يه - التحيل على إظهار العمل في صورة مشروعة مع سلبه الحكمة المقصودة للشريعة

43 paragraphs · vol. 3, p. 317

Page 1 of 2

  1. اسم التحيّل يفيد معنى إبراز عمل ممنوع شرعاً في صورة عمل جائز، أو إبراز عمل غير معتدّ به شرعاً في صورة عمل معتدّ به لقصد التفصّي من مؤاخذته. فالتحيّل شرعاً هو ما كان المنعُ فيه شرعياً والمانعُ الشارعَ.

    vol. 3, p. 317
  2. فأما السعي إلى عمل مأذون بصورة غير صورته أو بإيجاد وسائله فليس تحيلاً ولكنه يسمى تدبيراً، أو حرصاً، أو ورعاً.

  3. فالتدبير مثل من هوِي امرأة فسعى لتزوّجها لتحلّ له مخالطتها.

  4. والحرص كركوع أبي بكرةَ رضي الله عنه لما دخل المسجد فوجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راكعاً وخشي فوات الركعة، وأحب أن يكون في الصف الأول تحصيلاً لفضله، فركع ودبّ راكعاً حتى وصل الصف الأول. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "زادك اللهُ حرصاً، ولا تَعُد" (١) .

  5. والورع مثل أن يتخذ من يوقظه إلى صلاة الصبح إذا خشي أن

    vol. 3, p. 318يغلبه النوم كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إحدى الغزوات في قضية بلال حين غلبته عيناه، كما في حديث الموطأ (١) .

  6. ومثل التحيل باللفظ الموجه يصدرُ ممن أكره بتهديد بالقتل على أن يقول كفراً أو حراماً مع أن الإكراه يُحلُّ له القول. قال الله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} (٢) . كما يُحكى أن بعض أهل السنة كان في مجلس من غلاة الشيعة، فسئل فيه عن أفضل الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: الذي كانت ابنتُه تحتَه، أراد أبا بكر، وظنوا أنه يريد علياً على احتمالي معاد الضمير المضاف إليه "ابنةُ" والضمير المضاف إليه "تحتَ" .

  7. ومثل اللفظ الخفي الدلالة على العامة يصدر ممن يُخاف فِتنَتَهم، كقول أبي عبد الله البخاري لما امتحن بالسؤال عن كون القرآن مخلوقاً: أقوالنا من أفعالنا وأفعالنا محدثة. ولا يدخل في التحيّل المبوب له التحيّل على الناس في المعاملات بإيقاعهم في لوازم شرعية يجهلونها. وهو المسمى بالتغرير، مثل ادّعاء المُصالح أنه إنما يُصالح ليحصُل على إقرار خصمه له.

  8. فالمراد بالتحيّل إذا أطلق في اصطلاح أهل الشريعة هو الذي صدَّرتُ بتعريفه. ولذلك عرفه أبو إسحاق الشاطبي في المسألة

    vol. 3, p. 319العاشرة من القسم الثاني من كتاب المقاصد من تأليفه تعريفَ التمثيل بقوله: "إن الله أوجب أشياء وحرم أشياء [إما مطلقاً من غير قيد ولا ترتيب على] سبب، كما أوجب [الصلاة و] الصيام [والحج وأشباه ذلك] وحرّم [الزنى و] الربا، [والقتل ونحوها] . وأوجب أيضاً أشياء مرتبة على أسباب، وحرّم أخر كذلك، كإيجاب الزكاة [والكفارات والوفاء بالنذور والشفعة للشريك] و [كـ] تحريم [المطلقة و] الانتفاع بالمغصوب [أو المسروق وما أشبه ذلك] . فإذا تسبب المكلف في إسقاط ذلك الوجوب عن نفسه، أو في إباحة ذلك المحرم عليه [بوجه من وجوه التسبب] حتى يصير ذلك الواجب غير واجب في الظاهر أو المحرم حلالاً في الظاهر [أيضاً] ، فهذا التسبب يسمّى حيلة وتحيّلاً" (١) وذكر أمثلة فارجع إليها (٢) .

