ح - تعليل الأحكام الشرعية، وخلو بعضها عن التعليل وهو المسمى التعبدي
31 paragraphs · vol. 3, p. 148
- vol. 3, p. 148
إن الطريقة التي رسمها الفقهاء لأنفسهم في الاستدلال في الفقه وأصوله ألجأتهم بغير اختيار إلى الاقتصار على الاستدلال بألفاظ الكتاب، والسنة وبأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - وسكوته، وبالإجماع.
-
على أن تلك الأقوال قد تفيد أحكاماً كلّية مثل قوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (١) ، وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر} (٢) ، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (٣) ،
vol. 3, p. 149وقوله: "لا ضرر ولا ضرار" (١) .
-
وقد تفيد أحكاماً جزئيّة، وهو الغالب كقوله: "أمسك يا زبير حتى يبلغ الماء الجَدْر ثم أرسل إلى جارك" (٢) .
-
والفقهاء ينتزعون من كل ذلك فروعاً: إما بطريق تحقيق المناط (٣) في الأحكام الكليّة، لأن المنتزعات جزئياتٌ لتلك القضايا الكليّة؛ أو بطريق القياس في الأحكام الجزئيّة، لأن المنتزعات مشابهةٌ لتلك الجزئيات في وصف آذنت به أحكامُها، على تفاوت بين الملحقات بسبب ظهور الأوصاف التي بها الشبه وخفائها لتفاوت مسالك العلة. ثم عمدوا إلى أحكام ثبت صدورُها من الشارع في علم المجتهد وخفي عنه مرادُ الشارع منها، فاتَّهم علمه وبذل جهده في جنب سعة الشريعة فسمَّوه بالتعبّدي، أي أن الشريعة تعبدتنا بذلك الحكم، ولم تشرح مرادها منه في نظر ذلك المجتهد.
-
روى البخاري (٤) عن أبي الزناد أنه قال: "إن السُّنن ووجوهَ
vol. 3, p. 150الحق لتأتي كثيراً على خلاف الرأي، فما يجد المسلمون بدًّا من اتباعها. من ذلك: أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة " (١) .
-
وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب قال: "عجباً للعمة تُورَث ولا تَرِث" (٢) .
-
فكانت الأحكام عندهم قسمين: معلّل، وتعبّدي. وقد تفاوت المجتهدون في إثبات هذا النوع الأخير، غير أننا وجدنا الفقهاءَ الذين خاضوا في التعليل والقياس قد أوشكوا أن يجعلوا تقسيم أحكام الشريعة بحسب تعليلها ثلاثة أقسام:
١ - قسم معلّل لا محالة. وهو ما كانت علّته منصوصة أو مومأً إليها، أو نحو ذلك.
-
٢ - وقسم تعبّدي محض. وهو ما لا يُهتدى إلى حكمته.
-
٣ - وقسم متوسّط بين القسمين. وهو ما كانت علّته خفيّة، واستنبط له الفقهاء علّة، واختلفوا فيه، كتحريم ربا الفضل في الأصناف الستة (٣) ، وكمنع كراء الأرض على الإطلاق عند القائلين
vol. 3, p. 151بالمنع على الإطلاق من الصحابة والتابعين (١) .
-
وفي إثبات هذا النوع من العلل خطر على التفقه في الدين. فمن أجل إلغائه وتوقّيه مالت الظاهرية إلى الأخذ بالظواهر ونفوا القياس. ومن الاهتمام به تفنّنت أساليب الخلاف بين الفقهاء، وأنكر فريق منهم صحّة أسانيد كثير من الآثار.
-
ولقد نرى كثيراً من الفقهاء الذين جعلوا من أصولهم التمسكَ بظاهر لفظ الشارع، أو بالوصف الوارد عند التشريع، لم يسلَموا من
vol. 3, p. 152الوقوع فيما يشبه أحوال أهل الظاهر من الاعتبار بالتعبّد.
-
مثاله ما وقع لبعض الفقهاء من القول في آية القتل العمد الموجبة للقَود. فقد نُقِل عن بعضهم أنه أخذ بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كل شيء خطأٌ إلا السيف" (١) .
-
وعندي أنه أخذ بالصفة التي كانت الغالبة على آلات القتل في الزمن الذي ورد فيه حكم القود وهي السيف. ثم ألحق بالسيف كل آلة محدّدة بطريق القياس في وصف الأصل، ثم ألحق الخنق المزهق للروح، والحرق بالنار، والذبح بالقصب بطريق القياس أيضاً. وَوَقف عند ذلك. فنَفى القصاص في القتل برمي صخرة صماء من علو على جالس تحته، والقتل بضرب الرأس بدبوس، والإغراق مكتوفاً، والتجويع أياماً متوالية. وما ذلك إلّا لأنه جعل أصله في هذا الحكم اللفظ أو الوصف دون المقصد (٢) .
