العطل والإجازات
82 paragraphs · vol. 1, p. 220
Page 1 of 3
- vol. 1, p. 220
يأذن النظام في تعطيل الدروس بجامع الزيتونة مدّة طويلة في كل عام. وهي تستغرق شهرين من الصيف من منتصف شهر ٧ إلى منتصف شهر ٩ الميلاديين، وكاملَ شهر رمضان، والأسبوع الأول من شوال، و٩ أيام في عيد الأضحى، و٤ أيام في المولد، ويوماً واحداً يوم عاشوراء. وهذه الفترات منظور في تقديرها إلى أسباب عبادية أو مواسم وتقاليد، فلا تكون موزّعة على السنة الدراسية توزيعاً يوفر الراحة والاستجمام. وإنها مع ذلك لتجد من الطلبة
vol. 1, p. 221تذييلاً أولاً وآخراً. فعطلة الصيف تبدأ عملياً من بداية يونيو، والعطل القصيرة تتقدمها من المتطوّعين أيامُ ارتقابها مما يعوق انتظام الدراسة على الوجه المطلوب، ويحول دون الوفاء بالمقرّرات وختم الكتب (١) .
-
تلك هي عامة الأوضاع والملابسات التي كانت تقارن حياة هذا الشباب من طلاب المعهد. فلا يُرجى من ورائها تحريك الطاقات والمواهب، ولا شحذ ملكات الإبداع، ولا إبراز علامات النبوغ، ولكنها، واحسرتاه، تَصرِف عن العمل والدرس، وعن مباهج الحياة إلى الحرص على اختصار مرحلة الانتساب إلى المعهد، للخروج إلى معترك الحياة قصد سدّ الحاجة والاندساس في مجتمعات أغنى وأرقى. ولسان حالهم يردّد قول علي بن الجهم:
والناس منهم عاملان فعامل ... قد مات من عطش وآخر يغرق
لو يرزقون الناسُ حسب عقولهم ... ألفيت أكثر من ترى يتصدّق (٢)
-
وبعد العرض المُزجي الموجز لأوضاع التعليم بالجامع الأعظم، جامع الزيتونة، إثر صدور ترتيب خير الدين - وهو عرض تجنبنا فيه الكثير من التفاصيل والجزئيات التي لا يتسع لها المقام - أحببنا أن نقف عند مطلبين هامين: التآليف والعلوم، تماماً كما فعل الإمام الأكبر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. ذلك أن بيان المنهج الإصلاحي يعتمد أساساً على التآليف التي يكون بها تقدّم العلوم، وتطوّرها، وتبلّغ القصد من الدرس، وتحقّق الانتفاع الشامل والكامل لرواد المعرفة وطلاب العلم.
- vol. 1, p. 222
[المطلب الأول: الكتب والمصنفات المقررة للدراسة]
-
[أغراض التأليف]
-
سبق لنا ذكر هذا الموضوع، بطريقة سريعة، عند الحديث عن الدروس. وإنا لنذكّر في بداية هذا المطلب بالأغراض السبعة التي فيها يُكتَب، ومن أجلها يؤلّف. جمع ذلك المتقدمون في قولهم:
ألا فاعلمن أن التآليف سبعة ... لكل لبيب في النصيحة خالصِ
فشرح لإغلاق، وتصحيح مخطىءٍ، ... وإبداع حَبْرٍ مُقدِم غيرِ ناكص
وترتيب منثور، وجمع مفرق، ... وتقصير تطويل، وتتميم ناقص
والذي حمل العلماء ورجال الفكر على طلب هذه الأغراض، والحرص على العناية بها، وتوفير الجهد في مجالاتها، تقديمُ شيء نافع لمن حولهم ولمن يليهم من الأجيال ممّن وقفوا على التراث العلمي الإسلامي الذي وصل غزيراً إلى أشياخهم، ولم يقدروا على الاستفادة منه مباشرة بأنفسهم، استفادة صالحة، أو ممّن كان هذا التراث محجوباً عنهم غيرَ واقع في حوزتهم، وهم في حاجة إلى التعرّف عليه والإفادة منه.