  9. وهذا هو الذي أراده البخاري رحمه الله من كتاب الحيل من الجامع الصحيح، وأخرج فيه الأحاديث الدالة على إبطالها مُبَوّبة على أبواب من تصرفات المكلَّفين كترتيب كتب الفقه (٣) .

  10. ولا شك في أن هذا التحيّل باطل. قال أبو إسحاق الشاطبي في القسم الثاني من كتاب المقاصد: "المسألة الثانية عشرة: لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد كانت الأعمالُ معتبرةً بذلك، لأنه مقصود الشارع فيها [كما تبين] . فإذا كان العمل في ظاهره وباطنه (أي منفعته وحكمته) على أصل المشروعية فلا إشكال. وإن كان الظاهر موافقاً والمصلحة مخالفة فالفعل غير صحيح [وغير مشروع] لأن الأعمال الشرعية (أي المقصود منها الجري على الشرع) ليست مقصودة لأنفسها (أي لمجرد صورها وأشكالها) ، وإنما قُصد بها أمور أخر هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت لأجلها. فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات" (١) .

    وقال في المسألة الثانية منه: "قصد الشارع من المكلَّف أن يكون قصدُه في العمل موافقاً لقصده - أي الشارع - في التشريع. والدليل على ذلك ظاهر من وضع الشريعة، إذ قد مرّ أنها موضوعة لمصالح العباد" (٢) .

    وقال في المسألة الثالثة منه: "إن المشروعات إنما وضعت لتحصيل المصالح ودرء المفاسد. فإذا خولفت لم يكن في تلك الأفعال التي خولف بها جلب مصلحة ولا درء مفسدة" (٣) .

    vol. 3, p. 320
  11. ويلخّص معاني كلامه أن الأعمال كلَّها منوطةٌ بأسباب، وأن الأسباب ما جعلت أسباباً إلا لاشتمالها على الحِكم والمصالح التي ضبطها الشرعُ بها، وجعلها علامة عليها، ومعرِّفاً بها. فإذا كان العمل مسلوباً من الحكمة التي رُوعيت في سببه كان فعلُه خلياً عن الحكمة التي لأجلها جعل مُسبَّباً على سببه، مثل القتال له صورة واحدة وأسباب متعددة. فمنه الجهاد، ومنه قتال الفئة الباغية وهما مشروعان ويختلف حكمه فيهما (١) ، ومنه ما ليس مشروعاً مثل القتال

    vol. 3, p. 322. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 3, p. 321
  12. للغنيمة والقتال للذكر. وفي الحديث: "يقال له: كنت تقاتل ليقال: فلان شجاع؛ فقد قيل" (١) .

    vol. 3, p. 323
  13. وعند صدق التأمل في التحيل على التخلص من الأحكام الشرعية من حيث إنه يفيت المقصد الشرعي كلَّه أو بعضَه، أو لا يفيته، نجده متفاوتاً في ذلك تفاوتاً أدّى بنا الاستقراء إلى تنويعه إلى خمسة أنواع:

    النوع الأول تحيلٌ يفيت المقصدَ الشرعي كلَّه ولا يعوضه بمقصد شرعي آخر. وذلك بأن يُتحيَّل بالعمل لإيجاد مانع من ترتب أمر شرعي. فهو استخدام للفعل لا في حالة جعله سبباً بل في حالة

    vol. 3, p. 324جعله مانعاً. وهذا النوع لا ينبغي الشكُّ في ذمه وبطلانه، ووجوب المعاملة بنقيض مقصد صاحبه إن اطّلِع عليه. والأدلة من القرآن والسنة الصريحة طافحة بهذا المعنى، بحيث صار قريباً من القطع. وقد ساق أبو عبد الله البخاري جملة منها في كتاب الحيل من صحيحه (١) . وذكر الشاطبي جملة من الأدلة في المسألة الحادية عشرة (٢) ، وفي بعضها نظر.

