ي - الملك والتكسب

61 paragraphs · vol. 3, p. 466

Page 1 of 2

  1. لإثراء الأمة وأفرادها طريقان أحدهما التملّك، والثاني التكسّب. وقد مضت الإشارةُ إليهما إجمالاً في مبحث مقصد تعيين الحقوق لأصحابها (١) .

    vol. 3, p. 466
  2. فالتملّك هو أصل الإثراء البشري. وهو اقتناء الأشياء التي يستحصل منها ما تسدّ به الحاجة بغلاته أو بأعواضه أي أثمانه.

  3. والأصل الأصيل في التملك الاختصاص. فقد كان من أصول الحضارة البشرية أن يدأب المرء إلى تحصيل ما يحتاج إليه لتقويم أَوْدِ حياته وسلامته. فهو يصيد لطعامه، ويجتني الثمر لفاكهته، ويحطب للوقود، ويبني البيت أو الخُصَّ للتوقي من الحرِّ والقر، ويتوخّى منازله بجوار المياه خشية العطش، ويرتبط الفرس ويعد السلاح للدفاع، ويقتني نفائس الحلي والثياب للتزين. وهو يتجشّم في السعي لنوالِ ذلك عرَقَ القِربة أو وحشةَ الغُربة. وهو يعمد إلى السَّبق إلى الأشياء المباحة للناس كالحشيش وورق الشجر والتقاط النبق ليأخذ منها حاجته قبل أن يستنفدها الناس، ويحول مجرى الماء إلى أرضه قبل أن يحوله آخر، يتحمل لذلك كله ما يبلغ به الجهد والتعب وإعمال الرأي.

  4. وكل ذلك التدبير يبعثه على التكثير من ادخار ما قد يتطلبه، والاحتفاظ بما يفصّل عن حاجته، ادخاراً لشدائد الأزمان أو تباعد المكان. ويزيده حرصاً على هذا الادخار شعوره بإمكان الفقدان لعجز أو عدم. ولذلك قال الأعشى:

    "كجابية الشيخ العراقي تفهق" (١) *

    وهو قد سمّى ذلك التحصيل والادخار ملكاً، ورأى أن سعيَه يخوّلُه حقَّ الاختصاص بما جمعه. فإذا امتدت إليه أيدي الطامعين في ابتزازه رأى عملَهم ظلماً وحمي غضبه وقام إلى مدافعتهم.

    vol. 3, p. 467
  5. فلمّا أُشربت قلوبُ البشر حب العدل احترموا ممتلكاتِ الناس، وصادقوا على أحقية أصحابها بها، ورأى [كل أحد] لنفسه الحق في أن يتصرف فيما حصله تصرفاً مطلقاً لا يقبل فيه تدخلَ متدخَّل. وقد قصّ الله تعالى أن أهل مدين عجبوا من شعيب أن يضيّق عليهم بعض المعاملات، فشافهوه بالإنكار والتهكم به إذ {قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} (٢) .

  6. واعتبر الإِسلامُ في أصل التملك معنى ما ذكرنا. ففي الحديث:

    vol. 3, p. 468"من أحيا أرضاً ميتة فهي له. وليس لعرق ظالم حق" (١) .

  7. ثم اعتبر تفرع أحوال التملك عن هذا الاختصاص ومراعاة جهود المرء في تملّكه فكانت أسباب التملك في الشرع هي:

    - الاختصاص بشيء لا حقَّ لأحد فيه كإحياء الموات.

  8. - والعمل في الشيء مع مالكه كالمغارسة.

  9. - والتبادل بالعوض كالبيع، والانتقال من المالك إلى غيره كالتبرعات والميراث.

  10. فالمِلك تمكّنُ الإنسان شرعاً من الانتفاع بعين أو منفعة من تعويض ذلك أو من الانتفاع به وإسقاطه للغير، فخرج التصرف بوجه العصمة (٢) *.

  11. وأصل الشريعة في تصرف الناس في أموالهم ومملوكاتهم هو إطلاق التصرف لهم للأحرار الرشداء منهم، فلا ينتقض ذلك الأصل إلا إذا كان المالك غيرَ متأهَّل لذلك التصرف. وقصورُ التصرف يكون لصِبًى أو سفه أي: اختلال العقل في التصرف المالي، أو إفلاس مدين، أو عدم حرية أو حجر في جميع المال أو بعضه. فهذا في التبرّع مما زاد على الثلث من مريض مرضاً مخوفاً، ومن تصرّف معلّق مما بعد الموت وهو الوصية وما يؤول إليها من تبرع، وتبرع ذات الزوج بما زاد على ثلث مالها.

