الدروس الأساسية للتعليم بجامع الزيتونة، وبيان طريقة المؤلف في نقد العلوم المقررة
181 paragraphs · vol. 1, p. 245
Page 1 of 5
- vol. 1, p. 245
إن العلوم المتداولة متعددة:
منها العلوم الشرعية كعلوم التفسير والحديث والفقه وأصول الفقه والكلام.
-
ومنها علوم اللغة المتصلة بحياة اللغة العربية مادة وفنوناً، وعلوم العربية كالنحو والصرف، وأسرار العربية كعلوم البلاغة من معانٍ وبيانٍ وبديع.
-
ومنها ما هو دون ذلك في الأهمية عند شيوخ الزيتونة، وهي العلوم الأخرى التي - رغم كبر نفعها ومسيس الحاجة إليها - لم تحظَ بما تستحقه من العناية بينهم. فلم تبلغ في تدريسها المرحلة المتقدمة أو المستوى المناسب لها في عصرنا، وإنما بقيت جامدة في الأكثر، لا تعدو ما نقله العرب منها عن اليونان، وما وضع لها من مقاصد السابقين. وهذه العلوم هي المنطق وعلم التاريخ والعلوم الفلسفية والرياضية.
-
وقد كان تعامل الشيخ رحمه الله مع هذه العلوم في عرضها، وذكر أسباب التأخر فيها، موحَّداً في تعريفه لأكثرها، وذكر أطوارها وأهم مراحلها، مع الإشارة إلى الأمهات والمصادر المدونة فيها. وذلك ما يَبرز بروزاً واضحاً في تناوله لعلوم المقاصد وعلوم الوسائل. ثم يعقّب ذلك في كل علم من العلوم المشار إليها بذكر ما ألمّ بها من أسباب التأخر، وبما يقترحه من وسائل الإصلاح لها.
-
أما العلوم الأخرى التي أشاد بأهميتها، ودعا إلى ضرورة الإقبال عليها فقد تناولها بطريقة مختلفة ركزت على الإشارة إلى
vol. 1, p. 246الأهداف منها، ونبّهت إلى ما هي عليه اليوم عندنا من ضمور بسبب التوقّف عن مسايرة الرواد فيها في البلاد المتقدمة، والانصراف عما ألحقوه بها وطوّروه من محاورها وموضوعاتها ومناهجها. وقد كان الشيخ شديد الحرص في كل ذلك على وضع إضاءات وتنويرات تُوجِّه الأساتذة في إقبالهم عليها، وإلى الإفادة من مطالعاتهم، وضبط تحريراتهم، بالوقوف على ما جدّ من مسائل دقيقة، تمهيداً للاشتغال بتلك العلوم، ومعواناً على تأليف كتب قيِّمة فيها.
-
ولعل في ذكر أسباب الضعف والتأخر في كلا القسمين من العلوم ما يكفي لتعقّب أعمال المتأخّرين، أو تنقيتها مما لحق بها من شوائب، والأخذ بما دعا إليه الإمام الأكبر من أوجه الإصلاح.
- vol. 1, p. 247
[أ - من علوم المقاصد]
-
[١ - علم التفسير]
-
بدأ المؤلف بتعريفه، وذكر مراحله، وتنوّع مناهج المفسرين فيه، بين تفسير بالمأثور وتفسير بالرأي، ثم باختلاف طرق السابقين في العناية بالقرآن بما رجعوا إليه من علوم لخدمته، واستخراج معانيه كاللغة والبيان وعلوم العربية. وهو ينهي ما أجمله من القول في ذلك بالإشارة إلى أن تفسير القرآن أصبح تسجيلاً يقيّد به فهم القرآن، ويضيق به معناه الذي كان السلف يقولون فيه: "إنه لا تنقضي عجائبه ولا تنفد معانيه" (١) . ولتقرير هذه الحقيقة من حصر الأفهام، وضعف بيان مراد الله تعالى من كتابه، يذكر أسباب ذلك معقّباً عليها ببيان المنهج الذي يحسن بالمفسرين اعتماده وسلوكه.