-
[التأليف بعد القرن السادس]
-
بعد خمسمائة عام من العطاء الفكري والعمل الجاد العلمي، كان من الطبيعي أن تختلف طرائق اللاحقين عن طرائق الأئمة السابقين، لاقتناعهم بما فيه غنى مما هو متوفّر من التصانيف في نظرهم. وبدل التقدم بالعلوم، ومواصلة النشاط الإبداعي، طفِقَ أكثرهم يختصر ويزيد وينقص حسب ما يبدو له. وعلى هذا الأساس نشأت عقدة اللسان، واختفت مسائل العلم تحت الألفاظ، وانشغل المؤلفون عن النقد. وحمل هذا كثيراً منهم على العناية باختزال
vol. 1, p. 223حرف، أو نقص كلمة، كما فعل محمد بن ناماور الخونجي ٦٤٦ في الجمل "مختصر نهاية الأمل في المنطق" ، وخليل بن إسحاق ٧٦٧ في مختصره الفقهي، والتقي ابن السبكي ٧٧١ في جمع الجوامع في أصول الفقه، والجلال المحلِّي ٨٦٤ في شرحه لجمع الجوامع (١) .
-
وترتّب على هذا الاتجاه تعقيد شديد، عطل الأفهام عن الغوص على المعاني، وصرَف الأذهان إلى شرح المغلقات، وأضاع الوقت على الدارسين. فتحوّل بذلك النظر إلى مجالات لفظية حول العبارات ومعاني الكلمات.
-
وكانت النتيجة لهذا التكوين مكابرة ولجاجاً، وقصوراً عن الحجاج.
- الاعتماد على النقل أساساً:
-
غير غريب أن تطغى مع هذا كثرة النقول في مؤلّفات هذا العصر، تفاخراً من أصحابها بسعة المعرفة وكثرة التحصيل، وإن خلت كتبهم من النظر وإعمال الفكر والنقد. وإن في هذا المنهج لانحرافاً عن مثل ما كان يقوم به السكاكي في نقوله، في مواضع شتى من كتابه المفتاح، عن الزمخشري أو عن الجرجاني وأضرابهما، قصد دعم رأي، أو إقامةِ برهان على صحّة معنى، أو بيانٍ لمذاق له (٢) .
-
وقد نظر الأستاذ الإمام إلى أولئك النقلة فوجدهم فئتين:
الفئة الأولى: تنقل ما يصل إليها أو يقع تحت يدها.
- vol. 1, p. 224
والفئة الثانية: تزيّن تأليفها بالنقل عن العلماء والمشاهير أمثال الغزالي وعبد القاهر وابن العربي، لكنك قلّما تجد مَن نهج على منوال هؤلاء العظماء، لأن التقليد إذا صافحه الضعف والفتور، تعلق بسفاسف الأمور. وربما مرّ أصحاب هذه الفئة على مواضع مشكلة من كلام المتقدمين، فيتحاشونها، ولا يقدمون على تحقيقها، مثل كلام عبد القاهر في المعاني الثواني، والغزالي في باب البيان من المستصفى، وابن العربي في حديثه عن المتشابه في شرح الترمذي (١) .
-
وبقدر ما كانت النقول لدى السابقين تأكيداً وتقوية لما يصوّرونه من أغراض، ويبدونه من آراء، كانت عندهم شاهداً على ضعف العقل، وذهاب الملكات، وكثرة التهريج. وحين استقرّ في أذهانهم العجز عن ملاحقة السابقين قالوا: "ما ترك الأول للآخر" ، "وما أصحّ علم من تقدم" ، وإذا لم يقدروا على المفاضلة والترجيح، ولو بعد تكلّف وإجهاد، بين أنظار المتقدمين واختلاف آرائهم، استسلموا قانطين، وذهبوا مرددين: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} (٢) . وغير بدع من الأمر أن يتولّد عن هذه الحالة النفسية لديهم تقديس مطلق للمتقدّمين، أشعرَهم بالنقص، وعدم القدرة على الإتيان بما أتَوا به، وأنّى للتابع أن يبلغ مبلغ الرائد في سداد رأيه، وصحّة نظره، وقدرته على الاجتهاد. ووقع في يقينهم أن كلَّ مسطور يظفرون به أو يقفون عليه ينتسب إلى السابقين صحيح لا يمكن الطعن فيه ولا يُتردّد في الأخذ بما فيه. ونشأت عن هذه العقلية نزعات كان قد نبّه إليها الشيخ ابن عاشور في قوله:
vol. 1, p. 225"فإنه لما سدّت منافذ التفكير في العلم والتوسعة فيه، مال العلماء إلى التفكير في عبارات السابقين، ثم لما عُنوا بطريقة الاستحضار مالوا في تآليفهم إلى الاختصار، وحين شعروا بسماجة الإعادة للمسائل ابتكروا طريقةَ خلطِ التأليف الموضوع في مسائل علم ما بمسائل أخرى من علوم أخرى لأدنى مناسبة أو ملابسة" (١) .
