يا - ليست الشريعة بنكاية
6 paragraphs · vol. 3, p. 292
- vol. 3, p. 292
لقد تأصَّل مما أفضنا به القول في مبحث سماحة الشريعة ونفي الحرج عنها ما فيه مَقنع من اليقين بأن الشريعة لا تشتمل على نكاية بالأمة. فإن من خصائص شريعة الإسلام أنها شريعة عملية تسعى إلى تحصيل مقاصدها في عموم الأمة وفي خويصة الأفراد. فلذلك كان الأهمُّ في نظرها إمكانَ تحصيل مقاصدها، ولا يتم إلا بسلوك طريقة التيسير والرفق. وأحسب أن انتفاء النكاية عن التشريع هو من خصائص شريعة الإسلام لما دل عليه القرآن من أنه قد أوقع النكاية ببعض الأمم في تشريع لها. قال الله تعالى {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} (١) . فدلَّ على أن تحريم بعض الطيبات على بني إسرائيل كان عقاباً لهم على ما صدر منهم من التوغّل في مخالفة الشريعة.
-
فالإسلام إذا رخّص وسهّل فقد جاء على الظاهر من سماحته، وإذا شدَّد أو نسخ حكماً من إباحة إلى تحريم أو نحو ذلك فلرَعْيِ صالح الأمة والتدرج بها إلى مدارج الإصلاح مع الرفق. فتحريم الخمر مقصود للإسلام من أول البعثة. وأما السكوت عليه مدة حتى بقي مباحاً ثم تحريمُه في وقت الصلاة فذلك تمهيد لتحريمه الباتّ (٢) .
- vol. 3, p. 293
ولذلك لم يجز أن تكون الزواجرُ والعقوباتُ والحدودُ إلَّا إصلاحاً لحال الناس بما هو اللّازم في نفعهم دون ما دونه ودون ما فوقه، لأنه لو أصلحهم ما دونه لما تجاوزته الشريعةُ إلى ما فوقه، ولأنه لو كان العقابُ فوق اللازم للنفع لكان قد خرج إلى النكاية دون مجرد الإصلاح. ولهذا كان معظم العقوبات أذًى في الأبدان لأنه الأذى الذي لا يختلف إحساس البشر في التألم منه، بخلاف العقوبة بالمال فإنها لم تَجِئْ في الشريعة، وإنما جاء غرم الضرر (١) . فلو نزلت الجنايات التي لم يثبت لها عقاب في الشريعة وكان الباعث عليها حب الاستكثار من المال لم يكن بعيداً في نظر المجتهد أن يعاقب عليها بمصادرة مالية، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عقاب رويشد الثقفي الذي كان اتخذ بيته حانة يجمع إليها الشِّرب لمعاقرة الخمر. فقد أمر عمر بحرق ذلك البيت (٢) ، وقد روى يحيى عن مالك أن تحرق بيت
vol. 3, p. 294الخمار (١) . ووقع في الواضحة عن مالك أنه رأى أن تُباع الدارُ التي تُجعل مأوى لأهل الفسوق (٢) . وقول ابن القاسم خلاف ذلك في المسألتين (٢) .
-
ومن قبيل العقوبة التي تتردد بين النكاية وبين كونها أذى في الناحية التي هي مثار الجناية القولُ بتأبيد تحريم المرأة المعتدّة على من يتزوجها في عدّتها ويبني بها فيها. وقد قضى به عمر بن الخطاب وقال به مالك (٣) . ومن الأئمة من يفسخ النكاح ولا يرى تأبيد التحريم. وهو أقرب (٤) . ولذلك استحسن بعض فقهاء المالكية أن
vol. 3, p. 295للقاضي إذا حكم بفسخ نكاح الذي يبني بالمعتدة في عِدّتها ألّا يزيد في حكمه تأبيد التحريم، إذ لعلهما يجري أمرهما على رأي من لا يرى تأبيد التحريم. وكذلك مسألة من يفسد المرأة على زوجها ويهرب بها ليتزوّجها (١) .
-
ولا يشكل على هذا ما في صحيح البخاري عن أبي هريرة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علم أن بعض أصحابه يواصل الصيام فنهاهم. فقال له رجل: يا رسول الله إنك تواصل. فقال: وأيُكم مثلي إِني أَبيت يطعُمني ربي ويسقيني. فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يوماً ثم يوماً ثم رأوا الهلال فقال لهم: لو تأخر الشهر لزدتكم" (٢)
- vol. 3, p. 296
كالمنكِّل بهم حين أبوا أن ينتهوا، لأن فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا لا يعدّ من التشريع العام، بل هو من تربية الأصحاب وخاصةِ الرجل. فهو من باب النصيحة لأصحابه لا من باب التشريع العام.