- vol. 1, p. 248
[كلمة عن المفسرين]
- ومما نعاه الشيخ رحمه الله على المفسرين:
-
أولاً: العناية بالتوقيف والنقل تجنباً للخطأ، ودفعاً للعامة من ولوج باب هذا العلم الذي يحتاج إلى تأهّل وسابق إعداد للمشاركة فيه. ومن الملاحظ أن كثيراً من أصحاب هذه السِّمَة كانوا يتساهلون في نقولهم، وإن كانت ضعيفة، ويتجنّبون اعتماد الرأي، ولو كان صواباً. وهكذا وقع منهم الاستشهاد بكثير من روايات الوضّاعين عن ابن عباس، أمثال الكلبي ومقاتل والضحاك، كما نقلوا عن الإمام علي أخباراً ضعيفة لم تصحَّ، واهية الأسانيد، وقد ظهر الاهتمام بالنقل في ذكر أسباب النزول، مما صرف ألفاظ القرآن عن معانيها، واقتباس غير المراد منها من كتب الوعاظ وغيرهم.
-
وهنا لا بد من تحرير القول في معنى الرأي. قال ابن عطية: الرأي الذميم الذي لا يعتمد هو أن يسأل الرجل عن معنى فيتسوّر عليه برأيه من غير نظر فيما قاله العلماء، أو اقتضاه قانون العلم. وليس يدخل في هذا تفسير اللغويين لغته، والنحويين نحوه، والفقهاء فقهه. فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلاً بمجرد رأيه. وهذا هو الصحيح. وليس المراد ألّا يتكلّم أحد في القرآن إلا بما سمعه، فإن الصحابة قد فسّروا واختلفوا، وليس كلّ ذلك سمعوا.
-
الثاني: عدة سمات منها: ضعف العلم باللغة والبلاغة. فإن قليلي البضاعة منهما لا يقدرون على شيء في هذا العلم، لأنه لا يتم تعاطيه وإحالة النظر فيه إلا بحذق الفنَّيْن. قال الجاحظ في كتابه نظم القرآن: "لا يمكن لأحد أن يغوص على شيء من حقائق الكتاب إلا رجل برع في عِلميْن مختصين بالقرآن هما المعاني والبيان، بعد أن
vol. 1, p. 249يكون آخذاً من العلوم بحظٍّ. وهو مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها، مشتعل القريحة وقَّادها " (١) .
-
ويؤكد هذا المعنى السكاكي بما ذكره في مقدمة مفتاح العلوم: "وفيما ذكرنا ما ينبّه على أن الواقف على تمام مراد الحكيم، تعالى وتقدَّس، من كلامه، مفتقر إلى هذين العلمين: المعاني والبيان، كلَّ الافتقار. فالويل كل الويل لمن تعاطى التفسير وهو فيهما راجل" (٢) .
-
ومنها اعتبار القرآن إشارات، تَظهر بتفكيك اللفظ القرآني، كما فعلت الباطنية والإسماعيلية، ومن جرى مجراهما من الصوفية، أو بتحريف الكلم عن مواضعه، كما فعل غلاة الشيعة. ومن هذه التفاسير تفسير القاشاني الباطني، ومنها أيضاً تأويلات المتشبّهين بالعلماء الذين تؤثر عنهم أقوال غثة وأفهام رثة، فيما حاولوه من تفسير القرآن.
-
الثالث: الضعف في علوم يظنّونها بعيدة عن القرآن وهي ضرورية لإدراك مراميه ومعرفة عظمته، مثل التاريخ وفلسفة العمران والأديان والسياسة.
-
الرابع: عدم الاهتمام بالعلوم المساعدة ذات العلاقة بالتفسير للكشف عن معاني الآي، والاشتغال بمسائل علوم ليست ذات صلة أو ضعيفة المناسبة. وقد مثل الإمام الأكبر بالتفسير الكبير للإمام الرازي في هذا الصنيع قائلاً: فجاء كتابه بعيداً عن غرض المفسّر.
-
ومنهج الإصلاح لعلم التفسير أو كتابته ينبني. على طلب الصحّة
vol. 1, p. 250للتفسير، ومعرفة طريق استمداده، وتعميق أغراضه ودلالاته، وتوثيق الأفهام فيه، واجتناب كثير من المحاذير التي تَزِلُّ بها القدم، ويبتعد بها المفسر عن أصول صناعته. وهذه الحقائق تذكّر بما اعتاد كثير من العلماء بيانه لتحديد الغرض من التفسير بعامة، وذكر شروط المفسر.
