العطل والإجازات
82 paragraphs · vol. 1, p. 220
Page 2 of 3
- vol. 1, p. 232
ومن الخلط التصوّري المنهجي طريقة علماء المنطق المتجلّية في كتبهم عند تفصيلهم القول في اختلاف علمائهم في لزوم النتيجة للمقدمات. وهو الشأن في العاديّات، فيتساءلون أهذا الأمر عقلي أم عادي؟ ويبنون ذلك على مناهج المتكلّمين بمراعاة اصطلاحهم، ويُهَوّل على من يقول منهم: هو عقلي أو واجب، بأن فيه تحكيماً للعقل أو الإيجاب. وهما نزعتان ضالتان (١) .
-
وقد يكون فساد التصوّر متولّداً عن تقديس من لا يستحق التقديس، وإنما هو العبد الصالح تظهر على يديه الكرامات، وهو معزول عن صفة العلم ومنازل العلماء. ومن هنا كان خطأ المِقَّرِي فيما رواه في كتابه الأزهار من تقويمه لمنزلة أبي الحسن الصّغيّر تعقيباً على ما رواه القَبَّاب عن الإمام ابن عرفة من قوله بشأنه: وكثيراً ما نجد في تقييد الشيخ أبي الحسن: "يؤخذ من هذه المسألة" . فلا أدري صورة ذلك الأخذ ما هو؟ هل هو من طريق الاستقراء أو الاستنباط أو القياس أو المفهوم. وكل قسم من هذه الأقسام يفتقر إلى شرط، ولا شيء من ذلك ... قال المقري: "لا يقع في ذهنك قصور الشيخ في قوله: " يؤخذ من هذه المسألة " ... واعلم أرشدك الله أن الشيخ أبا الحسن كان إمام وقته في فقه المدوّنة، وهو المستقل برئاستها بعد شيخه الفقيه ابن راشد. ما أخذ عنه حتى ظهرت على يديه الكرامات الخارقة في شفاء أصحاب العلل المزمنة، وغير ذلك" (٢) .
-
ومن الدلائل على سقم هذا المنهج اعتمادهم كلام الصالحين
vol. 1, p. 233اعتماداً يقضون به على العلم. وربما نزّلوا كلامهم منزلة ما لا يقبل الطعن، كأخذهم أجوبة صاحب الإبريز التي يرويها عن شيخه الصالح عبد العزيز الدباغ (١) فيعتقدون أنها تمام مراد الله أو رسوله من كلامه المفسر فيها (٢) .
-
ومن فساد التصوّر أيضاً جعل العلم علمين: علم معرفة وخبرة ودراية، وعلم كشف. وقد يحمل على هذا الاعتقاد انتشار هذه الأفكار بين الناس واعتدادهم بها، في غفلة عن تعاطي الأسباب وتسلق المعرفة بالنظر وبذل الجهد. وإن من كبار العلماء من وقع في هذه الأوهام أو تسلطت عليه.
-
فهذا القطب الشيرازي ٧١٠ يقول في ديباجة شرحه للمفتاح: "إنه قد ألقي إليّ على سبيل الإنذار، من حضرة الملك الجبار، بلسان الإلهام، لا كوهم من الأوهام، حال نصب شبكة الغيبة، وهي حال بين النوم واليقظة، ما أورثني التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار السرور" (٣) . وقال سعد الدين التفتازاني ٧٩٢ في شرح التلخيص عند حديثه عن الإعجاز وما يقرب منه، وتقريرِه ما عطف على حد الإعجاز: "ومما ألهمت بين النوم واليقظة" (٤) .
-
ولقد كان من ضعاف المشتغلين بالعلم، غير المتمكنين منه من كان يعتقد أن الأمر المشكل إذا رُئي في النوم ما يبيّنه، فقد فسّر بوجه لا يقبل الخطأ. فهم يرون الأحلام كشفاً، ويثقون بأنفسهم وهم نائمون بما كانوا يشكّون فيه وهم أيقاظ (٥) .
