ي - الملك والتكسب

61 paragraphs · vol. 3, p. 466

Page 2 of 2

  1. وقد جاء في حديث رافع بن خديج في النهي عن كراء الأرض أنه قال: كانت الأرض تكرى بالطعام ونحوه. وأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ. قال حنظلة بن قيس: فقلت لرافع: فكيف هي - أي الأرض - بالدينار والدرهم؟ فقال رافع: ليس بها بأس بالدينار والدرهم (٢) *. قال البخاري في صحيحه عن الليث بن سعد: "إن الذي نُهي عنه من ذلك ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه، لما فيه من المخاطرة" (٣) .

    vol. 3, p. 481
  2. وفي حديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم قالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله فسألناه عن الصّرف. فقال: "إن كان يداً بيد فلا بأس، وإن كان نَساء فلا يصلح" (٤) *. يعني فلم يمنع فيه التفاضل كما

    vol. 3, p. 482منعه في بيع الطعام بمثله. وما أحسب ذلك إلَّا لانتفاء الغرر بإمكان ضبط الدنانير والدراهم.

  3. وفي الموطأ عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلاً على خيبر فجاءه بتمر جنيب (١) *. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أكلُّ تمر خيبر هكذا؟ " قال: لا، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تفعل، بع الجَمع (٢) * بالدراهمَ ثم ابتع بالدراهم جنيباً" .

  4. وقد ظهر من هذا كله أن من مقاصد الشريعة تكثيرَ التعامل بالنقدين ليحصل الرواجُ بهما. وفي سنن أبي داود (٣) * عن عبد الله بن

    vol. 3, p. 483مسعود: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تكسر سكة المسلمين إلّا من بأس" .

  5. وما أحسب نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن استعمال الرجال الذهب والفضة إلا لحكمة تعطيل رواج النقدين بكثرة الاقتناء المفضي إلى قلّتهما.

  6. وفي مشروعية التوثّق جاء قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} (١) ، وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} (٢) ، وقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} (٣) .

  7. وأما وضوح الأموال فذلك إبعادُها عن الضرر والتعرض للخصومات بقدر الإمكان. ولذلك شرع الإشهاد والرهن في التداين.

  8. وأما حفظُ الأموال فأصله قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (٤) . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبة حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم

    vol. 3, p. 484هذا " (١) ، وقوله: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس " (٢) . وقوله: " من قتل دون ماله فهو شهيد" (٣) . وهو تنويه بشأن حفظ المال وحافظه، وعظم إثم المعتدي عليه. وإذا كان ذلك حكم حفظ مال الأفراد فحفظُ مال الأمة أجلُّ وأعظم.

  9. إذن فحقَّ على ولاة أمور الأمة ومتصرفي مصالحها العامة النظر في حفظ الأموال العامّة سواء تبادلُها مع الأمم الأخرى، وبقاؤها بيد الأمة الإِسلامية.

  10. فمن الأول: سَنُّ أساليب تجارة الأمة مع الأمم الأخرى،

    vol. 3, p. 485ودخول السلع وأموال الفريقين إلى بلاد أخرى، كما في أحكام التجارة إلى أرض الحرب، وأحكام ما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحربيين على ما يدخلونه من السلع إلى بلاد الإِسلام وأحكام الجزية والخراج.

  11. ومن الثاني: نظام الأسواق والاحتكار وضبط مصارف الزكاة والمغانم ونظام الأوقاف العامة.

  12. وحقَّ على من وُلِيَ مال أحد أن يحفظه. وقد قال الله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} (١) ، وقال: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا} (٢) .

  13. وحقَّ على كل أحد احترامُ مال غيره. ولذلك تقرّر غرم المُتلَفات وجَعل سببها الإتلاف. ولم يلتفت فيها إلى نيّة الإتلاف لأن النيّة لا أثر لها في ذلك.

  14. وأما إثبات الأموال فأردت به تقرّرها لأصحابها بوجه لا خطر فيه ولا منازعة. فمقصد الشريعة في ثبات التملك والاكتساب أمور:

    الأول: أن يختص المالك الواحد أو المتعدد بما تملكه بوجه صحيح، بحيث لا يكون في اختصاصه به وأحقيته تردّد ولا خطر. ولذلك قال الله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} (٣) فليس يدخل على أحد في ملكه منعُ اختصاصه إلَّا إذا كان لوجه مصلحة عامة. وقد

    vol. 3, p. 486قال عمر: "والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبراً" (١) .