  14. وهذا مثل من وهب ماله قبل مضي الحول بيوم لئلا يعطي زكاته، واسترجعه من الموهوب له من غد (١) .

    vol. 3, p. 325
  15. ومن شرب مخدّراً ليغمى عليه وقت الصلاة فلا يصليها (٢) .

  16. ومثل كثير من بيوع النسيئة التي يقصد منها التوصل إلى الربا (٣) .

  17. النوع الثاني تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه ينقل إلى أمر مشروع آخر، أي استعمال الشيء باعتبار كونه سبباً. فإنَّ ترتب المسبب على سببه أمر مقصود للشارع.

    vol. 3, p. 326
  18. مثل أن تعرض المرأة المبتوتة نفسها للخطبة رغبة في التزوج مضمرة أنها بعد البناء تخالع الزوج أو تغضبه فيطلقها لتحل للذي بتّها، فالتزوج سبب للحل من حكم البتات. فإذا تزوجت حصل المسبب وهو حصول شرعي.

  19. ومثل التجارة بالمال المتجمع خشية أن تنقصه الزكاة، فإنه إذا فعل ذلك فقد استعمل المال في مأذون فيه، فحصل مسبب ذلك وهو بذل المال في شراء السلع. وترتب عليه نقصانه عن النصاب فلا يزكى زكاة النقدين، ولكن انتقلت مصلحة ذلك المال من نفع الفقير إلى منافع عامة تنشأ عن تحريك المال، وانتقَلَتْ زكاتُه إلى زكاة التجارة.

  20. وكذلك الانتقال من سبب حكم إلى سبب حكم آخر في حين المكلف مخير في اتباع أحد السببين، فعلم أن أحدهما يكلفه مشقة فانتقل إلى الأخف. مثل من هَوِي سُرّية رجل فسعى ليزوجه إياها ثم علم أنه إن تزوجها وجب عليها الاستبراء بثلاثة أقراء، وأنه إن اشتراها من سيدها فاستبراؤها حيضة فعدل عن تزوجها إلى شرائها.

  21. ومثل من له نصاب زكاة أشرف أن يمر عليه الحول في آخر شهر ذي الحجة فأوجب على نفسه حجاً أنفق فيه ذلك فصادفه الحول وقد أنفق ذلك المال. وهذا النوع على الجملة جائز لأنه ما انتقل من حكم إلا إلى حكم، وما فوّت مقصداً إلا وقد حصّل مقصداً آخر، بقطع النظر عن تفاوت الأمثلة.

    vol. 3, p. 327
  22. النوع الثالث تحيل على تعطيل أمر مشروع على وجه يسلك به أمراً مشروعاً هو أخف عليه من المنتقل منه.

  23. مثل لبس الخف لإسقاط غسل الرجلين في الوضوء، فهو ينتقل إلى المسح. فقد جعل لبس الخف في سببيته وهو المسح، ولم يستعمله في مانعيته.

  24. ومثل من أنشأ سفراً في رمضان لشدّة الصيام عليه في حر أو مدة انحراف خفيف منتقلاً منه إلى قضائه في وقت أرفق به. وهذا مقام الترخّص إذا لحقته مشقة من الحكم المنتقل منه. وهو أقوى من الرخصة المفضية إلى إسقاط الحكم من أصله.

  25. النوع الرابع تحيل في أعمال ليست مشتملة على معان عظيمة مقصودة للشارع. وفي التحيل فيها تحقيق لمماثل مقصد الشارع من تلك الأعمال.

  26. مثل التحيل في الأيمان التي لا يتعلق بها حق الغير، كمن حلف أن لا يدخل الدار أو لا يلبس الثوب فإن البرّ في يمينه هو الحكم الشرعي، والمقصد المشتمل عليه البر هو تعظيم اسم الله تعالى الذي جعله شاهداً عليه ليعمل ذلك العمل. فإذا ثقل عليه البر فتحيل للتفصي من يمينه بوجه يشبه البر، فقد حصل مقصود الشارع من تهيب اسم الله تعالى.