- vol. 1, p. 234
[سير حركة التأليف في العلوم الإسلامية ونقد كتب التدريس]
-
إن من يُعِد النظر، متدبِّراً سير حركة التأليف في مختلف أطوارها، يجد هذا محكوماً في طبيعة الزمان بحال الأمة. وذلك ما حمل الشيخ ابن عاشور، بين يدي نقده لأوضاع الكتب في عصره وما قبل عصره، على استعراض أحوال التأليف ومدارسه ومناهجه قديماً وحديثاً، مذكّراً بما كان من ذلك في صدر الإسلام عند نشأة العلوم الإسلامية وظهور الكتب الأصلية فيها، وبما كان من نشاط فكري في العواصم الفكرية بمصر والشام، والقيروان وإفريقية والأندلس والمغرب. فإذا قضى من ذلك وطره، ولو في عبارات موجزة مختصرة، انتقل إلى النظر في الكتب المدرسية التي يزاول الطلبة دراستها والنظر فيها، بما يتلقّونه عن شيوخهم، وما يمارسونه من التدرّب أو المراجعة لها بإشرافهم.
-
وقد لاحظ الإمام العلامة المصلح بُعدَ هذه التآليف عن المنهج المحمود. وذلك لخلوّها من مراعاة أبسط قواعد التربية والتعليم، وجهل مؤلفيها بأحوال الطلاب الفكرية، وباستعدادات ومؤهلات المقبلين على دراستها في أطراف البلاد الإسلامية.
-
والحق أن عامة المصنِّفين في مواد العلم الإسلامي كانوا يحدّدون الغاية من تدريس ما يضعونه من الكتب في مختلف العلوم، فيحفلون بها وبموضوعاتها وبأصولها وفروعها خدمة للعلم الشرعي وللسان العربي. ولم يكن يشغَل عامتهم إلا من قلّ منهم، التفكيرُ عند وضع تأليفه في أيِّ فنٍّ أو مادة بسن التلميذ أو الطالب، وبمرتبته الفكرية أو الدراسية، إذ لم يكن هذا من شأنهم ولا مقصوداً منهم ولا مطلوباً عندهم. وهم يسبقون المدرسة والمعهد والطلاب، فلا يضعون في الاعتبار عند التأليف حاجاتهم، وإنما هي كتب موضوعة
vol. 1, p. 235كمقدمات للعلم، فمختصرات أو نَظْم لها، أو شروح وحواشٍ وتعليقات، أو مطولات. ومن أجل ذلك تختلط فيها مسائل العلوم، ويكثر الجدل والمناقشات، وترد فيها القضايا الكثيرة في غير تناسب بينها ولا ترتيب. فلا يتصوّر بعد ذلك تمكّن الشيوخ أو الإدارة أو الطلاب من اختيار كتبهم للدراسة، مراعين في ذلك التكوين العلمي والتدرج المعرفي والجانبين الضروريين النظري والتطبيقي، وبخاصة في المرحلة الأولى من التعليم.
قال الأستاذ الإمام الأكبر: "إنّ كُتُبَ التعليم عندنا لمّا لم يضعها أصحابُها لغرض التعليم، أو لم يراعوا فيها انتساب بعضها من بعض نظراً إلى طبقات التعليم، اعتمد كل واحد من المؤلفين طريقة توخّى فيها ما اعتقده الأصح للناظرين، ولم يلتفت أكثرهم في الماضي إلى وجوب التدرّج للتلميذ؛ أي: إلى تنقله من معلوم إلى مجهول" (١) . ولم يكن في تقديري أن هذه هي حال الزيتونة، ولكنها السمة الغالبة على غيره من المعاهد؛ كالأزهر والقرويين وسائر المعاهد الدينية.
-
[المطلب الثالث: العلوم]
-
جاء هذا الفصل في أليس الصبح بقريب إكمالاً لما قبله، وتجلية للرؤية المطلوبة في موضوعاته ومسائله، وتفصيلاً للآثار المترتبة على ذلك في ميداني التأليف والعلوم. وبعد أن تعرض قائد الإصلاح ورائده في جامعتنا الزيتونية إلى الحديث عن ثمرات العلوم وغاياتها، وبيان أطوار العلوم في الأمة، وربطَ تأخّرَ الأمة بتأخر
vol. 1, p. 236العلوم فيها، وقف بنا عند جملة قضايا مهمة: منها: القصد من تدوين العلوم، ولفت النظر إلى العلوم الإسلامية، وبيان أصناف المقبلين على العلم في مجتمعاتنا، منتقلاً من ذلك إلى ذكر الأسباب العامة، أسباب ضعف العلم وتأخّره عندنا. وَلَكَمْ يكون حريّاً برجال التربية والتعليم أن ينتبهوا إلى فقرات هذا الفصل، لِمَا له من علاقة أكيدة وارتباط كبير بما يتدبّرونه من قضايا، ويتناولونه من مشاكل تربوية وتعليمية، كان اعتمادهم في أكثرها على الآراء والنظريات البيداغوجية التي وضعها أصحابها لمجتمعات غير مجتمعاتنا، وأطفال غير أطفالنا، فيفيدون مما حرره العلماء، ويجدون فيه الغناء عن لوك مقالات المربِّين في القرون الوسطى من غير أهلينا.