- المحافظون المقلِّدون:
-
أصرّ هؤلاء على مواقفهم، مكتفين بما ورثوه، قانعين بما وصل إليهم، نابذين كل جديد، ومهاجمين كل ما يظهر في مجالات فنونهم وعلومهم مما يخالف أو يناقض ما عرفوه من تصوّرات واعتادوه من آراء، يلبسون له جلد النمر، يحضرون له سيَاط الزجر. وذلك لجمود أفكارهم، وقصورهم عن الاتسام بسِيمَى المحقّقين من العلماء. وربما كان ذلك أيضاً بسبب حسد الأكفاء والعمل على إطفاء مواهب المعاصرين، والتعصّب الممقوت لأشياخهم وكبار علمائهم، وإن تغيرت العصور وقامت بها الحجة عليهم. وإنك لتجدهم يكيدون لمن ليس من حزبهم، لوقف الناس عند ما بلغ إليه العلماء الأقدمون، غير متجاوزين في شيء مقالاتِهم وسلوكَهم وطرائقَهم. ومن أجل ذلك ألقوا في نفوس الحكام والملوك أن الخروج عن ذلك قيد شبر كالإلحاد في الدين، وأن في إطلاق الحرية للرأي والعلم نكراناً لفضيلة العلماء الماضين، إلى غير ذلك من كلمات لفّقوها، وأحاديث وضعوها، ورهبانية في تقديس المتقدمين ابتدعوها (٢) .
-
ولم تنجُ من مغالطاتهم وصنوف كيدهم سوى طائفة قليلة من
vol. 1, p. 226العلماء البارزين لم تجرؤ على إعلان معارضتها لهم، ولكنها جرت على طرائقهم، فضمّنت ما حرّرتْه من شروح وحواشٍ وتعليقات تصحيحَ كثير من الأفهام، وإبداء ما رأته من مقالات وأفكار صائبة.
-
ولو أن المقلّدين رضوا باستدراك النقص، وتصدّوا لإصلاح الكتب والمؤلّفات مما تزخر به من أخلال، لأعانوا الطلاب بعد طول دراساتهم للعلوم اللغوية والعربية، ومثافنتهم لفَنَّي المعاني والبيان، واستغراقهم غالب أوقاتهم في العكوف على العلوم الشرعية، على الانتفاع بما تخصّصوا فيه، والظهور في مختلف مجالات الدرس والبحث والإنتاج قادةَ فكر، وأئمةَ علم، وأمثلةً ونماذجُ يُحتذى حذوها ويُقتدى بها.
-
[تحرير الموقف من العلماء السابقين]
-
وهكذا تتعانق الأجيال، وتلتقي على الخير. فلا يكون الفضل بسبب التقدّم زماناً مطلقاً، ولا بما لابس أولئك العلماء من تقديس لأخذهم بمناهج المتصوّفة أو بظهور الكرامات، أو بالانتماء إلى طائفة معيّنة ونحلة خاصة، أو بالحفاظ على عادات وتقاليد ليست من جوهر العلم ولا مما يتَّصل به أو يتولّد عنه، وإنما أسباب التفضيل التي يقرّ بها العامة والخاصة، ويرونها معايير توزن بها جهودُ الرجال وطاقاتُهم، واتساعُ مواهبهم، وألوان إنتاجهم التي تقوم عليه المدارس العلميّة النافعة، والمذاهب الفكرية الراشدة.
-
وقدم الناس في كل عصر مَن تميّز من بينهم بالإقبال على العلم والإعراض عن زخارف الدنيا، والنصيحة للكَافة وللخاصة، ومن جهة ثانية المتقنين للعلوم، الواضعين لقواعدها، المبدعين في صنوفها، الذواقين الكاشفين عن أسرارها، والأسخياءَ الذين تَرَقَّوْا بتلك
vol. 1, p. 227العلوم، وأفاضوا على القريب والبعيد من معارفها. فبهذا يتعارف الخيّرون، ويتنادى المُصلحون، وتبرز الصلة متينة قوية بالمضي على نفس المنهج، وتتواصل الجهود بين السابقين واللاحقين. وهذا ما حمل الشيخ ابن عاشور على التنويه بهؤلاء في قوله: "إنهم غرسوا لنُنمي، وأسّسوا لنَشِيدَ، وابتدأوا لنزيد. ولست مقتدراً أن أقنع نفسي بأنَّهم كانوا في درجة واحدة من العلم، بل منهم العالم المنشىء لقواعد وأصول، ومنهم الذي لم يشتهر اسمه إلا بفضل عوارض" (١) . وهذا التفاوت بين الأعلام المشهورين يرجع بدون شك إلى ما فطروا عليه، وإلى ما هذبوه ونمّوه من ملكات، وما رزقهم الله من مواهب وقدرات، أو اكتسبوه من طاقات وتخصّصات.
