من القواعد القطعية ملجأً نلجأ إليه عند الاختلاف والمكابرة، وأن ما يحصل من تلك القواعد

    vol. 3, p. 143هو ما نسميه علم مقاصد الشريعة، وليس ذلك بعلم أصول الفقه.

  13. فأما المقاصد الظنية فتحصيلها سهل من استقراءٍ غيرِ كبير لتصرّفات الشريعة، لأن ذلك الاستقراء يكسبنا علماً باصطلاح الشارع وما يراعيه في التشريع. قال عز الدين بن عبد السلام في قواعده الفقهية - في مبحث ما خالف القياس من المعاوضات - بعد ذكر المثال الحادي والعشرين: "إن من عاشر إنساناً من الفضلاء الحكماء العقلاء، وفهم ما يُؤثره ويكرهه في كل وِرد وصَدْر، ثم سنحت له مصلحة أو مفسدة لم يعرف قولَه فيها، فإنه يعرف بمجموع ما عَهِده من طريقته وأَلِفه من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة" (١) .

  14. مثال المقاصد الشرعية القطعيّة: ما يؤخذ من متكرّر أدلة القرآن تكرراً ينفي احتمال قصد المجاز والمبالغة، نحو كون مقصد الشارع التيسير. فقد قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (٢) . فهذا التأكيد الحاصل بقوله: {وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} عقب قوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر} قد جعل دلالة الآية قريبة من النصّ. ويضمّ إليه قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (٣) ، وقوله: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} (٤) ، وقوله: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} (٥) ،

    vol. 3, p. 144وقوله: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} (١) ، وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} (٢) . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بعثت بالحنيفية السمحة" (٣) ، وقوله: "عليكم من الأعمال ما تطيقون" (٤) ، وقوله: "إن هذا الدين يسر وليس بالعسر" (٥) ، وقوله لمعاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: "يسّرا ولا تعسّرا" (٦) ،

    vol. 3, p. 145وقوله: "إنما بعثتم ميسِّرين" (١) .

  15. فمثل هذا الاستقراء يخول للباحث عن مقاصد الشريعة أن يقول: إن [من] مقاصد الشريعة: التيسير، لأن الأدلة المستقراة في ذلك كله عمومات متكررة، وكلها قطعية النسبة إلى الشارع، لأنها من القرآن، وهو قطعي المتن.

  16. ومثال المقاصد الظنية القريبة من القطعي ما قال الشاطبي في المسألة الثانية من الطرف الأول من كتاب الأدلة: "الدليل الظني إما أن يرجع إلى أصل قطعي ... مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: " لا ضرر ولا ضرار" (٢) ، فإنه داخل تحت أصل قطعي في هذا المعنى، فإن الضرر والضرار مبثوث منعه في الشريعة كلها، في وقائع جزئيات، وقواعد كليات، كقوله تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} (٣) ، وقوله: {وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} (٤) ، وقوله: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} (٥) .

  17. ومنها النهي عن التعدّي على النفوس والأموال والأعراض، وعن الغضب والظلم، وكل ما هو في المعنى إضرار وضِرار. ويدخل تحته الجنايةُ على النفس أو العقل أو النسل أو المال، فهو معنى في غاية العموم في الشريعة لا مراء فيه ولا شك " (١) اهـ.

    vol. 3, p. 146
  18. فإن الأدلة المذكورة في كلام الشاطبي - وإن كانت كثيرة إلّا أنها - أدلةٌ جزئيّة. والدليل العام منها وهو قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لا ضرر ولا ضرار " هو خبر آحاد وليس بقطعيّ النقل عن الشارع، لأن السنة غير المتواترة ليست قطعيّة المتن. وقد تقدّمت الإشارة إلى هذا في مبحث " طرق إثبات المقاصد الشرعية" (٢) من كتابنا هذا.

  19. واعلم أن مراتب الظنون في فهم مقاصد الشريعة متفاوتةٌ بحسب تفاوت الاستقراء المستند إلى مقدار ما بين يدي الناظر من الأدلة، وبحسب خفاء الدلالة وقوتها. فإن دلالة تحريم الخمر على كون مقصد الشريعة حفظَ العقول عن الفساد العارض دلالةٌ واضحة. ولذلك لم يكد يختلف المجتهدون في تحريم ما يصل بالشارب إلى حدِّ الإسكار.

  20. وأما دلالة تحريم الخمر على أن مقصد الشريعة سدُّ ذريعة إفساد العقل، حتى نأخذ من ذلك المقصد تحريم القليل من الخمر، وتحريم النبيذ الذي لا يغلب إفضاؤه إلى الإسكار، فتلك دلالةٌ خفية. ولذلك اختلف العلماء في مساواة تحريم الأنبذة لتحريم الخمر، وفي مساواة تحريم شرب قليل الخمر. فمن غلب ظنه بذلك سوّى بينهما

    vol. 3, p. 147في التحريم وإقامة الحد والتجريح به؛ ومن جعل بينهما فرقاً، لم يسوِّ بينهما في تلك الأمور.

  21. على أن لاحتمال قيام المعارضات لشواهد استقراء الفقيه أثراً بيَّناً في مقدار قوّة ظنّه وضعفه، كما تقرّر في علم الحكمة (١) . فإن صاحب هذا المقام تلوح له عند النظر شواهد الأدلة بيّنة لا يشذّ عليه منها شيء، أو إلا شيئاً قليلاً. فإن قصُر الاستقراء وامتد احتمال المعارض ضعف الظنُّ بالمقصد الشرعي.