-
وقد كان التمهيد لذكر أسباب التأخّر بالعودة بنا إلى حصر العلوم الإسلامية التي كان يعنى بها الشيوخ، متفرّغين إليها تلقيناً وتقريراً وبياناً وتحريراً. وأبرزها الفقه واللغة والنحو وتفريع الفروع الفقهية والمسائل العلمية. وذلك للنظر في محتوى هذه العلوم وطُرق عرضها.
-
وكان أول ما انصرف إليه الشيخ رحمه الله من الحقائق في هذا العلم هو التنبيه إلى أن تدوين العلوم كان من السلف بداعي النصح للخلف. وهذا لا يتم إلا متى حصل الإغناء من الأولين لمن بعدهم عن إضاعة الأوقات فيما فرغوا منه من استقداح الأفكار فيما جمعوه ودونوه من معارف وعلوم. وهكذا تقتصر مهمة الخلف على الزيادة على ما أخذوه عنهم وورثوه منهم. ويَضمن هذا عن طريق النظر والدرس والاستنتاج إيجاد الملكة العلمية، وترقية الأفكار، وصقل مرايا العقول. ولا يحصل الغرض الشريف من ذلك بأمر الناس بمتابعة ما وضع لهم، أو بتلقي ما بلغ إليهم من وضع الواضعين بكل
vol. 1, p. 237تسليم، ولكنه يكون بصرف نظر المتعلم إلى نتائج تلك العقول ودرسها، فيتّبعها أو ينبذها إلى أحسن منها أو أوضح. وبهذا يجري الطالب على نسق أسلافه بعد تكوّن ملكته، فيستدرك عليهم، وينمي ما وصلوا إليه بتأملاته وإضافاته.
-
[ملاحظات حول طلاب العلم]
-
طلاب العلم عندنا في تلك الفترة ليسوا على نمط واحد كما دلّت عليه التجربة وشهد به الواقع، ولكنهم أنماط وأصناف:
منهم من أخذوا علوماً ليسوا في حاجة إليها، تباهياً وتجملاً بها، وشاركوا في الانتساب إلى علوم عالية مقتصرين في الجملة على ألفاظ وحقائق يسردونها لا يفقهونها ولا ينتفعون بها.
-
وتميّزت طائفة ثانية بقوّة حوافظها. فكانت تعرض الكتب عن ظهر قلب من حفظها، فيعجب بها السامع، وينجذب المشاهد لما يكون منها أو يجده فيها. فيظن بها خيراً، ويعتقد أن ما هي عليه هو العلم، وإن كانت هذه الطائفة ساذجة ضعيفة الفكر.
-
وقد انقسم الناس إزاء هذه الطائفة الأخيرة وإزاء مناهج التعليم عندها. فمِنْ مقلد قادر على التقليد، وآخر بدت منه المحاولة، ولكن خار عزمه عن المتابعة، وضعفت قدرته عن المسايرة. وهؤلاء كلهم، وهم الكثرة، من المعجبين بتلك الطائفة، المباهين بقدرتها على الاستظهار والحفظ.
-
وتقابل هذه الجماعة فئةٌ أخرى كانت معارضة لهذا المنهج، غير قابلة له، تستنقص قيمة عمل المولعين بالحفظ، ولا تلتفت إليه. لكن هذه الفئة إما معارضة في نفسها تخونها العبارة، فلا تقدر على التعليق أو التغيير عما عليه تلك الطائفة من تقصير ومعايب، وإما قادرة
vol. 1, p. 238على نقدها وبيان فسادها، ولكنها محدودة العدد لا يظهر منها إلا القليل النادر الفينة بعد الفينة.