-
[المطلب الثاني: عيوب التأليف]
-
وإنا كلما تقدمنا في مطالعة المذكرات الإصلاحية للشيخ ابن عاشور أيقظتنا إضاءات وتنويرات، ونبّهتنا لأهميتها آراء وملاحظات، وذكرتنا عند مطالعتها قواعد وأصولاً، يغفل عنها المدرِّسون ولا يجهلونها، وإنما هي الرتابة والتعوّد وعدم الالتفات إلى أحوال المخاطبين، وبُعد أصحاب التصانيف عن أصول البلاغة صناعة لا نظراً، أفقدتهم أسس النجاح، وجعلتهم فيما يقرّرون أو يكتبون يُملِّون وينفِّرون لما يشوب تآليفهم من عيوب تورث طُلّابَهم العياءَ وقلةَ الفهم.
-
ولذلك وجبت العناية بالتآليف تعريفاً وعرضاً، تحليلاً ونقداً، توجيهاً وإصلاحاً. ومن كان في أوائل هذا القرن يقدر على ذلك مثل
vol. 1, p. 228العلامة ابن عاشور؟! فهو لسعة معرفته بهذا الموضوع، وكمال إحاطته بالفنون والمؤلفات، وغوصه في دراسة مناهجها وضبط خصائصها، قد تولَّى إلى جانب التاريخ لهذه الظاهرة العلمية التي تعلّقها طوال حياته بيان أوصافٍ وتعليلات وملاحظات وأحكام لا تجد الحديث عنها في كتاب، ولا في حلقة درس إلا نزراً، ومن القليل القليل من أهل العلم.
-
ذكر رحمه الله أمثلة من كتب جيّدة انبنت عليها النهضة في العلوم، وقام بها تأسيس النظر في عدّة فنون. وهذه معلومة مشهورة، ولكنَّها أُتبعت بعد وضعها وتصنيفها بأخرى استندت إليها، ورام الشيوخ في حلقات الدرس أن يلقّنوها طلابهم، ويعلّموهم ما شملته من قواعد ونظريات وأفكار. ولعله من الواجب، لاكتشاف بعض الحقائق والأسرار، أن ننظر بتأمّل في كتاب أليس الصبح بقريب. فهو يركز ملاحظاتِ مؤلفه ونقدَهُ على الكتب المدرسية، المقرَّرَة للمرحلة الأولى من التعليم الزَّيتوني، والتي يقوم التلميذ بدراستها ولمّا يبلغ في الغالب من العمر خمسة عشر عاماً.
-
[بعض كتب المرحلة الابتدائية]
-
من أهم ما يُبدأُ به من المقرر كتابان: المقدمة الآجُرُّومية في النحو، وإيساغوجي في المنطق. وهما متقاربان حجماً، متباينان سهولة وصعوبة.
-
فالمقدمة الآجُرُّومية، نسبة إلى مؤلفها محمد بن محمد بن داود بن آجُرُّوم ٧٤٣، أوّل كتاب يدرس في علم النحو. وهو مفيد. نظمه يحيى بن موسى العَمريطي ٨٩٠، وأسماه الدرّة البهيّة.
-
وإيساغوجي كتاب لأثير الدين مفضّل بن عمر الأبهري ٧٠٠.
- vol. 1, p. 229
مختصر أيضاً. وضعه صاحبه للتعريف بالكليات الخمس: الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والعرض العام، وما يتصل بذلك من المصطلحات المنطقية الواجب استحضارها لمن يبتدىء في شيء من العلوم (١) . والملاحظ لدى عامة الدارسين أنه كان من الأفضل تأخير دراسة هذا الكتاب سنتين أو ثلاث حتى يتهيأ التلميذ لذلك.
-
وكتاب القطر المعيّن لدراسة النحو في السنة الثانية ابتدائي هو كتاب قطر الندى وبلّ الصدى. مقدمة في النحو لابن هشام ٧٦٢. قال عنه الشيخ ابن عاشور: "وفيه مسائل تقرأ في علم النحو هي كما تقدم من عويصات المسائل أو من محاجاته" (٢) .
-
والألفية أو الخلاصة في النحو لابن مالك الطائي الجَيَّاني ٦٧٢. هي أرجوزة مفيدة من مقررات السنة الثالثة والرابعة بجامع الزيتونة، عليها شروح كثيرة مهمة.
