يز - نوط التشريع بالضبط والتحديد
16 paragraphs · vol. 3, p. 343
- vol. 3, p. 343
بيّنتُ فيما سلف أن مقصد الشريعة في إناطة أحكامها أن تكون مرتبةً على أوصاف ومعان. وأقفّي ذلك هنا بأن الشريعة لما قصدت التيسير على الأمة في امتثال الشريعة وإجرائها في سائر الأحوال، عمدت إلى ضبطٍ وتحديدٍ يتبيّن به جلياً وجودُ الأوصاف والمعاني التي راعتها الشريعة. فبذلك قد نصبت للعلماء أمارات التشريع بالأوصاف والمعاني المراعاة في التشريع، ونصبت لِمَن دونهم حدوداً وضوابطَ تحتوي على تلك المعاني التي قد تخفى على أمثالهم، وهي صالحة لأن تكون عوناً للعلماء تَهدِيهم عند خفاء المعاني في الأوصاف أو وقوع التردد فيها. كما كانت الحدود والضوابط هاديةً لمن انحطّ عن درجة العلماء إلى أن يرتقي قليلاً إلى فهم المعاني والأوصاف المقصودة من التشريع فيما تحتويه تلك الضوابطُ من المعاني والأوصاف الخفية. فلذلك لم يكن لمتعرِّف مقاصدِ الشريعة غِنَى عن معرفة جميع ما ذكرناه.
-
وهذا مسلك قد دقّ على كثير من الفقهاء. وقد أشار إليه قول مالك في بيع الخيار من الموطأ. فقد أخرج حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (١) . ثم قال مالك عقبه: "وليس لهذا عندنا حد محدود ولا أمر معمول به [فيه] " (٢)
- vol. 3, p. 344
يعني: أنه قد تعذَّر جعلُه أصلاً في تشريع خيار المجلس، لخلوِّه عن تحديد مقدار المجلس، وعدم وجود عمل في شأنه يفسّره. فإن المجلس لا ينضبط، وقد يكونان في سفينة أو في شُقْدُف (١) .
-
ولأجل هذا نجدهم في تعليل القياس يوجهون أنظارهم إلى التعليل بالأوصاف الظاهرة المنضبطة، مع أنهم يصرحون بأن تلك الأوصاف يحصل من وجودها معنى هو المسمَّى بالحِكمة أو المصلحة أو درء المفسدة. ولقد تنزَّهتِ الشريعةُ عن أن لا تكون أحكامُها منوطة بالانضباط، فإن من صفات حُكم الجاهلية الذي حذّر الله منه بقوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} (٢) عَدَم الانضباط، إذ كانت أمورُهم تجري على خواطر تعرض عند وقوع الحوادث.
-
كما كان حكمُ الطلاق والرجعة غير ذي نهاية، وذلك ما جاء القرآن بإنكاره في قوله تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} (٣) .
-
وكذلك قسمة مال الميت. قال القاضي إسماعيل بن إسحاق (٤) : "لم يكن أهل الجاهلية يعطون الزوجة مثل ما نعطيها،
vol. 3, p. 345ولا يعطون البنات ما نُعطيهم. وربّما لم تكن لهم مواريث معلومة يعملون عليها" (١) .
-
وكذلك عدد الزوجات وكيفية لحوق الأنساب.
-
ولا يستثنى من ذلك إلا أحكامٌ قليلة مثل مقدار الدية في العامة والخاصة: كانت ديّةُ العامة عندهم مائةً من الإبل، وديَّةُ السادة ضِعفَها أو أكثر، ويسمى عندهم التكايل (٢) . وجاءت أحكام الإسلام
vol. 3, p. 346في تلك الأبواب كلها مبطلةً للفوضى المتَبَّعة، وما ذلك إلا بالضبط والتحديد. ولذلك أمرت الشريعة بالمحافظة على حدودها، فلو صلى [المرءُ] الظّهر قبل الزوال بطلت صلاته.
-
وقد استَقْرَيْتُ من طرق الانضباط والتحديد في الشريعة ستَ وسائل:
الوسيلة الأولى: الانضباط بتمييز المواهي والمعاني تمييزاً لا يتقبل الاشتباه، بحيث تكون لكل ماهيةٍ خواصُّها وآثارُها المرتبةُ عليها، مثل طرق القرابة المبيّنة في أسباب الميراث، وفي تحريم من حُرّم نكاحه. فتعيَّنَ المصيرُ إليها دون ما لا ينضبط من مراتب المحبة والصداقة والنفع والتبنّي، ولذلك قال الله تعالى: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} (١) .