-
ويعلق الإمام الأكبر على هذه الظاهرة بقوله: "فأصبحت قلّة هؤلاء وكثرة أولئك وبالاً عظيماً على العلم. وهو أصل تشعب الناس في العلوم، وسبب ابتهاج كل فريق بنصيبه منها. وفي هذا يكمن أحد سببي تأخر العلوم. وهما وجود مسائل لا حاجة إليها يطال بها التعليمَ، وهي ليست من العلم في شيء، مستمدةٌ من فنون أخرى تذكر لأدنى علاقة، وإهمال مسائل وعلوم مهمة وقع إغفالها أو الانصراف عنها لسبب من الأسباب المرفوضة الواهية" (١) .
-
ولتفصيل هذه المعاني وتقريرها أتبع الشيخ ابن عاشور ما تقدم من ملاحظات حول العلم: حقيقته والغاية منه بعامة، وحول العلوم الإسلامية وانقسام الطلاب إزاءها حسب ميولهم وأهوائهم، بذكر جملة أسباب عامة اقتضت ضعف طلب العلم وتأخر العلوم، بقصد تجنّبها وتلافي الوضع الشائن الذي هبطت إليه. وقد جعل منها، على سبيل التمثيل لا الحصر ولا الإحاطة، أربعة عشر سبباً فرعياً تعرض للعلوم وطرق مزاولتها.
-
[الأسباب العامة لضعف التعليم وتأخر العلوم]
-
إن هذه الأسباب متنوّعة بين اجتماعي ومنهجي وتصنيفي.
-
فمن الأسباب الاجتماعية:
أولاً: توقيت سير العلم بسبب ما عرض لبعض الدول كالدولة العباسية من اهتزازات وأزمات وفتن. فلم يَعدُ اللاحقون ما حرّره
vol. 1, p. 239المبدعون ودبّجه المتقدّمون، كما حالت الظروف دون الانطلاق، بل دون استئناف الجد في طلب العلم في أكثر مجالاته لانطفاء سرجه، وذهاب من بقي من العلماء في البلاد.
-
ثانياً: ما ظهر في نفوس الطلاب من طموح إلى اكتساب أوسع ما يمكن من المعرفة، وقادهم ذلك إلى حب المشاركة في جميع العلوم. فاختلطت مادة الدرس بعدة قضايا يتوقّف بعضها على فهم بعض. فكلّت الهمم، وحال ذلك دون أهل العلم ودون تحقيق علم من العلوم ينبغون فيه. وانتقلوا من الاختصاص بأحد فنون العلم، مثل الأئمة المشاهير الذين سبقوهم، إلى الاكتفاء بنظرة شمولية سطحية لم تساعدهم على التقدّم بالفكر والعلم. وأمام هذا الانتكاس، الذي حصل لهم بموجبه ضيقُ الوقت مع اتساع العلم، رضوا من العلم بالانتساب إليه، واقتنعوا بما ألمّوا به من قليل المسائل في كلِّ علمٍ.
-
ثالثاً: انتشار الطرائق الصوفية بين المسلمين التي بثت في نفوسهم الرضا بالموجود، واحتقار سائر العلوم ما عدا المعرفة بالله بحسب تصوّراتهم. وفي غمرة هذا المنزع الجديد تعوّدت النفوس على قبول ما لا يفهم والاقتناعِ به، كتلك التي امتلأت بها كتب المتصوّفة من الرموز والمغلقات والدعاوى التي لا دليل عليها، وأصبح من توجيهات قادة الفكر عندهم في ذلك الحين أن يتعلم الناس سماع ما لا يفهم، وأن يقتنعوا بكل ما يسمع، جاعلين من دلائل علو العلم وشرفه استعصاء فهمه على الإنسان.
-
وقد احتاج هذا المنزع إلى طول وقت وإلى بذل جهود كبيرة لاقتلاعه من النفوس وتحريرها منه.
- vol. 1, p. 240
رابعاً: ما حصل بسبب تأثير المنهج الصوفي المعارفي من تهاون بعدّة علوم نافعة. فقد حقّر أصحاب ذلك المنزع جملة من العلوم العقلية العليا والشرعية مما عجزت عنه أقلامهم؛ كعلم أصول الفقه، وعلم البلاغة، والتاريخ، والعمران أو الاجتماع، وأسرار التكليف، ومقاصد الشريعة، كما رفضوا العلوم المنقولة عن اليونان تنزّهاً، والعلوم الأدبية مثل الشعر والكتابة وآداب المجالسة لكون الاشتغال بها في نظرهم إضاعة للوقت. أما العلوم المستظرفة والفلسفية التي منها نقد العلوم، والبحث في أسرارها وعللها، فقد رأوها ملهاة يحسن الانصراف عنها. فهي لم تكن تجد نصيراً من غير أهلها الراضين بها والمقبلين عليها.
