يط - الرخصة

14 paragraphs · vol. 3, p. 357

  1. إذ قد اقتحمنا الحديث على الرخصة كان حقاً أن نفيَ مبحثَ الرخصة حقَّهُ من البيان، لأني وجدتُ بعضَ أنواع الرخص مغفولاً عن التعرض لها (١) . فقد أطبقت كلمةُ الفقهاء على أن الرخصة تُغَيِّر الفعلَ من صعوبة إلى سهولة، لعذر عرض لفاعله، وضرورةٍ اقتضت عدمَ اعتداد الشريعة بما في الفعل المشروع من جلب مصلحة أو دفع مفسدة مقابلَ المضرَّة العارضة لارتكاب الفعل المشتمل على المفسدة، وَمثّلوا الرخصة بأكل المضطر الميتة. قال الشاطبي: "إن الرخصة مستمدة من قاعدة رفع الحرج كما أن العزيمة راجعة إلى أصل التكليف وكلاهما أصل كلي" (٢) *.

    vol. 3, p. 357
  2. غير أني رأيت الفقهاء لا يمثلون إلَّا بالرخصة العارضة للأفراد في أحوال الاضطرار.

  3. ونحن إذا تأمّلنا الرخصة فوجدناها ترجع إلى عروض المشقة والضرورة صحَّ لنا أن ننظر إلى عموم الضرورة وخصوصها.

  4. فقد وجدنا من الضرورات ضروراتٍ عامةً مطردةً كانت سببَ

    vol. 3, p. 358تشريع عام في أنواع من التشريعات مستثناة من أصول كان شأنها المنع، مثل السَّلَم والمغارسة والمساقاة، فهذه مشروعة باطِّراد. وكان ما تشتمل عليه من أضرار وتوقع ضياع المال مقتضياً منعَهَا لولا أنّ حاجات الأمة داعيةٌ إليها، فدخلت في قسم الحاجي، كما قال الشاطبي في مبحث الرخصة والعزيمة (١) *، فكان حكمها حكم المباح باطَّراد.

  5. وكذلك وجدنا من الضرورات ضروراتٍ خاصةً موقتة جاء بها القرآن والسنة كقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} (٢) . وقد اقتصر الفقهاء عليها في تمثيل الرخصة.

  6. وبينَ القسمين قسم ثالث مغفول عنه وهو الضرورة العامة الموقّتة. وذلك أن يعرض الاضطرار للأمة أو طائفة عظيمة منها، تستدعي إباحة الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي مثل سلامة الأمة، وإبقاء قوتها، أو نحو ذلك. وهذا التوقيت وهذا العموم في هذا القسم مقول على كليهما بالتفاوت. ولا شك أن اعتبار هذه الضرورة عند حلولها أولى وأجدرُ من اعتبار الضرورة الخاصة، وأنَّها تقتضي تغييراً للأحكام الشرعية المقرِّرة للأحوال التي طرأت عليها تلك الضرورة.

  7. وليست أمثلةُ هذا النوع من الرخصة بكثيرة. فمنها الكراء المؤبّد الذي جرت به فتوى علماء الأندلس: ابن سراج (٣)

  8. وابن منظور (١) ، في أواخر القرن التاسع في أرض الوقف حين زهد الناس في كرائها للزرع لما تحتاجه أرض الزرع من قوة الخدمة ووفرة المصاريف [لطول تبويرها] (٢) ، وزهدوا في كرائها للغرس والبناء لقصر المدة التي تكترى أرض الوقف لمثلها. ولإباية الباني أو الغارس أن يبني أو يغرس ثم يقلع ما أحدثه في الأرض. فأفتى ابن سراج وابن منظور بكرائها على التأبيد، ورأيا أن التأبيد لا غرر فيه لأنها باقية غير زائلة (٣) *.

    vol. 3, p. 359
  9. ثم تبعهما على ذلك أهل مصر في القرن العاشر بفتوى ناصر الدين اللقاني (١) في إحكار الأوقاف (٢) .

    vol. 3, p. 360
  10. وجرى العمل بذلك في المغرب في فاس وتونس في العُقَد المسماة عندنا في تونس بالنَّصبة والخلو (٣) وأُلحق بها الإِنزالُ،

    vol. 3, p. 361. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  11. وفي فاس بالجَلسة والجزاء (١) .

    vol. 3, p. 362
  12. ومنها فتوى علماء بخارى من الحنفية ببيع الوفاء في الكروم، لحاجة غارسيها إلى النفقات عليها قبل إثمارها كل سنة، فاحتاجوا إلى اقتراض ما ينفقونه عليها (٢) .

  13. وقد يطرأ من الضرورات ما هو أشد من ذلك فالواجب رعيُه وإعطاؤه ما يناسبه من الأحكام.

  14. وفي قواعد عز الدين بن عبد السلام في أواخر قاعدة المستثنيات من القواعد الشرعية في المعاوضات: "لو عم الحرام الأرض بحيث لا يوجد [فيها] حلال، جاز أن يستعمل من ذلك

    vol. 3, p. 363ما تدعو إليه الحاجة. ولا يقف تحليلُ ذلك على الضرورات لأنه لو وقف عليها لأدى إلى ضعف العباد [واستيلاء أهل الكفر والعناد] على بلاد الإِسلام، ولانقطع الناس عن الحرف والصنائع التي تقوم بمصالح [الأنام] . ولا يُتبسط في هذه الأموال كما يُتبسط في المال الحلال بل يقتصر في ذلك على ما تمس إليه الحاجة [دون أكل الطيبات وشرب المستلذات ولبس الناعمات التي هي بمنزلة التتمات] . وصورة هذه المسألة أن يُجهل المستحِقون بحيث يتوقع أن نعرفهم في المستقبل. ولو يئسنا من معرفتهم لَمَا تصورت هذه المسألة, لأنه يصير - أي المال - حينئذ إلى المصالح العامة. وإنما جاز تناول ذلك قبل اليأس من معرفة المستحقين, لأن المصلحة العامة كالضرورة الخاصة. ولو دعت ضرورةٌ إلى غصب أموال الناس لجاز له (١) * ذلك، بل يجب عليه إذا خاف الهلاك لجوع أو حر أو برد. وإذا وجب هذا لإحياء نفس واحدة فما الظن بإحياء نفوس" (٢) . وهذا مقام راعاه المجتهدون في تصاريف استنباطهم، ودنوا منه وابتعدوا. فقد تجد المجتهد الواحد يدنو منه ويبتعد في مختلف أقواله بحسب تعارض الأدلة وغير ذلك.