-
وإذا كان التفسير، كما قال الإمام الأكبر، هو شرح مراد الله تعالى من القرآن، ليفهمه مَن لم يصل ذوقه وإدراكه إلى فهم دقائق العربية، وليعتاد، بممارسة ذلك، فهمَ كلام العرب وأساليبهم من تلقاء نفسه، فإن المفسر أمين على إبلاغ الناس مراد الله من كتابه، ولا يتأتّى له ذلك إلا بمعرفة اللغة وعلومها، وتصوره الدقيق لاستعمالات العربية فيها، والممارسة لجملة من فنونها، ارتياضاً بها، وحذقاً لتصرّفات القول حذقاً يصل به إلى اكتشاف مغالق المعاني وأسرار البيان وخصائص التعبير لدى الأمة من أهل هذه اللغة الذين خاطبهم الله بلسانهم، وأنزل عليهم كتاباً عربياً مبيناً لا يَخْلَقُ على طول الردِّ. فصحة التفسير يكفلها شرح التراكيب القرآنية ببيان المقصود من ألفاظ القرآن بحسب ما جرى عليه استعمالها في اللغة العربية.
-
واستمداد ذلك يكون باجتذاب المعاني من الدلالة اللغوية للألفاظ، ومن التصرّفات القولية التي وردت بها تراكيبه، ومن الحس بها، والإدراك للخصائص البلاغية التي تتّسم بها تلك التراكيب.
-
ولا يتأتّى للمفسر أن يغوص على أسرار الكتاب، ويتعمّق معانيه إلا متى اكتمل إدراكه لنظمه البديع، فيتجه به كل اتجاه لتصوّر محامله، والوقوف على احتمالاته مهما تعددت.
-
وما من شك في أن لثقافة المفسر في هذا أثراً كبيراً في
vol. 1, p. 251التوصل إلى الغاية من عمله، ولا يعوقه تحقيق هذا الغرض إذا ما تأيَّد بالمقالات النفيسة لأئمة هذا الفن من المتقدمين والمتأخرين، شرط أن تكون نقوله عنهم غير مجافية للأصول ولا للعربية.
-
وبجانب هذا كله حذّر الشيخ ابن عاشور من جملة محاذير يضعف بها التفسير ويسخف ويفسد ويبطل.
-
ومثل ذلك كثرة الاستطرادات، والاندفاع إلى بيان أغراض ليست من مفادات التراكيب القرآنية. فهذا لا يكون تفسيراً، وإنما هو ضرب من التدليس على المطالعين ممن لم تبلغ بهم مراتبهم العلمية مبلغ التمحيص، وتضليلٌ لعامة المسلمين. وكذلك الاقتصار في التفسير على بيان المعنى بحيث يكون عمله بمنزلة نقل الكلام وترجمته من لغة إلى لغة أخرى، فلا يفيد طلاب الهدي الإلهي، ولا شداة المعرفة بالقرآن الكريم.
-
[٢ - علم الحديث]
-
ويراد به فيما أطلق عليه: حفظ ما نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير، وما نقل عن أصحابه من سنته وسننهم الراجعة إلى التأسّي به، كما أنه يطلق في الأعم على ما يشمل فنوناً خمسة هي: متن الحديث، ومصطلحه، وصفات النبي - صلى الله عليه وسلم -، ودلائل نبوّته، وسيرته وغزواته. ولا بد من ملاحظة ما مرّ به العلم من مراحل الرواية والتحمّل والتبليغ والتصنيف. وقد خالط ذلك ما أساء إلى هذا العلم من تدليس ووضع وكذب ممن كان عاجزاً عن الاشتغال به رواية ودراية، نقداً واستنباطاً. وذلك بسبب طلب الشهرة وعلو المنزلة العامة، وهذا من صنيع الوعاظ والقصّاصين وأنصار المذاهب والنِّحل.