-
من الأسباب المنهجية:
أولاً: تداخل العلوم وربط بعضها ببعض. فإنك لا تكاد تجد فناً من الفنون العلمية خالياً من استخدام الحكمة أو علم الكلام، وإن أوجب ذلك ضيقاً في العلوم وكثرة للخلاف. وقد مثل صاحب كتاب أليس الصبح بقريب لذلك فقال: تراهم في المنطق مثلاً يختلفون في لزوم النتيجة للمقدمات أهو عقلي أم عادي؟ ثم يختلفون اختلافاً طويلاً أساسه المراعاة لاصطلاح فرق المتكلمين، لأن هذا شأن العاديات، ويهوّل على من يقول: هو عقلي أو واجب بأن فيه تحكيم العقل أو الإيجاب، وهما نزعتان ضالَّتان.
-
ثانياً: الاحتجاج للاصطلاح في القديم، ولو كان في ضبط دلالة اللفظ الواحد. فقد اختلف البيانيُّون والنحاة في وجه التقديم، وإن أوجب ذلك اختلافاً في الفهم. فقال البيانيون: هو للحصر، وذهب النحاة إلى أنه لإظهار الاهتمام بالمقدَّم. كما اختلفوا في أصول الفقه في ضبط مدلول مفهوم المخالفة. فقال الجمهور: يفيد
vol. 1, p. 241النقيض، وذهب ابن أبي زيد إلى إفادته الضدّ، وليسا شيئاً واحداً. وعقّب المؤلف على هذين المثالين في تحرير المصطلحات بقوله: "وعندي أن لاحترام الاصطلاح حدًّا، وهو أن يحترم ما دام غير مخلّ بشيء في العلم وغير قاصر في ذاته. وانتقد صنيع الغزالي في تبديل الأسماء المنطقية في مقدمة المستصفى، لأن مثل هذا التبديل يوجب تشويشاً" (١) . أما إذا كان التغيير عدولاً إلى ما هو أوضح فهو الاصطلاح، وينبغي أن يشاع ليعرفه أهل العلم.
-
ثالثاً: الإعجاب بآراء المتقدمين، وتنزيههم عن الخطأ، وانحصار العلم في تداول ما تناقلته الأجيال بعضها عن بعض. وقد يحصل النقل لقولين متجانبين في موضوع واحد وهما متضادان، فيحاولون إصلاح ذلك بضروب من التكلّف؛ كقلب الحقيقة إلى مجاز، وتقدير المضاف، وجعل الجزئي كلياً، وغير ذلك. وربما أبطلوا أحد القولين، ولا يكون في الغالب هذا الإبطال أو الترجيح إلا لفائدة ما يختارونه من الأقوال.
-
ولبيان هذا التصرُّف غير المنطقي وما يترتب عليه من آثار أورد الشيخ ابن عاشور من شرح الحموي على الأشباه والنظائر مسألةً من باب الردّة في كتاب السير في ذكر الأنبياء وناقشها (٢) . ثم أتبعها برأيه في كلام القدامى والاعتناء به، مشيراً إلى أن القواعد العلمية التي أسسها لنا السلف يقرؤها الطلاب ويعتمدونها لتوسيع أنظارهم وخدمة آرائهم لا لتستعبد أفكارهم. ومتى استأسرت القواعد الأفكار بانَ
vol. 1, p. 242خطأ النظر. وإننا متى اقتصرنا في مناهجنا على ما أسسه لنا الأسلاف، ووقفنا عند ما حدّدوه رجعنا القهقرى في العلم والتعليم. أما إذا جعلنا أصولهم أسساً نرتقي بالبناء عليها، فإنا نستكمل ما فاتهم ونستدركه عليهم، وإن لم نحظَ بما فاتنا من علومهم ولو قليلاً.
-
رابعاً: سيطرة التقليد في العلم وهو ما نعاه الغزالي والباقلاني وغيرهما على كثير من العلماء والمؤلفين. ولا ننسى أن هذا المسلك أضرَّ بالعلوم الإسلامية. ومن ملاحظات الإمام الأكبر على هذا قوله: "وقد وجدت أن التقليد في العلوم هو الذي ينشىء الإعجاب لعالميها بما علموا، لأنهم ما قُلِّدوا حتى غالطوا أنفسهم، وظنوا أن ما علموه منزّه عن الطعن والخطأ. فأصبحت مناظرتهم وانصياعهم عما علموا شيئاً عسيراً" . ثم قال: "والبؤس العظيم للأمة إذا تداخلت العوائد والعلوم، ومُوّهت بعض العوائد الضالة بطلاء الدين والأصول" .
