ي - المساواة
26 paragraphs · vol. 3, p. 279
- vol. 3, p. 279
ومن أول الأشياء التي تنشأ عن عموم الشريعة، ويتوقف النظرُ فيها على تحقيق معرفة عمومها ومواقع ذلك العموم وكيفيته، المساواةُ بين الأمة في تناول الشريعة أفرَادَها، وتحقيقُ مقدار اعتبار تلك المساواة ومقدار إلغائها.
-
ذلك أن المسلمين مستوون في الانتساب إلى الجامعة الإسلامية بحكم قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (١) . فمعنى الأخوة يشمل التساوي على الإجمال بجعل المسلمين سواءً في الحقوق المخوَّلة في الشريعة، بدون تفاوت فيما لا أثر للتفاوت فيه بين المسلمين من حيث إنهم مسلمون. فإذا علمنا أن المسلمين سواءٌ بأصل الخلقة واتحاد الدين تحققنا أنهم أحقاء بالتساوي في تعلق خطاب الشريعة بهم، لا يؤثر على ذلك التساوي مؤثرٌ من قوة أو ضعف، فلا تكون عزة العزيز زائدةً له من آثار التشريع، ولا ضعف الذليل حائلاً بينه وبين مساواته غيرَه في آثار التشريع.
-
وبناء على الأصل الأصيل، وهو أن الإسلام دين الفطرة، فكلُّ ما شهدت الفطرة بالتساوي فيه بين المسلمين، يفرضُ فيه التساوي بينهم. وكل ما شهدت الفطرة بتفاوت البشرية فيه فالتشريع بمعزل عن
vol. 3, p. 280فرض أحكام متساوية فيه. ويكون ذلك موكولاً إلى النظم المدنية التي تتعلق بها سياسةُ الإسلام لا تشريعه. ففي المقام الأول قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} (١) ، وفي المقام الثاني قول الله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} (٢) .
-
فالمساواة في التشريع للأمة ناظرةٌ إلى تساويهم في الخلقة وفروعها، ممَّا لا يؤثر التمايز فيه أثرًا في صلاح العالَم. فالناس سواء في البشرية "كلكم من آدم" (٣) ، وفي حقوق الحياة في هذا العالم بحسب الفطرة ولا أثَرَ لما بينهم من الاختلاف بالألوان والصور والسلائل والمواطن. فلا جرم نشأ عن هذا الاستواء فيما ذكر تساويهم في أصول التشريع، مثل حق الوجود المُعَبَّر عنه بحفظ النفس وحفظ النسب، وفي وسائل الحياة المعبَّر عنها بحفظ المال. ومن أول ذلك حقوق القرار في الأرض التي اكتسبوها أو نشأوا فيها مثل مواطن القبائل، وفي أسباب البقاء على حالة نافعة وهو المعبَّر عنه بحفظ العقل وحفظ العرض.
-
وأعظم ذلك حق الانتساب إلى الجامعة الدينية المعبَّر عنه بحفظ الدين. ووسائل كل ذلك ومكمَّلاته لاحقةٌ بالمُتوسَّل إليه وبالمكمَّل. فظهر تساوي الناس في نظر التشريع في الضروري
vol. 3, p. 281والحاجي، ولا نجد بينهم فروقاً في الضروري، وقلَّما نجد فروقاً في الحاجي، مثل سلب العبد أهلية التصرف في المال إلَّا بإذن سيده، وإنما تنشأ الفروق عند وجود موانع معتبرة تمنع اعتبار المساواة.
-
فالمساواة في التشريع أصلٌ لا يتخلّف إلَّا عند وجود مانع. فلا يحتاج إثباتُ التساوي في التشريع بين الأفراد أو الأصناف إلى البحث عن موجب المساواة، بل يكتفي بعدم وجود مانع من اعتبار التساوي. ولذلك صرّح علماء الأمة بأن خطاب القرآن بصيغة التذكير يشمل النساء. ولا تحتاج العباراتُ من الكتاب والسنة في إجراء أحكام الشريعة على النساء إلى تغيير الخطاب من تذكير إلى تأنيث ولا عكسَ ذلك (١) .
وفي صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أتبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ... " وقرأ آية النساء ... الحديث (٢) ... وإن الأصل في
vol. 3, p. 282الأفعال الصادرة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنها مشروعة للأمة حتى يدلَّ دليل على الخصوصية.
