يد - أحكام الشريعة قابلة للقياس باعتبار العلل والمقاصد القريبة والعالية
7 paragraphs · vol. 3, p. 313
- vol. 3, p. 313
لا أحسب لمن يتطرّقه شك في قبول الأحكام للقياس حساباً من سعة النظر في الشريعة، ولا أعدّه إلَّا عاكفاً على تلقي الجزئيات المأثورة دون شعور بجهات الاتحاد بين متماثلها في الأحكام، ولا أحسبه إلَّا متحيّراً عند تطلب أحكام لصور وأعمال غير ثابتة في الآثار أحكامٌ لها، وأنه لا يلبث إلَّا أن يجد نفسه مضطراً للقياس، وإذا افتقد نفسه وجد نفسه قد قاس. فإن استقراء الشريعة في تصرّفاتها قد أكسب فقهاء الأمة يقيناً بأنها ما سوّت في جنس حكم من الأحكام جزئيات متكاثرة إلا ولتلك الجزئيات اشتراك في وصف يتعيّن عندهم أن يكون هو موجب إعطائها حكماً متماثلاً. ومن ثمّ استقام لهم من عهد الصحابة إلى هلم جرًا أن يقيسوا بعض الأشياء على بعض، فينوطوا بالمقيسة نفس الأحكام الثابتة بالشرع للمقيس عليها في الأوصاف التي أنبئوا أنها سبب نوط الحكم، وأنها مقصود الشارع من أحكامه. فإن كانت تلك الأوصاف فرعيَّة قريبة سميناها عللاً مثل الإسكار، وإن كانت كليات سميناها مقاصد قريبة مثل حفظ العقل، وإن كانت كليات عالية سميناها مقاصد عالية، وهي نوعان مصلحة ومفسدة. وقد تقدّم ذلك كله.
-
وإنما هرع الفقهاء في التشريع والتفريع إلى القياس على النظائر
vol. 3, p. 314والجزئيات، ولم يعمدوا إلى الفحص عن المعاني الكليات القريبة، ولا إلى الفحص عن إثبات وجود الكليين العاليين وهما المصلحة والمفسدة، لأنهم رأوا دلالة النظير على نظيره أقربَ إرشاداً إلى المعنى الذي صرّح الشارع باعتباره في نظيره، أو أومأ إلى اعتباره فيه، أو أوصل الظنُ بأن الشارع ما راعى في حكم النظير إلا ذلك المعنى. فإن دلالة النظير على المعنى المرعي للشارع حين حكم له بحكم مَّا دلالة مضبوطة ظاهرة مصحوبة بمثالها. فقد قال بعض أساطين علمائنا (١) *: "ولاستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خفيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق" (٢) . فتكفي الفقيه مؤونة الانتشار في البحث عن المعنى من أجناسه العالية. ثم بما فيها من التمثيل والضبط تنتقل بالمجتهد إلى المعنى الذي اشتمل عليه النظير غير المعروف حكمُه، فَيُلْحقُه في الحكم بحُكم كلياته القريبة، ثم بحكم كلياته العالية، إذ لا يعسر عليه ذلك الانتقالُ حينئذ فتتجلى له المراتب الثلاث انجلاء بيِّنًا.
-
ولم يزل من طرق الاستدلال لدى ذوي العقول من الحكماء والرياضيين الوصول إلى الأشياء الدقيقة السامية بواسطة الأشياء الواضحة القريبة. فكذلك نعدّ الفقهاء في عدادهم إذ هي طريقة مثلى لجميع أهل المدارك العالية.
- vol. 3, p. 315
فإذا تقرّر عندك هذا علمتَ أن الأصل في الأحكام الشرعية كلها قبولُ القياس عليها، ما قامت منها معان ملحوظة للشارع. فيجب أن تكون أنواعُ الأحكام التي لا يجري في مثلها القياس قليلةً جداً. من أجل ذلك اختلف أئمة الفقه في جريان القياس في الحدود والكفارات والرُّخَص (١) ، وفي الأسباب والشروط والموانع (٢) . ومن أجل ذلك اتفقوا على امتناع القياس في إثبات أصول العبادات (٣) .
-
وقد قاس أبو بكر وعمر رضي الله عنهما الجدة للأب على الجدة للأم في الميراث، فجعل أبو بكر السدس بينها وبين الجدة للأم.
-
ففي الموطأ: "جاءت الجدتان إلى أبي بكر. فأراد أن يجعل
vol. 3, p. 316السدس للتي من قبل الأم، فقال له رجل من الأنصار: أما إنك تترك التي لو ماتت وهو حي كان إياها يرث، فجعل أبو بكر السدس بينهما " (١) اهـ. فهذا قياس بطريق إعمال دلالة الفحوى نبّهه إليه كلام الأنصاري، وجعله السدس بينهما تحقيقُ مناطٍ، كشأن كل ذوي فرض إذا تعدّدوا مع انعدام النص على توفير الفرض عند التعدد.
-
وفي الموطأ: "جاءت الجدة أم الأب إلى عمر تسأله ميراثها من ابن ابنها، فقال: ما لكِ في كتاب الله شيء، وما كان القضاء الذي قضي به إلَّا لغيرك - يعني ما قضى به أبو بكر باستناد إلى فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أخبره المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في حديث الموطأ - وما أنا بزائد في الفرائض شيئاً، ولكنه ذلك السدس فإن اجتمعتُما فهو بينكما وأيكما خَلَت به فهو لها" (٢) اهـ. فقاس في الاشتراك في السدس، وأمسك عن القياس بزيادة الفرض بأن يجعله عند التعدد الثلث قياساً على الإخوة للأم.