- vol. 1, p. 252
وحماة السنّة والذائدون عنها المحققون لها لم يَأْلُ أحدهم جهداً في نقد الرواة، والتعديل والتجريح، وضبط الأسانيد الصحاح. فوضعت بذلك شروط التخريج، وبينت معاني الحديث، ووَضَع الكتب في مصطلح هذا العلم عمداؤه، حتى أصبح علم الحديث أكثر العلوم الإسلامية إتقاناً وإحكاماً، وكتُبُه أسلمَ من الأخلال التي لحقت غيرها من التصانيف.
-
[أسباب الأخلال في علم الحديث]
-
ولم يعدّ الإمام الأكبر أكثر من سببين دخل عن طريقهما الأخلال بعلم الحديث هما:
أولاً: اغترار الناس بحسن أحوال الرواة من غير نقد، ووقوعهم في مصيبة الذهول، وإن سلموا من مصيبة التدليس والغرور.
-
الثاني: قصور الهمم عن مزاولة علم الحديث مزاولة نقد وضبط، والاكتفاء بالإجازات في الاهتمام به وتحقيق الانتساب إليه.
-
ومن خلال السبب الأول بالخصوص تحدّث الشيخ رحمه الله عن الوضّاعين بمختلف أنواعهم ونوازعهم ودوافعهم، وما ظهر على أيديهم من بوارق الكذب، بالتدليس في الأسماء، وبحذف من يتهمه الناس من رجال الإسناد في مروياتهم، وبما يزيدونه في الأحاديث الصحيحة من كلام غير ثابت. وأمر التدليس متفاوَت فيه فيمن وُسِم به. وكذلك انتشرت المراسيل، واقتضت تمحيصاً ونظراً من أصحاب الخبرة والعلم بالرواية. وقيّض الله لنصرة سنّة نبيه وتشريعاته علماء الملة بانتصاب أهل العلم لضبط السنن وتحقيقها، خوفاً على عامة المسلمين من الانزلاق في الأخطاء، وتحمل الأحاديث الموضوعة والمدلسة، بإيلافهم الدجالين، واستماعهم لهم والرواية عنهم.
- vol. 1, p. 253
وقد انتصب الإمام مالك والبخاري ومسلم ويحيى بن معين ومن سار على نهجهم لرد ما انتشر من الضلالات والإفك، وكانوا يتشدّدون في البحث عن عدالة الرواة. ولم تسلم أكثر المستدركات على البخاري ومسلم، عند الإمام الأكبر، من التساهل في الرواية لا سيما مستدركات الحاكم والبيهقي.
-
هذا وقد كان للسببين المذكورين فيما لحق علم الحديث من اختلال، أثر كبير في الفقه والعقائد وآداب الدين. ولا بدع إذا وجدَ ذلك كلُّه مواجهةً ورداً من الصحابة - رضي الله عنهم - وأئمة الهدى رحمهم الله.
-
فقد روي عن عمر أنه حين روي له حديث فاطمة بنت قيس في نفقة المعتدّة قال: "لا نترك كتاب الله وسُنّة نبيّه لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت" (١) .
-
وقدّم الإمام مالك القياس الجلي والعملَ الثابت بالمدينة على خبر الواحد الصحيح. ونبّه الإمام الشافعي إلى أن السنة لا تُخصّص القرآن ولا تنسخه. ومن الفقهاء والمتقدّمين مَن ردّ الحديث الغريب كابن عبد البر.
-
ويمكن أن نخلص من هذا إلى بيان وجه الإصلاح في عصرنا لعلم الحديث. وذلك:
أولاً: بسدّ باب التسامح في إيداع الأحاديث الضعيفة كتبَ الحديث، فإن في الأحاديث الحسان بلاغاً لطالب الفضائل.
-
ثانياً: بطرح الاشتغال بضبط أحوال الرواة بعد ما فحص الحفاظ صحيح الحديث من عليله.
- vol. 1, p. 254
ثالثاً: بالاقتصار في الرواية والنقل على ذكر الصحابي راوي الحديث، وبيان درجة ما رواه في نظر أهل النقد، كما فعل السيوطي في الجامع الكبير.
-
رابعاً: بتذييل ذكر الحديث بمنازع علماء الفقه في الاستنباط، وهو ما درج عليه إمام دار الهجرة في مُوَطَّئِه.