  27. قال القاضي أبو بكر بن العربي في آخر كتاب العواصم: "وكنت أشاهد الإمام أبا بكر فخر الإسلام الشاشي في مجلسه بباب العامة من دار الخلافة يأتيه السائل فيقول له: حلفت أن لا ألبس هذا الثوب، فيأخذ من هدبته مقدار الأصبع ثم يقول له: البسْه لا حنث عليك" (١) اهـ.

    vol. 3, p. 328
  28. وللعلماء في هذا النوع مجال من الاجتهاد، ولذلك كثر الخلاف بين العلماء في صوره وفروعه. ومذهب مالك فيه لزوم الوفاء وإلَّا حنث. والشاشي شافعي المذهب، ولعله يفتي بما ذكره ابن العربي لمن يعلم منه أنه إن حنث لم يكفّر، أو لمن يعلم منه أنه لا يجد إطعاماً ولا إعتاقاً وأنه يعجز عن الصوم أو يشق عليه مثل أهل الأعمال البدنية فيفتيه بما ذكر إبقاءً على حرمة اليمين في نفسه. وكان بعض الحنفية يفتي من حلف "لا يدخل الدار" بأن يتسوّرها أو ينزل من باب سطحها (٢) .

  29. النوع الخامس تحيل لا ينافي مقصد الشارع، أو هو يعين على تحصيل مقصده، ولكن فيه إضاعة حق لآخر أو مفسدة أخرى.

  30. مثل التحيل على تطويل عدة المطلقة حين كان الطلاق لا نهاية

    vol. 3, p. 329له في صدر الإسلام. فقد روى مالك في الموطأ من طريقين: أن الرجل كان إذا طلق امرأته له أن يرتجعها قبل انقضاء عدتها ولو طلقها ألف مرة. فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها، وقال: والله لا آويك إلي ولا تَحِلين أبداً (١) . فأنزل الله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (٢) ، وأنزل: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} (٣) اهـ. فجعل الله صورة الفعل المشروع استهزاء بالشريعة لمّا قصد بها إضرار الغير. ونسخ بذلك عدد الطلاق فصار لا يتجاوز الثلاث. ويأتي في الاعتداد للثلاث من المقصد ما أتى في الاعتداد قبل التحديد.

  31. وكذلك من تزوج المرأة المبتوتة قاصداً أن يحلّلها لمن بتّها فإن فعله جار على الشرع في الظاهر، وخادم للمقصد الشرعي من الترغيب في المراجعة، وفي توفر الشرط وهو أن تنكح زوجاً غيره، إلَّا أنه جرى لعن فاعله على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رواية عبد الله بن مسعود في سنن الترمذي وقال: هو حسن صحيح (٤) . ولا أَحْسَبُ

    vol. 3, p. 330التغليظَ فيه إن صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلَّا لما فيه من قلة المروءة، لأن شأن التزوُّج أن يكون لقصد المعاشرة فلا يجعل الرجل زوجه عرضة لغيره، أو لما فيه من توقيت النكاح إن قلنا بحرمة نكاح المتعة، أو لكليهما، فكل منهما جزءُ علة. ولقد اختلف العلماء في تحليل المبتوتة بذلك النكاح وعدم تحليلها (١) .

  32. والمسألة ذات نظر، لأن المفسدة راجعة إلى المحلِّل لا إلى المحلَّل له، إلَّا إذا كان إبطال ذلك النكاح معاملة بنقيض المقصد الفاسد من الحيلة. وفي الحديث الصحيح: "لا يُمنع فضلُ الماء لِيُمنع به الكلأ" (٢) ، فمنعُ فضل الماء المملوك جائز لأنه تصرف في المملوك

    vol. 3, p. 331بناء على عدم وجوب المعروف وهو قولنا، ولكن لمَّا اتخذ حيلة إلى منع الكَلَأ الذي حوله لأن الرعاة لا يرعون مكاناً لا ماء فيه لسقي ماشيتهم، صار منع الماء منهياً عنه.

  33. وكذلك القول في إبطال الحيلة اللفظية في الأيمان التي تقطع بها الحقوق فكانت الأيمان على نية المستحلِف.