-
[الاضطراب والاختلاط]
-
اشتملت كثير من الكتب الدراسية على اضطراب وإخلال بسبب الإجمال. فغاضت المعاني، وتشتّتت المقاصد، ونقصت الفوائد. وهو ما اشتكى منه ابن خلدون في مقدمته، والشاطبي في موافقاته (٣) .
-
أما صور الاختلاط في التعليم والتأليف فكثيرة. كان يؤتى بمسائل علم المنطق في مبادىء علم الأصول، ويفصّل الحديث في
vol. 1, p. 230فلسفة الأجرام في باب التشبيه، ويَرِدُ ذكر الحواس الباطنة في الفصل والوصل من علم البلاغة، ويختلط التصوّف بالفقه، وعلم الكلام بمبادي النحو عند تعريف لفظ الكلام، فيتناول القولُ بالمناسبة مبحثَ دلالة الكلام أهي وضعية أم عقلية (١) . وتداخل العلوم هكذا، أوجب ربط بعضها ببعض ضيقاً في تلك المؤلّفات، وكثرةَ الخلاف في مسائلها، كما أورث بالانتقال من مادة إلى أخرى في نفس الدرسِ والحصة، وما يستوجبه هذا من تقديم وتذييل، شرودَ عقل التلميذ، وعدمَ فَهمه، وعجزَه عن مسايرة الشيوخ في تقريراتهم، والإفادة من جهودهم وتحريراتهم. ومما يلاحظ فيما ذكرنا أن من الخلط المشار إليه ما هو مادي علمي، ومنه ما هو منهجي تصوّري. وكلاهما يحتاج إلى تغيير وإصلاح في الكتب ومواد التدريس.
-
[من اختلاط المسائل]
-
عرّف النحاة اللفظ بأنه الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية. وهذه العبارة واضحة الدلالة يفهمها التلميذ في يسر، ويسهل عليه حفظها، لكن الشارح أراد إبراز معارفه، ونسي أنه يتحدث في النحو مع تلامذة مبتدئين، فأتى بتعريف ثانٍ ليس هذا موضعه، ناقلاً عن المتكلمين قولهم: "اللفظ حركة في اللسان يخلقها الله عند حاجة المتكلم" ، ويتبعه المحشِّي مؤكداً للتعريف الثاني الكلامي بقوله: "إن الشارح لم تزلّ به قدمه بل جرى على أصول الأشعري في الكسب" . ويعقب الشيخ ابن عاشور على هذا كلِّه، مبدياً رأيه في هذا الصنيع قائلاً: "فجاءتك مسألة خلق الأفعال، والخلاف بين الأشعرية والمعتزلة والجبرية. كل هذا والتلميذ يَعُدّ
vol. 1, p. 231ما في الجامع من أساطين، ويشيّع بنظره مساعي المارين، فإن شئت أن تعلم ما حصل من المسألة فاسأل العادّين، لأن التلميذ لم يعرف بعد معنى الكلام، فكيف به إلى دقائق علم الكلام" (١) .
-
ومن أمثلة ذلك أيضاً ما يجري من تلقين مسائل التوحيد في مقدمات الكتب الفقهية. فهذا عبد الواحد بن عاشر ١٠٤٠ يورد في نظمه المرشد المعين على الضروري من علوم الدين في حدوث العالم قوله:
[وذا محال] وحدوث العالم ... من حدث الأعراض مع تلازم
وبالرغم من سهولة التعبير فإن إشاراته لا يدركها الأطفال ولا يَعُونها - ولو درّسها المدرس، وأوضحها الشارح - إلا بجهد وعنت. ومن يستطيع منهم فهم كلام مياره في شرحه وتعليل حقيقته حين يقول: وحدوث العالم ... لما قدم في برهان الوجود حدوثَ العالم، ذكر هنا برهان ذلك؛ وهو ملازمته للأعراض الحادثة، فإن أجرام العالم يستحيل انفكاكها عن الأعراض، كالحركة والسكون. وهذه الأعراض حادثة بدليل مشاهدة تغيّرها. فلو كانت قديمة للزم أن لا تنعدم، لأن ما ثبت قِدَمُه استحال عدمه، وإذا ثبت حدوثها واستحال وجودها في الأول، لزم حدوث الأجرام واستحالة وجودها في الأزل قطعاً لاستحالة انفكاكها عن الأعراض، إذ حدوث أحد المتلازمين يستلزم حدوث الآخر ضرورة (٢) .
-
وإن في هذا الشرح إيغالاً أيضاً في استعمال الاصطلاحات التي لم يألفها التلميذ بعد.