  15. وعلى هذا المقصد انبنت أحكامُ صِحة العقود وحملِها على الصحة، والوفاء بالشرط، وفسخ ما تطرقه الفساد منها لمنافاته لمقصد الشريعة، أو لمعارضة حقّ آخر اعتدي عليه. ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للذي سأله عن بيع التمر بالرطب: "أينقص الرطب إذا جفّ" ؟ قال: نعم. قال: "فلا إذن" (٢) . فليس الاستفهام بقوله: "أينقص الرطب" ، استفهاماً حقيقياً، ولكنه إيماء إلى علة الفساد. وقال في نهيه عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها: "أرأيت إن منع الله الثمرة فِيمَ يأخذ أحدكم مال أخيه؟! " (٣) .

  16. والمقصدُ من الاكتساب مثل المقصد من التملك فيما ذكرنا. فبذلك كانت الأحكام مبنيّة على اللزوم في الالتزامات والشروط. وفي الحديث: "المسلمون على شروطهم إلَّا شرطاً أحلَّ حراماً أو حرّمَ حلالاً" (٤) . وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} (٥) . وفي حديث الترمذي عن العداء بن

    vol. 3, p. 487خالد أنه اشترى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبداً أو أمة فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب له: "هذا ما اشترى العداء بن خالد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، اشترى منه عبداً أو أمة، بيع المسلم المسلم لا داء ولا خبثة ولا غائلة" (١) .

  17. الثاني: أن يكون صاحبُ المال حرَّ التصرف فيما تملّكه أو اكتسبه تصرفاً لا يضر بغيره ضراً معتبراً، ولا اعتداءَ فيه على الشريعة. ولذلك حجّر على السفيه التصرف في أمواله. ولم يجز للمالك أن يفتح في ملكه ما فيه ضرر بمالك آخر مجاور له. ومُنِعت المعاملة بالربا لما فيه من الأضرار العامّة والخاصة.

  18. الثالث: أن لا يُنتزعَ منه بدون رضاه. وفي الحديث: "ليس لعِرقٍ ظالمٍ حقّ" (٢) . فإذا تعلق حقّ الغير بالمالك وامتنع من أدائه أُلزم بأدائه. ومن هنا جاء بيع الحاكم، والقضاء بالاستحقاق. ولرعي هذا المقصد كان المتصرف بشبهة في عقار فائزاً بغلاته التي استغلها إلى يوم الحكم عليه بتسليم العقار لمن ظهر أنه مستحقه.

  19. وتقريراً لهذا المقصد قررت الشريعة التملّكَ الذي حصل في زمان الجاهليّة بأيدي من صار إليهم في تلك المدّة، ومن انتقل إليهم منها. فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيما دار أو أرض قُسمت في

    vol. 3, p. 488الجاهلية فهي على قسم الجاهليّة، وأيّما دار أو أرض أدركها الإِسلام فلم تقسم فهي على قسم الإِسلام" (١) *.

  20. وأما العدل فيها فذلك بأن يكون حصولها بوجه غير ظالم. وذلك إما أن تحصل بعمل مُكتسبِها، وإما بعوض مع مالكها أو تبرع، وإما بإرث. ومن مراعاة العدل حفظ المصالح العامّة ودفع الأضرار. وذلك فيما يكون من الأموال تتعلق به حاجةُ طوائف من الأمة لإقامة حياتها، مثل الأموال التي هي غذاء وقوت، والأموال التي هي وسيلةُ دفاع العدو عن الأمة مثل اللامة والآطام بالمدينة في زمن النبوّة. فتلك الأموال وإن كانت خاصة بأصحابها إلا أن تصرّفهم فيها لا يكون مطلقَ الحرية كالتصرّف في غيرها.

  21. وهذا وجه النهي عن أكل لحوم الحُمُر الأهلية في غزوة خيبر، بناءً على القول بأنه تحريم عارض لا ذاتي، وهو قول كثير من العلماء. قالوا: لأنها كانت حمولتَهم في تلك الغزوة (٢) . وفي صحيح البخاري من حديث ابن عمر أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان

    vol. 3, p. 489على عهد النبوّة، فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حيث يباع الطعام (١) . وكانوا يضربون على أن يبيعوه حتى يؤووه إلى رحالهم. ولذلك كان من الحق إبطال الاحتكار في الطعام. وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب قال: "لا حُكرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا. ولكن أيّما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء والصيف فذلك ضيف عمر فليبع كيف شاء [الله] وليمُسك كيف شاء [الله] " (٢) .