  34. فإذا تقرَّرت هذه الأنواع لدى من يستعرضها بفهم ثاقب، ويجعل المكابرة ظهرياً، يوقن بأن ما يجلب لصحة التحيل الشرعي من الأدلة إنما هي أدلة غير متبصر بها ولا يعسر عليه بعد هذا تنزيلها منازلها وإبداء الفروق بينها.

  35. فأما ما كان منها وارداً في آثار شريعتنا فمخارجه ظاهرة، مثل الأعمال التي جعلت لها صور غير جارية على أحكام نظائرها المقررة، إما لوقوعها في مبدأ التشريع فرخص فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -، مثل ما روي في الموطأ (١) وصحيح مسلم (٢) أنه لما أُبطل التبني وكان سالم مولى أبي حذيفة مُتبنًى لأبي حذيفة، فجاءت سَهلة بنت سُهيل زوج أبي حُذيفة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إن سالماً يدخل علينا وأنا فضل، وليس لنا إلَّا بيت واحد، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أرضِعيه

    vol. 3, p. 332تَحرُمي عليه " فقالت: يا رسول الله كيف أرضعه وهو كبير؟. فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: " قد علمتُ أنه رجل كبير " فقال نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: والله ما نرى هذا إلَّا رخصة أرخصها رسول الله لسالم خاصة. وأَبَيْنَ أن يدخُلَ عليهن أحد بهذه الرضاعة.

  36. فهل يشك الفقيه في أن هذه رخصةٌ أوجبتها شدة حدوث إبطال حكم التبنّي مع عدم سبق تمهيد له، ولا أخذٍ لعُدته عند بعض الناس؟ فكان الترخيص بالإذن مع التماس وجه صوري للإذن جمعاً بين الرفق في ابتداء التشريع وبين حصول صورة حكم شرعي ليحصل احترام الحكم الشرعي، لتكون مخالفة الحكم في جزئية خاصة في ابتداء الأمر مشوبة بحرمة الحكم. ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأزواجه - بعد ذلك لا محالة -: "انظرن من يدخل عليكن بالرضاعة فإنما الرضاعة من المجاعة " (١) .

  37. وكذلك ما ورد في حديث الرجل الذي زوجه رسول الله المرأة التي عرضت نفسها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن الرجل لما قال: "لا أجد لها مهراً " قال له رسول الله: " قد زوجتكها بما معك من القرآن" (٢) . فتلك خصوصية جعلت لها صورة تشبه الصور المعروفة،

    vol. 3, p. 333إبقاء على حرمة حكم المهر بقدر الإمكان على أحد تأويلين في معنى قوله: "بما معك من القرآن" .

  38. وأما ما كان من شريعة سابقة فلا نطيل القول في تأويله، إذ ليس بين أيدينا من بقية فروع تلك الشريعة ما يقنعنا في معرفة مقدار مخالفة الصورة الظاهرة المدعوة عندنا بالحيلة لبقية أحكام تلك الشريعة.

  39. فقوله تعالى في قصة أيوب: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} (١) ورد تفسيره بأنه حلف أن يضرب امرأته ضربات. ولما ذهب غضبه أشفق عليها، أي وتوقَّف في برّ يمينه - فأمره الله بأن يضربها بضغث من عصي. فلعل ذلك شرع شرعه الله له، فيكون أحد وجهين في برّ الحالف بمثل تلك اليمين، كما شرع لنا في الإسلام الكفارة، أو لعل تلك رخصة رخّصها الله لنبيه فإن الله يحلّ لنبيه ما شاء، إذ كان معصوماً من أن يستخف بحرمة اسم الله تعالى.

  40. وأما قوله: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} (٢) فنحن في غُنية عن الخوض فيه، لأن تلك حيلة على تحصيل أمر محبوب لا يوجد لمنعه شرع إلهي محترم. ألا ترى قوله: {فِي دِينِ الْمَلِكِ} ، والملك هو فرعون. فإضافة الدين إليه إيماء إلى أنه ليس بدين إلهي.