-
وأنت إذا نظرت إلى أصول الظاهرية تجدهم يوشكون أن ينفوا عن الشريعة نوط أحكامها بالحكمة، لأنهم نفوا القياس والاعتبار
vol. 3, p. 153بالمعاني, ووقفوا عند الظواهر فلم يجتازوها. ولذلك ترى حِجاجَهم وجدَلَهم لا يعدو الاحتجاجَ بألفاظ الآثار وأفعال الرسول وأصحابه. ويتجلّى ذلك واضحاً إذا طالعت كتاب "الإعراب عن الحيرة والالتباس الواقعين في مذاهب أهل الرأي والقياس" (١) لابن حزم. فقد كان هذا الأصل محورَ مناظراته مع أصحاب القياس.
-
على أن أهل الظاهر يقعون بذلك في ورطة التوقف عن إثبات الأحكام فيما لم يُروَ فيه عن الشارع حكم من حوادث الزمان. وهو موقف خطير يُخشى على المُتردّي فيه أن يكون نافياً عن شريعة الإسلام صلاحَها لجميع العصور والأقطار.
-
ورحم الله أبا بكر بن العربي (٢) ، إذ قال في كتاب العارضة - عند الكلام على حديث افتراق الأمة، وذَكَر مذهب الظاهرية، فأنشد فيهم أبياتاً، منها قوله -:
قالوا: الظواهرُ أصل لا يجوز لنا ... عنها العدولُ إلى رأي ولا نظر
إن الظواهر معدودٌ مواقعُها ... فكيف تحصي بيانَ الحكم في البشر (٣) !
-
ولذلك كان واجب الفقيه عند تحقق أن الحكم تعبّدي أن يحافظ على صورته، وأن لا يزيد في تعبديتها، كما لا يُضيع أصل التعبدية.
- vol. 3, p. 154
ومثال ذلك كله يتّضح في مسألة العول في الميراث. فمقادير الفرائض مثبتة بنصّ القرآن، متلقاةٌ عند الأمة بتلقّي التعبّدي، لأن الله أمر بذلك في قوله: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} (١) . فلم يُسِغ لنا زيادة في المقدار ولا نقصٌ على حسب زيادة النفع أو البر أو الصلة وقلّة ذلك. ثم لما نزل بالمسلمين حادثُ ميراثٍ كانت فرائض أصحاب الفرائض فيه أكثر من المال الموروث، وكان ذلك في زمن عمر، لم يتأخّر عمر عن استشارة الصحابة، وعن إعمال الرأي والتعليل في تلك المقادير بطريقة العول.
-
وتلك قضية امرأة ماتت وتركت زوجها وأمّها وأختها. فأشار العباس أو علي بن أبي طالب وقال: "أَرَأيتَ لو أن رجلاً مات وعليه لرجال سبعة دنانير، ولم يخلف إلّا ستة دنانير. أليس يُجعلُ المالُ سبعة أجزاء ويدخل النقص على جميعهم؟ " (٢) . فصوّبه عمر ومن حضر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فها هنا نراهم قد احتفظوا على معنى التعبد في أصل إعطاء الجميع على نسبة واحدة، وفي عدم إهمال البعض من الورثة، ولكنهم لم يحتفظوا على معنى التعبّد في المقادير لتعذّر ذلك، فأدخلوا التعليل في هذا المكان خاصة.
- vol. 3, p. 155
وكان عبد الله بن عباس يرى خلاف ذلك ويقول: من باهلني باهلته، إن الذي أحصى رملَ عالِج عدداً (يعني الله تعالى) لم يجعل للمال نصفاً ونصفاً وثلثاً، أي لم يجعل في الأجزاء نصفين وثلثاً. وقال: إن النقص يدخل على الأخت من مقدار فرضها لأنها أضعف من الزوج، ومن الأم؛ لأنها قد تنتقل من أن تكون ذاتَ فرض إلى أن تكون من العصبة، أي مع البنات. فأبى ابن عباس من إدخال التعليل، ومن نقص فرضي الأمّ والزوج، وجعل الأخت تأخذ البقية بطريقة أن المال قد نفد. فلم يُعمِل التعليل هنا، ولكنه أعمل شيئاً من الترجيح بالتنظير (١) .
-
وكان حقاً على أئمة الفقه أن لا يساعدوا على وجود الأحكام التعبّدية في تشريع المعاملات، وأن يوقنوا بأن ما ادُّعي التعبّد فيه منها إنما هو أحكام قد خفيت عللُها أو دقت. فإن كثيراً من أحكام المعاملات التي تلقاها بعض الأئمة تلقيَ الأحكام التعبدية قد عانى المسلمون من جرائها متاعب جمّة في معاملاتهم، وكانت الأمة في كبد على حين، يقول الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (٢) .