وقال: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} (٢) . وقال: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} (٣) .
-
وفي الصحيح: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما خطب أبا بكر ابنتَه عائشةَ، قال له أبو بكر: إنما أنا أخوك. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنت أخي وهي حلال لي" (٤) . ومن هذا نوط حُكم شرب الخمر بحصول
vol. 3, p. 347الإسكار القليل من مثله دون كونه شرابَ عنب أو فضيخَ تمر (١) .
-
وقولي: "لا يقبل الاشتباه" أردتُ به أن لا يقبل الاشتباه عند نظر الفقيه المتبصّر في خواص المواهي الشرعية، وإن كان قد يبدو لبعض الناس مشتبهاً في بعض المواهي المتقاربة الصفات كما قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (٢) . فالبيع والربا قد يشتبهان في الأصل بكون كليهما معاملة مالية، مقصودة منها الربح، ولا سيما إذا كان في البيع تأجيل. وقد نبَّه الله تعالى بقوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (٣) إلى أنه ما أحلَّ أحدهما وحرّم الآخر إلَّا لأجل اختلاف المعنى والخواص. فالبيع معاملة من جانبين وببذل العوضين، والربا معاملة من جانب واحد هو جانب المسلِف لقصد سدّ حاجة المتسلّف. ومن آثار ذلك أن أبيح للمتعاوضين في البيع تطلب الأرباح ولم يُبَح للمتعاقدين في التسلّف تطلبُ الأرباح، بل إمَّا أن يعطي قصداً لسدّ الحاجة وإمَّا أن يمسك.
-
الوسيلة الثانية: مجرد تحقّق مسمّى الاسم، كنَوط الحد في الخمر بشرب جرعة من الخمر، لأنه لو نيط الحد بحصول الإسكار لاختلف دبيب السكر في العقول، فلم يكد ينضبط. فلا يتحقق حالُ حصول الحد إلا بعناء والتباس. ولو نيط بنهاية السكر وهو حد الإطباق لحصلت مفاسد جمة قبل حصول تلك النهاية. وكذلك نوطُ
vol. 3, p. 348صحة بيع الثمار بحصول الاحمرار والاصفرار في أصناف التمر، ونوطُ تقرر إكمال المهر بمجرد المسيس، ونوطُ لزوم العقود بحصول صيغها من إيجاب وقبول.
-
الوسيلة الثالثة: التقدير، كنُصُب الزكوات في الحبوب والنقدين، وعدد الزوجات ونهاية الطلاق، ونصاب القطعِ في السرقة عند القائلين بالنصاب، وأقل المهر، والمسافة المعتبرة في انتقال وليِّ المحضون عن بلد الحاضنة بستة بُرُد عند المالكية.
-
الوسيلة الرابعة: التوقيت، مثل مرور الحول في زكاة الأموال، وطلوع الثريا في زكاة الماشية (١) ، ومرور أربعة أشهر في الإيلاء، والحول في بعض العيوب، والشهرين في الإعسار بالإنفاق، وأربعة أشهر وعشر في عدة الوفاة، والحول في سقوط الشفعة. ومن ثمَّ قال بعضُ علمائنا بعدم تصديق المعتدّة في انقضاء عدّتها في أقلّ من خمسة وأربعين يوماً. وقال ابن العربي بعدمه في أقل من ثلاثة
vol. 3, p. 349أشهر (١) . وبه عمل أهل إفريقية ميلاً للضبط والتحديد.
-
الوسيلة الخامسة: الصفات المعيِّنة للمواهي المعقود عليها، كتعيين العمل في الإجارة، وكالمهر والولي في ماهية النكاح ليتميّز عن السفاح.
-
الوسيلة السادسة: الإحاطة والتحديد، كما في إحياء الموات فيما بَعُد عن القرى، بحيث لا يصل إلى الأرض دُخان القرية، وكمنع الاحتطاب من الحرم عدا الإذخر، وحدود الحِرز في تحقّق معنى السرقة تفرقة بينها وبين الخلسة.