  12. وأما التكسب فهو معالجة إيجاد ما يسد الحاجة إما بعمل البدن أو بالمراضاة مع الغير.

    vol. 3, p. 469
  13. وأصول التكسُّب ثلاثة: الأرض، والعمل، ورأس المال.

  14. وللأرض المكانة الأولى في هذه الأصول الثلاثة. وإذا أطلقنا الأرض هنا فمرادنا ما يصل إليه عمل الإنسان في الكرة الأرضية بما فيها من بحار وأودية ومعادن ومنابع مياه وغيرها، إلَّا أن الحظ الأوفر من ذلك والأسبق هو للأرض بمعنى سطحها الترابي، فإنه منبت الشجر والحب والمرعى ومنبع المياه. قال الله تعالى: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا} (١) . وقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} (٢) . وقال: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} (٣) . وقال: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} (٤) .

  15. والأرض تتفاوت بالخصب، وأثراها أخصبُها, ولذلك كانت الرمال أقل ثروة من غيرها.

  16. وأما العمل فهو وسيلة استخراج معظم منافع الأرض، وهو أيضاً طريقٌ لإيجاد الثروة بمثل الإيجار والاتجار، وقوامه سلامة العقل وصحة الجسم. فسلامة العقل: التمكن من تدبير طرق الإثراء، والصحة لتنفيذ التدبير، مثل استعمال الآلات واستخدام الحيوان.

  17. ومنه الغرس والزرع والسفر لجلب الأقوات والسلع. وقد امتنّ الله تعالى به فقال: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} (١) . وقال: {يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} (٢) .

    vol. 3, p. 470
  18. وقد يكون العمل صادراً من جامع المال لتحصيل أصل ما يتموّله تملكاً كالاحتطاب وإحياء الموات. أو تكسباً مثل مبادلة مالِهِ بما هو أوفر. وقد يكون العمل من غير جامع المال، وهو العمل في مال غير العامل ليحصل العامل بعمله جزءاً من مال صاحب المال كالإجارة على عمل البدن.

  19. وأما رأسُ المال فوسيلة لإدامة العمل للإثراء، وهو مال مدّخر لإنفاقه فيما يجلب أرباحاً. وإنما عدّ رأس المال من أصول الثروة لكثرة الاحتياج إليه. فإذا لم يكن موجوداً لا يأمن العاملُ أن يعجز عن عمله فينقطع تكسُّبُه. والأظهر أن تعد آلات العمل في رأس المال، مثل المحركات ومزجيات البخار وآلات الكهرباء وكذلك دواب الحرث والمكاراة.

  20. إذا علمت هذا، فالمعاملات المالية بعضُها راجع إلى التملّك، كبيع ديار السكنى والأطعمة المأكولة، وبعضها راجع إلى التكسّب، كبيع أرض الحراثة وأشجار الزيتون. وكذلك عقودُ الشركات من قراض ومزارعة ومغارسة ومساقاة، وعقودُ الإجارات في الذوات والدواب والآلات والسفن والبواخر والأرتال.

  21. والمقصد الشرعي في الأموال كلها خمسة أمور: رواجها، ووضوحها، وحفظها، وثباتها، والعدل فيها.

  22. فالرواج دوران المال بين أيدي أكثر من يمكن من الناس بوجه حق. وهو مقصد عظيم شرعي دل عليه الترغيب في المعاملة بالمال، ومشروعية التوثّق في انتقال الأموال من يد إلى أخرى. ففي الترغيب في المعاملة جاء قوله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} (١) ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما من مسلم يزرع زرعاً أو يغرس غرساً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" (٢) . وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: "ما موتٌ أحبّ إليّ بعد الشهادة في سبيل الله من أن أموت متجراً" (٣) , لأن الله قرن بين التجارة والجهاد في قوله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ

    vol. 3, p. 472يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (١) . وفي الموطأ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلْها الزكاة" (٢) *. وقد دلت إشارة قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا} (٣) على أهمية إدارة التجارة في نظر الشريعة حتى رخصت في ترك الإشهاد المحثوث عليه حرصاً على نفي العوائق عنها. ومن الشواهد في ذلك أن العرب كانوا يحرّمون التجارة في الحج إذا دخل شهر ذي الحجة بأسواقهم مِجنَّة وذو المجاز وعكاظ. وكانوا يقولون لمن يتّجر في العشر من ذي الحجة: هؤلاء الداج وليس بالحاج (٤) . فأبطل الإِسلام ذلك بحكم قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} (٥) أي في أيام الحج.