- vol. 3, p. 156
وعلى الفقيه أن يجيد النظر في الآثار التي يتراءى منها أحكام خفِيت عللُها ومقاصدها، ويمحّص أمرها. فإن لم يجد لها محملاً من المقصد الشرعي نظر في مختلف الروايات، لعله أن يظفر بمسلك الوهم الذي دخل على بعض الرواة، فأبرز مرويه في صورة تُؤذن بأن حكمه مسلوبُ الحكمة والمقصد.
-
وعليه أيضاً أن ينظر إلى الأحوال العامة في الأمة التي وردت تلك الآثار عند وجودها.
-
مثال ذلك في الأمرين حديث رافع بن خديج وأنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المحاقلة، أي كراء المزارع (١) .
-
فقد حمله ابن عباس على أن رسول الله لم ينه عنه، ولكنه قال: "لأنَ يمنح أحدُكم أخاه خيرٌ له من أن يأخذ خراجاً معلوماً" (٢) .
- vol. 3, p. 157
وحمله مالك وابن شهاب وابن المسيَّب على تفسير أبي سعيد الخدريّ: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المحاقلة. والمحاقلة: كراء الأرض بالحنطة. ولذلك ترجم هذا الحديث مع غيره في الموطأ بترجمة المزابنة والمحاقلة. فلم يَرَ للمحاقلة معنى غير هذا (١) .
-
وسلك بعض الصحابة والأئمة مسلك النظر إلى الحالة التي هي مورد النهي، وهي ما ورد في حديث رافع بن خديج في صحيح البخاري، قال: "كنا أكثر أهل المدينة مُزدَرعاً فكنا نكري الأرض بالناحية منها مسمًّى لسيد الأرض (أي بالزرع الذي يحصل في الناحية المعيّنة) فممّا يصاب من ذلك وتسلمُ الأرض (أي بقيتها) ، وممّا تصاب الأرض ويسلم ذلك (أي ما في الناحية المعيّنة لرب الأرض) فنُهينا عن ذلك. وأما الذهب والورِق فلم يكن يومئذ (٢) ، وفي رواية: فلربّما أَنبتَت هذه ولم تُنبت الأخرى" (٣) اهـ.
-
ولذلك قال الليث بن سعد: "كأنّ - بتشديد النون - الذي نهي عنه من ذلك - أي من كراء الأرض - ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه، لما فيه من المخاطرة" . رواه عنه البخاري في كتاب المزارعة (٤) .
- vol. 3, p. 158
واعلم أن أبا إسحاق الشاطبي ذكر في المسألتين: الثامنة عشرة والتاسعة عشرة من النوع الرابع من كتاب المقاصد كلاماً طويلاً في التعبد والتعليل معظمه غير محرر ولا متجه (١) . وقد أعرضت عن ذكره
vol. 3, p. 159هنا لطوله واختلاطه فإن شئت فانظره وتأمّله ثم اعرضه على ما ذكرتهُ لك هنا.
-
وجملة القول أن لنا اليقين بأن أحكام الشريعة كلها مشتملة على مقاصد الشارع، وهي حكم ومصالح ومنافع. ولذلك كان الواجب على علمائها تعرّفُ علل التشريع ومقاصده ظاهرها وخفيها فإن بعض الحكم قد يكون خفياً، وإن أفهام العلماء متفاوتة في التفطُّن لها. فإذا أعوز في بعض العصور الاطلاع على شيء منها فإن ذلك قد لا يعوز من بعد ذلك؛ على أنّ من يعُوزه ذلك يحقّ عليه أن يدعو نظراءه للمفاوضة في ذلك مشافهة ومراسلة، ليمكن لهم تحديد مقادير الأحكام المتفرعة من كلام الشارع. فإن هم فعلوا ذلك فاستمر عوزُ الكشف عن مراد الشارع وجب عليهم أن لا يتجاوزوا المقدار المأثور عن الشارع في ذلك الحكم، ولا يفرّعوا على صورته، ولا يقيسوا فلا ينتزعوا منه وصفاً ولا ضابطاً، لأن فوارق الأحوال المانعة من القياس تخفى عند عدم الاطلاع على العلة، ومن الفوارق مؤثر وغير مؤثر. وإذا جاز أن نثبت أحكاماً تعبّدية لا علّة لها ولا يُطلع على علّتها فإنّما ذلك في غير أبواب المعاملات المالية والجنائية. فأمّا هذان فلا أرى أن يكون فيها تعبّدي، وعلى الفقيه استنباط العلل فيها. ولذلك جزم مالك وأبو حنيفة والشافعي بالقياس على الأصناف الستة الربوية باستنباط علّة لتحريم ربا الفضل فيها، إلّا أن جميعهم إنّما استنبط لها علّة ضابطة، ولم يبينوا لها حكمة.
- vol. 3, p. 161
القسم الثاني
في
مقاصد التشريع العامة