-
خامساً: سوء التفاهم، وبلوغ الخلافيات بينهم مبلغاً مشيناً، جرّدهم من الموضوعية، ودعاهم إلى التنابز وإشاعة التشنيع والسباب بينهم، فترتب على ذلك كله انقسامهم إلى فئات وشيع. ولو اتبعوا الحق وابتعدوا عن المكابرة في العلم لما نجم بينهم خلاف ابتداءً، إذ العقلاء يشتركون في صفة تَسُوقُهم رأساً إلى الحق وحده. ومثل هذا الخلاف بنتائجه ظهر بين المعتزلة والأشعرية في مسائل منها: صفات المعاني، وقدرة العبد، والحُسن والقبح.
-
[أحوال التأليف والتصنيف]
-
أما الأسباب المؤدية إلى جمود التآليف أو تأخّرها فقد فصّلها الشيخ ابن عاشور في كتابه أليس الصبح بقريب (١) ، وذلك بإثر عرضه
vol. 1, p. 243لأحوال الدروس والمدرِّسين، وأحوال الفنون والكتب، وأحوال التلامذة. وبيّن في هذا المحل:
أولاً: أن فساد طريقة التأليف، وعنونة المسائل، وعدم ترتيب الكتب على درجات تراعى فيها أحوال الطلبة ومستوياتهم، تَرتَّبَ عليه تناقص التأليف، وبقاء الموجود سخيفاً ضعيفاً.
-
ثانياً: إثارة الأبحاث الجانبية استطراداً، وهي في الغالب غير متعيّنة ولا ذات جدوى، لكونها منصبة على ألفاظ المؤلفين من أجل تأييد المذاهب والآراء بدافع التعصّب والتحزّب. وقد تفشّى ذلك بخاصة عند الفقهاء والمتكلمين. ومن أمثلته الشائعة قضية خلق القرآن. وهي مسألة اقتضتها الرغبة الملحة في البحث. وجلبت هذه المسألة ومثيلاتها تهويلاً أيَّ تهويل على المخالف وتنابزاً بالألقاب واللوازم.
-
ثالثاً: عدم تطوّر التآليف، بل تدنّيها بسبب اقتصارها أحياناً كثيرة على ذكر القواعد والاصطلاحات، معزولة عما يركزها في الأذهان من شرح وأعمال تطبيقية أو تمارين. وقد ظهر ذلك بالخصوص في أزمنة انقطع فيها العلماء أو قلّوا. فأقبل الطلاب على الكتب المتوفّرة لديهم يستظهرونها. فلا يشحذ ذلك عقولهم، ولا يكسبهم الخبرة والدُّربة. ويعظم خطر هذا التقصير في التآليف في كتب تدريس العلوم العقلية واللسانية، وفي استبدال الأمثلة الصناعية الممجوجة والسمجة في كتبهم بالأمثلة والشواهد الهامة والمفيدة التي كانت تزخر بها تآليف العلماء السابقين المتقدمين.
-
رابعاً: سلب الحرية عن العلوم لاقتصار العلم في نظر الجمهور على نقل كلام السلف، وانحصار التآليف في نقل ما مضى من غير
vol. 1, p. 244بحث، بسبب هيمنة شيع متعصبة، يمجّدون آراء أساتذتهم وشيوخهم. فإذا تجاسر أحد على مخالفتهم عدّ مهوّساً. وهكذا انصرف الناس إلى خدمة كلام السابقين وتطويل المسوّدات والمناقشات في أفهامهم. وأصبح المبتكر عرضة للنكاية أو الاضطهاد، وناهيك بالمعترض على بعض المتقدّمين.
-
خامساً: إهمال المراقبة للعلوم بسبب إطلاق حرية الفكر ماضياً وحاضراً. وقد نشأ عن ذلك طمع من لا معرفة لهم ولا قدرة على خوض مجالاتها، أو الإدلاء بدلائهم فيها بوضع الرسائل والكتب، فأساؤوا للعلم وللمتعلمين. وهذا أمر يقتضي دون شك ذود الجهلة عنها، وصون العلوم من التحريف والتغيير والتبديل وسوء التأويل.