-
وموانع المساواة هي العوارض التي إذا تحقّقت تقتضي إلغاءَ حكم المساواة لظهور مصلحة راجحة في ذلك الإلغاء، أو لظهور مفسدة عند إجراء المساواة. وأعني بالعوارض اعتباراتٍ تلوح في أحوال معروضات المساواة، فيصير إجراءُ المساواة في أحوال تلك المعروضات غير عائد بالصلاح في بابه، ويكون الصلاح في ضدّ ذلك، أو يكون إجراء المساواة عندها - أي عند تلك العوارض - فساداً راجحاً أو خالصاً.
-
وليست تسميتُها بالعوارض مراداً منه أنها أمور عارضة مؤقتة، لأن هذه العوارض قد تكون دائمةً أو غالبةَ الحصول. وإنما تسميتُها بالعوارض من حيث أنها تبطل أصلاً منظوراً إليه في الشريعة نظراً أول فجعلت لأجل ذلك أموراً عارضة إذ كانت مُبطِلةً أصلاً أصيلاً، لأننا بيَّنا أن المساواة هي الأصل في التشريع.
-
وقاعدة اعتبار هذه الموانع واعتبار تأثيرها في منع المساواة أنَّ اعتبارها يكون بمقدار تحقّقها وبمقدار دوامها أو غلبة حصولها، وأنّ اعتبارها موانعَ للمساواة يكون في الغرض الذي من حقّها أن تمنع المساواة فيه لا مطلقاً. فالفضائل مثلاً تمنع مساواة الفاضل للمفضول في الجزاء والمنح، ولا تمنع مساواتَهما في الحقوق الأخرى.
-
والمرجِع في معرفة تقدير ما تمنع هذه الموانعُ التساويَ فيه هو إما المعنى الذي اقتضى المنع، وإما قواعد التقنين. فمعرفة مساواة العالِم بعلم مّا لمن ليس بعالِم به في آثار ذلك العلم ترجع إلى المعنى. وكذلك معرفةُ عدم مساواة غير المسلمين من أهل ذمّة
vol. 3, p. 283الإسلام للمسلمين في بعض الحقوق، مثل ولاية المناصب الدينية، ترجع إلى المعنى، لأن صلاح الاعتقاد من أصول الإسلام. فيكون اختلالُ اعتقاد غير المسلم موجباً انحطاطه في نظر الشريعة عن الكفاءة لولاية أمور المسلمين، لأن ذلك الاختلال لا ينضبط عندنا، فلا ندري مقدار ما ينجزُ للجامعة من تصرفاته إذا أُسندت إليه. ولذلك اتفق العلماء على منع ولاية غير المسلم في كثير من الولايات، واختلفوا في بعضها مثل الكتابة والحسابة (١) .
- vol. 3, p. 284
وأما معرفة عدم مساواة غير المسلم للمسلم في بعض الأحكام في المعاملات مثل منع مساواة غير المسلم لقريبه المسلم في إرث قريبهما المسلم باتفاق العلماء (١) ، ومثل منع مساواة غير المسلم للمسلم في القصاص له من المسلم (٢) ، وفي قبول الشهادة على
vol. 3, p. 285اختلاف بين العلماء في ذلك (١) ، فترجع إلى قواعد التقنين من فروع الشريعة. وهي من نظر الفقيه في الدين.
-
وأما معرفة مساواة غير المسلم للمسلم في معظم الحقوق في المعاملات الثابتة بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" (٢) ،
vol. 3, p. 286فتلك حاصلة من العلم بأصل المساواة بين الخاضعين لحكومة واحدة فلا يحتاج إلى التعليل. وإنما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله ذلك تنبيهاً على أن ذلك الأصل مقرر ثابت. ومن موانع المساواة ما ليس في الحقيقة بمانع، ولكنه حال تعذرت فيها أسباب المساواة مثل امتناع مساواة أحد من الأمة في فضيلة أصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفوات المزية وهي مزية رؤية نور الرسول مع الإيمان به.
-
ثم إن العوارض المانعة من المساواة في بعض الأحكام أقسام أربعة: جبلية، وشرعية، واجتماعية، وسياسية. وكلها قد تكون دائمة أو مؤقتة، طويلة أو قصيرة.
-
فالجبلية والشرعية والاجتماعية تتعلق بالأخلاق، واحترام حق الغير، وبانتظام الجامعة على أحسن وجه.
-
والسياسية تتعلق بحفظ الحكومة الإسلامية من وصول الوهن إليها.
