يح - نفوذ الشريعة
15 paragraphs · vol. 3, p. 350
- vol. 3, p. 350
تكسبك المباحث المتقدمة أن من مقاصد الشريعة أن تكون نافذة في الأمة، إذ لا تحصل المنفعة المقصودة منها كاملة بدون نفوذها. فطاعة الأمة الشريعة غرض عظيم.
-
وإن أعظم باعث على احترام الشريعة ونفوذها أنها خطابُ الله تعالى للأمة. فامتثال الأمة للشريعة أمر اعتقادي تنساق إليه نفوس المسلمين عن طواعية واختيار، لأنها تُرضي بذلك ربَّها، وتستجلب به رحمتَهُ إياها، وفوزَها في الدنيا والآخرة. وقد قال الله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} (١) .
-
فالأحكام الشرعية المتلقاة من الرسول عليه الصلاة والسلام كُلُّها وحي من الله تعالى. ثم لم يزل أئمة الشريعة من عهد الصحابة فما بعد يتوخّون أن تكون آراؤهم في استنباط الأحكام مستخرجةً من التفريع عن أصول الكتاب والسنة. ولذلك كانوا كثيراً ما يشدّدون النكيرَ على القول بالرأي غير المستند إلى ذلك. واستتب للشريعة أن تسلك لتحصيل ذلك مسلكين سلكتهما جميعاً.
-
المسلك الأول مسلك الحزم في إقامة الشريعة.
-
والمسلك الثاني مسلك التيسير والرحمة بقدر لا يفضي إلى انخرام مقاصد الشريعة.
- vol. 3, p. 351
فأما المسلك الأول فقد مهدته الشريعة بالترهيب والموعظة، كقول الله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (١) وغير ذلك من الآيات.
-
وفي الحديث الصحيح: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ" (٢) . وفي قضية بريرة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب فقال: ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله. من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق" (٣) .
-
ومن هنا نشأت في الفقه قاعدة: إن المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً (٤) ، ولها فروع كثيرة. وقاعدة: إن النهي يقتضي الفساد (٥) ،
vol. 3, p. 352وهي مسلَّمَةٌ في أصول الفقه وعلم فروعه، لأنه لا ينبغي أن تتساهل الأمةُ في تفريط مقاصد الشريعة، لأن الاسترسال في ذلك يتسرَّى فيهم إلى إضاعة معظم الشريعة.
-
ولذلك نرى الشريعة تحافظ على أحكامها في الأحوال التي يتحقق فيها عدم فوات المقصد، مثل منع الوصية للوارث بما دون الثلث مع أنها أباحت للموصي أن يعطي لغير الوارث. فكان الظاهر أن إعطاء الثلث لبعض الورثة أولى بالجواز. ولكنّ منعَه إنما هو للمحافظة على مقصد المواريث. وهو تعيين أنصباء للورثة لا يتجاوزها الناس إبطالاً لما كان عليه أهل الجاهلية. فلذلك منعت الوصية للوارث مطلقاً، وأنفذت للأجنبي في الثلث.
-
ولإكمال الوصول إلى الغاية من هذا المسلك أقام نظامُ الشريعة أمناءَ ووَزَعَةً لتنفيذ أحكامها ومقاصدها في الناس بالرغبة والرهبة أعني بالموعظة والقوة. كما أشار إليه قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} (١) . وقد أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحدود، وبعث الأمراء والقضاة إلى الأقطار البعيدة عنه، بحيث صار ذلك من المتواتر من
vol. 3, p. 353فعله عليه الصلاة والسلام (١) . وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه:
vol. 3, p. 354"يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" (١) .
-
فكان من أصول نظام الحكومة الإسلامية إقامةَ الخلفاء والأمراء والقضاة وأهل الشورى في الإفتاء والشرطة والحسبة ونواب كلٍّ، ليتم تنفيذُ الأحكام المتعلقة بالحقوق العامة للأمة، والأحكام المتعلقة بالحقوق الخاصة بين أفراد الأمة. وشَرَطَت في أنواع هذه الولايات من الصفات الذاتية والعقلية والعلمية ما تستقيم به الأمورُ الموكولةُ إليهم على الوجه الأكمل، كما أشار إليه الشهاب القرافي في الفرق السادس والتسعين والفرق الثالث والعشرين والمائتين (٢) .
- vol. 3, p. 355
وأما المسلك الثاني، مسلك التيسير والرحمة، فإنّ الشريعة كما علِمتَ قد بُنيت على سهولة قبولها في نفوس الناس، لأنها شريعة فطرية سمحة، وليست نكايةً ولا حرجاً كما تقدم. فهي تحمل الناس على المصالح حملاً أقصى ما يمكن أن يكون الحمل من الرحمة والتيسير، إذ لا فائدة في التشريع إلا العمل به.
-
وقد كان تيسير الشريعة ذا مظاهر ثلاثة:
أحدها: أن أحكامها المعيّنة مبنية على التيسير نظراً لغالب الأحوال كما قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (١) وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (٢) ونحو ذلك.
-
والمظهر الثاني: أنها تعمد إلى تغيير الحكم الشرعي من صعوبة إلى سهولة في الأحوال العارضة للأمة أو الأفراد، فتيسّر ما عرض له العسر، قال الله تعالى: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} ، (٣) وقال: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} (٤) . ولذلك كان من أصول قواعد التشريع قاعدة المشقّة تجلب التيسير (٥) . وهذا هو مبحث الرخصة.
- vol. 3, p. 356
والمظهر الثالث: أنها لم تَترك للمخاطبين بها عذراً في التقصير في العمل بها، لأنها بنيت على أصول الحكمة والتعليل والضبط والتحديد. قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (١) ، وقال: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} (٢) .