    vol. 3, p. 471
  23. وفي التوثّق وردت أدلة كثيرة في مشروعية الإشهاد والحث عليه، منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} إلى قوله: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (١) . ومنها عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سيأتي في مقصد القضاء والشهادة (٢) .

    vol. 3, p. 473
  24. ومحافظةً على مقصد الرواج شرعت عقود المعاملات لنقل الحقوق المالية بمعاوضة أو بتبرع. وهي من قسم الحاجي كما تقدم (٣) . وجعل لزومها حصول صيغ العقود وهي الأقوال الدالة على التراضي بين المتعاقدين. واشتُرطت فيها شروط لفائدة المتعاقدين كليهما. فإذا استوفت شروطَها فهي صحيحة، وبصحّة العقد ترتّب أثرُه. وكان الأصلُ فيها اللزومَ بحصول الصيغ.

  25. وتسهيلاً للرواج شُرعت عقود مشتملة على شيء من الغرر، مثل المغارسة والسَّلَم والمزارعة والقراض، حتّى عدّها بعض علمائنا رخصاً، باعتبار أنها مستثناة من قاعدة الغرر، وإن لم يكن فيها تغيير حكم من صعوبة إلى سهولة لعذر. واعتبروا في إطلاق اسم الرخصة عليها أن تغييرَ الحكم أعمُّ من تغييره بعد ثبوته، أو تغيير ما لو ثبت لكان مخالفاً للحكم المشروع.

  26. ولأجل مقصد الرواج كان الأصل في العقود المالية اللزوم دون التخيير إلَّا بشرط. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (١) كما استدل لذلك القرافي في الفرق السادس والتسعين والمائة (٢) .

    vol. 3, p. 474
  27. وأما العقود التي جعلها فقهاؤنا غير لازمة بمجرد العقد بل حتى يقع الشروع في العمل، وهي الجُعْل (٣) والقِراض (٤) باتفاق، والمغارسة والمزارعة على خلاف (٥) ، فإنما نُظر فيها إلى عذر العامل لأنه قد

    vol. 3, p. 475يخِف إلى العقد لرغبة في العوض ثم يتبيّنُ له أنه لا يستطيع الوفاءَ بعمله. فمصلحةُ العقد بالأصالة في لزومه وتأخر اللزوم في هذه لمانع عارض، خلافاً لظاهر كلام القرافي في الفرق التاسع والمائتين (١) .

  28. ومن معاني الرواج المقصود انتقالُ المال بأيد عديدة في الأمة على وجه لا حرج فيه على مكتسِبِه. وذلك بالتجارة وبأعواض العَمَلة التي تدفع لهم من أموال أصحاب المال. فتيسير دوران المال على آحاد الأمة وإخراجه عن أن يكون قاراً في يد واحدة أو متنقلاً من واحد إلى واحد مقصدٌ شرعي، فُهمت الإشارةُ إليه من قوله تعالى في قسمة الفيء: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} (٢) . فالدُّولة - بضم الدال - تداول المال وتعاقبه، أي: كيلا يكون مال الفيء يتسلمه غني من غني كالابن البكر من أبيه مثلًا أو الصاحب من صاحبه.

  29. والشريعة قد بلغت إلى مقصدها هذا بوجه لطيف. فراعت لمكتسِبِ المال حقَّ تمتعه به. فلم تصادره في ماله بوجه يحرجه لما

    vol. 3, p. 476هو في جبلة النفوس من الشُحَّ بالمال، فجعلت لحالة المال حكمين أحدهما حكمه في مدة حياة صاحبه، والثاني حكمُه بعد موت صاحبه.

  30. فأما في الأول فأباحت لمالك المال في مدة حياة تصرّفَه فيه واختصاصَه به حثاً للنّاس على السعي في الاكتساب لتوفير ثروة الأمة وإبعاد المُفشلات عنها، فلم تجعل عليه في مدة حياة مكتسِبِه إلَّا حق الله فيه وهو الزكاة على اختلاف أحوالها، وتخميس المغانم.