-
فالموانع الجبلية الدائمة: كمنع مساواة المرأة للرجل فيما تقصر فيه عنه بموجب أصل الخلقة، مثل إمارة الجيش والخلافة عند جميع العلماء (١) ، ومثل القضاء في قول جمهور من علماء
vol. 3, p. 287الإسلام (١) . وكمنع مساواة الرجل للمرأة في حق كفالة الأبناء الصغار (٢) . ويلحق بالجبلي ما هو من آثار الجبلة كمنع مساواة الرجل
vol. 3, p. 288للمرأة في أن زوجته تنفق عليه لما تقرر في العوائد من كون الرجل هو الكاسب للعائلة. وتلك العادة من آثار جبلة الرجل المخوِّلة إياه بالقدرة على الاكتساب ونَصَبه.
-
ويلحق بالجبلي أيضاً صفات مكتسبة ناشئة عن قابليةٍ وعن سعي تترك آثاراً في الخلقة لا يبلغ إلى مثلها إلَّا من اكتسب أسبابها فتفيد كمالَه في الإحساس والتفكير، مثل تفاوت العقول والمواهب في الصلاحية لإدراك المدركات الخفية. فلا مساواة بين العالم وغيره في كل عمل فيه أثر بيّن لتفاوت الإدراك، مثل التصدّي لتفهم الشريعة، والقدرة على تلقّي ما طريق تلقيه الاستنباط، والمقدرة على تعرف أحكام الشريعة في مختلف النوازل، وعلى تنزيلها في الأحوال الصالحة لها كإدراك التفرقة بين مشتبه النوازل، وإدراك حيل الخصوم، وعدالة الشهود. فلذلك كان بلوغ مرتبة الاجتهاد موجباً ترجيح صاحبه لولاية القضاء، ومانعاً من مساواته لمن هو دون مرتبته من العلماء، وكذلك القرب من مرتبة الاجتهاد بالنسبة لذي البعد عنها (١) .
- vol. 3, p. 289
فحقيق بالفقهاء وولاة الأمور أن يراعوا هذه الموانع ومقاديرها وتأصَّلها، فيُعملوا آثارها في المساواة بعد تحقّق ثبوتها، ويَعلَموا ما كان منها متعلقاً تعلقاً ضعيفاً بالجبلة يقبل الزوال لحصول أضداد أسبابه، فلا ينوطوا به أحكاماً دائمة. وما كان منها خفياً حصولُه لا ينبغي مراعاته إلَّا بعد التجربة.
-
وأما الموانع الشرعية فهي ما كان تأثيرُها بتعيين التشريع الحق، إذ التشريع الحق لا يكون إلَّا مستَنِداً لحكمة وعلَّة معتبرة. ثم تلك الحكمةُ قد تكون جليةَ وقد تكون خفية. فالشريعة هي القدوة في تحديد هذه الموانع، وتحديد ما ينشأ عن مراعاة أصول تشريعية تَعتبر إجراءها أرجحَ من إجراء المساواة. وتُعرف هذه الأصول إمَّا بالقواعد، مثل قاعدة حفظ الأنساب في منع مساواة المرأة للرجل في إباحة تعدد الأزواج، إذ لو أبيح للمرأة لما حصل حفظُ لحاق الأنساب، ومثل قاعدة إزالة الضر، فإنها منعت مساواةَ المرأة الشريفة لغيرها من الأزواج في إلزامها بإرضاع الولد عند مالك؛ وإمّا أن تُعرف بتتبع الجزئيات المنتشرة في الشريعة مثل اعتبار شهادة المرأتين في خصوص الأموال (١) .
- vol. 3, p. 290
وأما الموانع الاجتماعية فأكثرُها مبنيٌ على ما فيه صلاح المجتمع، وبعضُها يرجع إلى المعاني المعقولة، وبعضُها يرجع إلى ما تواضع عليه الناس واعتادوه فتأصّل فيهم.
-
مثال الأول منع مساواة الجاهل للعالِم في التصدِّي للنظر في مصالح الأمة.
-
ومثال الثاني منع مساواة العبيد للأحرار في قبول الشهادة.
-
ومعظم الموانع الاجتماعية نجده مجالاً للاجتهاد، ولا نجد فيه تحديدات شرعية إلَّا نادراً.
-
وأما الموانع السياسية فهي الأحوال التي تؤثر في سياسة الأمة، فتقتضي إبطالَ حكم المساواة بين أصناف أو أشخاص، أو في أحوال خاصة. كل ذلك لمصلحة من مصالح دولة الأمة. وهذا النوع من الموانع يكثر فيها اعتبار التوقيت.
-
فمثال الدائم منه اختصاص قريش بإمامة الأمة (١) .
- vol. 3, p. 291
ومثال المؤقّت منه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (١) .