يج - نوط الأحكام الشرعية بمعان وأوصاف لا بأسماء وأشكال
8 paragraphs · vol. 3, p. 306
- vol. 3, p. 306
إذ قد علمتَ ما تقدم من المبحثين قبل هذا، وفي مبحث المقصد العام من التشريع، والمباحث المتفرّعة عليه، لا يعوزك أن تعلم هنا أن مقصدَ الشريعة من أحكامها كلِّها إثباتُ أجناس تلك الأحكام (٢) * لأحوال وأوصاف وأفعال من التصرِّفات خاصَّها وعامِّها، باعتبار ما تشتمل عليه تلك الأحوالُ والأوصافُ والأفعالُ من المعاني المنتجة صلاحاً ونفعاً، أو فساداً وضراً، قويين أو ضعيفين.
-
فإيّاك أن تتوهم أن بعض الأحكام منوطٌ بأسماء الأشياء أو بأشكالها الصورية غير المستوفاة المعاني الشرعية فتقع في أخطاء في الفقه، مثل قول بعض الفقهاء في صنف من الحيتان يسميه البعض خنزير البحر، أنه يحرم أكله، لأنه خنزير (٣) *، ومن يقول بتحريم
vol. 3, p. 307نكاح امرأة زوّجها إياه وليها بمهر، وزوج هو ذلك الولي امرأة هو وليها بمهر مساوٍ لمهر الأخرى، أو غير مساوٍ باعتقاد أن هذا من الشغار، لأن شكله الظاهر كشكل الشغار، مُغْمَضَ العينين عن المعنى والوصف الذي لأجله أبطلت الشريعة نكاح الشغار (١) .
- vol. 3, p. 308
وإنما حقُّ الفقيه أن ينظر إلى الأسماء الموضوعة للمسمَّى أصالة أيام التشريع، وإلى الأشكال المنظور إليها عند التشريع، من حيث إنهما طريق لتعرف الحالة الملحوظة وقت التشريع، لتهدينا إلى الوصف المرعي للشارع كما سيجيء في مبحث نوط التشريع بالضبط والتحديد. ولقد أخطأ من هنا بعض الفقهاء أخطاء كثيرة، مثل ما أفتى بعض الفقهاء بقتل المشعوذ باعتبار أنهم يسمّونه سحاراً، مغمضين أعينهم عن تحقيق معنى السحر الذي ناط الشارع به حكم القتل (١) *. فمن حقّ الفقيه إذا تكلّم على السحر أو سئل عنه أن يبيّن
vol. 3, p. 309أو يستبين صفته وحقيقته، وأن لا يفتي بمجرد ذكر اسم السحر فيقول: يقتل الساحر ولا تقبل توبته، فإن ذلك عظيم.
-
وقد غلط بعض المفتين فأفتى بحرمة التدخين بورق التبغ في الفم، لأنه لما ظهر التدخين به في أوائل القرن الثامن عشر سمّوه الحشيش، وتوهّموه أنه الحشيش المخدِّر الذي يدخن به الحشاشون (١) ، وكذلك لما ظهرت الحبوب اليمانية التي نسميها قهوة أفتى بعض العلماء أول القرن العاشر بحرمة منقوعها لأنهم سمّوها القهوة الذي هو اسم الخمر في اللغة العربية، مع أن تسمية تلك الحبوب قهوة اسم محرف من اسم غير عربي هو كفا. [Cafe]
-
ولم يزل الفقهاء يتوخّون التفرقة بين الأوصاف المقصودة للتشريع وبين الأوصاف المقارنة لها، التي لا يتعلق بها غرض الشارع، ويسمّونها الأوصاف الطردية وإن كانت هي الغالبة على الحقيقة الشرعية مثل الكون في البرية في حقيقة الحرابة. فإن ذلك أمر غالب وليس هو مقصودَ الشارع. فلذلك أفتى حذاق الفقهاء باعتبار حكم الحرابة في المدينة إذا كان الجاني حاملاً للسلاح ومخيفاً لأهل المدينة.
-
ولذلك فإن الأسماء الشرعية إنما تعتبر باعتبار مطابقتها للمعاني الملحوظة شرعاً في مسميّاتها عند وضع المصطلحات الشرعية. فإذا تغير المسمَّى لم يكن لوجود الاسم اعتبار. ولذلك يقول فقهاء المالكية: إن صيغ التبرعات قد يستعمل بعضها في بعض. فالعمرى
vol. 3, p. 310المعقّبة تصير إلى معنى الحبس (١) ، والحبس المجعول فيه شرط البيع يؤول إلى معنى العمرى (٢) ، والصدقة المشروط فيها حق الاعتصار تؤول إلى الهبة (٣) ، والعطايا المشروط فيها تصرف المعطي في
vol. 3, p. 311المعطى إلى موته تؤول إلى الوصية، وإن سَمَّوها حبساً أو هبة أو عمرى. وقالوا: إذا قال ولي المرأة: "وهبت فلانة إليك بمهر كذا" كانت تلك صيغة نكاح ولو سماها هبة (١) .
-
وقد أنذر النبي - صلى الله عليه وسلم -، إنذاراً بإنكارٍ بناس من أمته، يشربون الخمر يُسمّونها بغير اسمها. رواه أحمد (٢) وابن أبي شيبة (٣) . فكما كان تغيير الاسم غير مؤثر في تحليل الحرام كذلك لا يكون مؤثراً في تحريم الحلال. وبعبارة أشمل لا تكون التسمية مناط الأحكام،
vol. 3, p. 312ولكنها تدلّ على مسمًّى ذي أوصاف؛ تلك الأوصاف هي مناط الأحكام. فالمنظور إليه هو الأوصاف خاصَّة.
-
ومن هذا القبيل النهي عن الانتباذ في الحنتم والجر والمزفت. والمقصود أنها يسرع إليها الاختمار، وليس ذلك لمجرد الأسماء.