  31. والثاني حكمُه بعد موت مكتسبه. وفي هذه الحالة نفذت الشريعة مقصدَها من توزيع الثروة تنفيذاً لطيفاً, لأن مكتسب المال قد قضى منه رغبتَه في حياته، فصار تعلق نفسه مسألة بعد وفاته تعلقاً ضعيفاً إلا إذا كان على وجه الفضول. فعلمُ المكتسب باقتسام ماله بعد موته لا يثبّطه عن السعي والكد في تنميته مدة حياته، فشرع الإِسلام قسمة المال بعد وفاة مكتسبه. وقد كانوا في الجاهليّة يوصون بأموالهم لأحب الناس إليهم أو أشهرهم في قومهم تقرباً إليهم، وافتخاراً بهم، فأبطل الإِسلام ذلك. فأوجب الوصيَّة للأقارب بآية: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} (١) . ثم نسخ بشرع المواريث المبيَّن في القرآن والسنّة، ولم يُجعل لصاحب المال حقٌّ في صرفه بعد موته إلا في ثلث ماله أن يوصي به لغير وارث (٢) ، فتمّ مقصد التوزيع بحكمة، وهي جعل المال صائراً إلى قرابة صاحبه لأن ذلك مما لا تشمئز منه نفسه، ولأن فيه عوناً على حفظ المال في دائرة

    vol. 3, p. 477القبيلة. وإنما تتكون الأمة من قبائلها، فيؤول ذلك إلى حفظه في دائرة جامعة الأمة.

  32. ولم تحرِم الشريعة أولي الأرحام من حقًّ في المال. وقد كان أهل الجاهلية يحَرمون جانب المرأة من الميراث، فمن أين يجيء طمع أولي الأرحام! وقد سمَّى القرآنُ ذلك فريضة. وأكد المحافظة عليها بقوله في صدر آية المواريث: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} ، وقوله في خلالها: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} ، وقوله في آخرها: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} الآية (١) .

  33. ومن وسائل رواج الثروة القصدُ إلى استنفاد بعضها. وذلك بالنفقات الواجبة على الزوجات والقرابة. فلم يترك ذلك لإرادة القيّم على العائلة بل أوجب الشرع عليه الإنفاق بالوجه المعروف. وهو مما شمله قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (٢) ، وقوله: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} (٣) ، وفي الآية الأخرى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} (٤) .

  34. ومن طرق الاستنفاد نفقات التحسين والترفه. وهي وسيلة عظيمة لانتفاع الطبقتين الوسطى والدنيا في الأمة من أموال الطبقة العليا. وهي أيضاً عون عظيم على ظهور مواهب أهل الصنائع

    vol. 3, p. 478والفنون في تقديم نتائج أذواقهم وأناملهم. هذه النفقاتُ هي المشار إليها بقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (١) ، وقوله: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} (٢) . غير أن الشريعة لم تعمد إلى هذا النوع من الاستنفاد بالطلب الحثيث اكتفاء بما في النفوس من الباعث عليه كما قدمنا الإشارة إليه في أوليات هذا المبحث (٣) ، وتجنّباً من أن يصير التحريض عليه حملاً للأمة على السَّرفِ الذي يعرّض صاحبه لاختلال ثروتَه فيكون اختلالاً لجزء من نظام الثروة، وذلك قد يجرّ إلى اختلال الكل.

  35. ومن وسائل رواج الثروة تسهيل المعاملات بقدر الإمكان، وترجيح جانب ما فيها من المصلحة على ما عسى أن يعترضَها من خفيف المفسدة. ولذلك لم يُشترط في التبايع حضورُ كلا العوضين، فاغتفر ما في ذلك من احتمال الإفلاس. وشُرعت المعاملات على العمل مثل المغارسة والمساقاة واغتفر ما في ذلك من الغرر. وشرعت البيوعات على الأوصاف كالبرنامج (٤) واغتفر ما في ذلك من

    vol. 3, p. 479الضرر، قصداً في جميع ذلك إلى تسهيل المبادلة لتيسير حاجات الأمة، وقد دلّ على ذلك قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا} (١) .

  36. وتختلف أنواع المتمولات في سهولة رواجها اختلافاً عظيماً. والأصلُ في سهولة الرواج يعتمد خفّةَ النقل، وقبولَ طول الادّخار، ووفرةَ الرغبات في التحصيل، وتيسرَ التجزئة إلى أجزاء قليلة. فالحبوب من القمح والشعير ونحوهما أيسر رواجاً من التمر والزبيب والتّين المجفّف، وأخف نقلاً، وأطول ادخاراً، وأكثر مرغوبية، وأيسر تجزئة. والفواكه دون ذلك في جميع هذه الصفات. والألبان واللحوم ضعيفة في جميعها. والسَمن والعسل مستويان في صفة الادّخار والنقل، ومختلفان في وفرة المرغوبية. والأنعام أقوى في وفرة المرغوبية وخفة النقل، وأعسر ادّخاراً وتجزئة. والرباع والعقار دون غيرها في معظم الصفات عدا صفة المرغوبية. فإن الناس في اقتنائها أرغب، وعدا صفة الادّخار لأن الخطر عنها أبعد.

  37. وأهم ما اصطلح عليه البشر في نظام حضارتهم المالية وضع النقدين أعواضاً للتعامل. فقد كان التعامل الطبيعي في البشر يحصل بالتعاوض في الأعيان بحسب الاحتياج الباعث على الرغبة في صنف من أصناف الأشياء المنتفع بها. وكلّما قرب قوم من البداوة والبساطة قلّ التعامل بالنقدين بينهم. وهو المعنى الذي من أجله نرى الفقهاء يقسمون الناس إلى أهل ذهب وأهل فضة، وأهل أنعام، وكان من

    vol. 3, p. 480حقهم أن يزيدوا في التقسيم أهل الحبوب والثمار مثل الأوس والخزرج وثقيف. فإن هذا القسم قد كان كثيراً في بلاد العرب في الجاهليّة والإِسلام.

  38. فالتعامل بالنقدين أيسر من التعامل بالأعيان من الأشياء من سائر الجهات، وبخاصة من جهة سهولة تجزئة القيمة، وسهولة التعاوض في الأمور الثقيلة في التسليم كالمقادير الكثيرة، وفي الأشياء التي يعسر فيها تعاوض الأعيان كالرباع والعقار؛ إلّا أن النقدين عند حالة الاضطرار، مثل حالة الحصار وحالة الجدب والمجاعة، لا تغني عن أصحابها شيئاً. فالنقدان عوضان صالحان بغالب أحوال البشر، وهي أحوال الأمن واليسر والخصب.

  39. ومن أحسن ما ظهر فيه مزيّة التعامل بالنقدين أنه يمكن فيه تمييز البائع من المشتري. فباذل النقد مشتر وباذل العوض بائع، ولأن النقدين يُطلبان ولا يُعرضان بخلاف بقية المتمولات فإنها يلحقها العرض والطلب. ولا يلحق العرض بالنقدين إلَّا نادراً، كما يضع صاحب رأس المال مقداراً من ماله لمن يرغب المعاملة معه به مثل وضع رأس مال السَّلَم، ورأس مال القِراض، وترويج أوراق البنوك.

  40. وقد كان كثير من التعامل في الإِسلام في عهد النبوّة حاصلاً بطريقة المعاوضة. فلذلك كثرت المنهيَّات من بيع الأشياء بأمثالها، لأن غالب تلك البيوع كان يتطرّقه الغرر والتغابن. ولعسر ضبط قيمة العوض، ولكثرة اختلاف صفات وأنواع الجنس الواحد من تلك الأعواض، مثل أنواع التمر والحنطة وصفاتها في الجودة والرداءة والجِدّة والقدم، وكان احتياج أحد المتعامليْن أو كليهما في المعاملة

    vol. 3, p. 481الواحدة إلى تحمل الغرر باعثاً للمحتاج منهما على تحمّل الغرر لقضاء حاجته، وباعثاً للآخر على إلجاء المظنون به الاحتياج إلى تحمّل الغبن والغرر. فالغرر والغبن لا يكادان يفارقان معاوضات الأعيان. ولذلك اغتفر فيها ما لا بد منهما ولم يغتفر ما زاد على ذلك. ألا ترى إلى إباحة بيع الجزاف في الأشياء التي تكال وتوزن ولم يبح بيع النقدين جزافاً (١) .