الدروس الأساسية للتعليم بجامع الزيتونة، وبيان طريقة المؤلف في نقد العلوم المقررة
181 paragraphs · vol. 1, p. 245
Page 2 of 5
- vol. 1, p. 254
[٣ - علم الفقه]
-
هو العلم القائم على استنباط العلماء تفاريعَ الأحكام من القرآن والفقه في جميع الشؤون التي تدعوهم إليها الحاجة، فبيَّنَ المؤلف ابتداءً قيام هذا العلم ونشاطه من عهد النبوة، وتصدُّرَ ذوي الشأن فيه، ممن تميّز بجودة الفهم وأصالة الرأي لإذاعته وضبط أحكامه. وقد تبع نبغاء فقهاء الصحابة أتباعُهم في بلاد كثيرة بالمدينة والكوفة وبلاد الشام. وكان الداعي إلى العناية به تحقيق العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، وكان الباعث على تدوينه حفظ ما تجمع لهم من الآراء في ذلك، ليحفظوا على الناس أزمانهم في عمل قد قضّاه فيها من قبلهم، مع الاحتياج في هذه الصناعة إلى صفات، يقل اجتماعها، من قوّةِ الرأي، وفهمِ أساليب العرب، والشعورِ بمقاصد الشريعة، وصفة العدالة، والفراغ من الشغل بغير علم الشريعة.
-
وبعد ذكر أوصافهم من التمحيص، والدّقة، والحذر من التشديد في الأحكام، أو الجزم بها عندما تكون قوية الظن، ينتقل المؤلف إلى تقسيم كتب الفقهاء وطرائقهم في الفقه إلى قسمين:
الأول: تذكر فيه الفروع وأنواع الحوادث مذيّلة بأحكامها، كما يظهر ذلك في مدوّنة مالك وجامع محمد بن الحسن الشيباني.
- vol. 1, p. 255
والثاني: تذكر فيه الكليّات الفقهيّة (الأصول القريبة) ، وتُفَرَّع عليها المسائل الجزئية كما هو صنيع القرافي في فروقه، وابن نجيم في أشباهه. وسبق هؤلاء وتبعهم عدد من الفقهاء إلى هذا الصنيع مثل العز بن عبد السلام والمقرّي والونشريسي.
-
وقد نبّه إثر ذلك، في بيان أطوار هذا العلم، إلى أن طريقة التفريع كانت أقرب وأسهل، وأن جهد أكثر المؤلفين كان مقتصراً عليها، منصباً على التقديرات وتكرير الفروع. وقد أتى الفقهَ من هذا الوجه أقدمُ فساد أَوجبَ تأخّره حين طمع القاصرون في روايته من غير نظر في علم الفقه، فلفت المؤلف النظر إلى أن جماع التشريعات تضمّنها الكتاب الكريم. فالقرآن تبيان لكل شيء، وجعل دورَ الفقهاء استنباطاً لتفاريع الأحكام منه في جميع الشؤون التي تدعوهم إليها الحاجة، وبدون خدمة علوم أخرى، وأصبحت مسائله صوراً لها أحكام، تؤخذ مسلمة من كل من يقف عليها. ولا ينكر الشيخ رحمه الله الحاجة إلى التفريع وإلى توضيح المشكلات؛ وإنما الذي ينكره هو حصر مسائل الفقه في ذلك.
-
وربما زاد الأمرَ إشكالاً عنايةُ بعض الفقهاء بنقل الخلاف المذهبي، وذكر الأقوال الكثيرة في المسألة الواحدة. فتشتَّتَتِ الأفكار واختلفت الأفهام. ولولا تصدّي أمثال ابن أبي زيد والقاضي عبد الوهاب ومحمد بن بشير إلى مواجهة هذا الوضع بالترجيح بين الأقوال المختلفة لصعب على الناس تعاطي الفقه.
-
ومن أجل زيادة بيان وضع هذا العلم، أولى الإمام الأكبر تقرير هذه الحقائق عناية خاصة بتفصيل القول في ذكر أسباب تأخّره، وبيان طرق علاجه، بضرب الأمثلة على ذلك من عمل المهرة من متقدمي الفقهاء.
- vol. 1, p. 256
[تأخر العلوم الفقهية وأسبابه]
-
ومن أسباب اختلال هذا العلم:
أولاً: التعصّب للمذاهب، والعكوف من أصحابها على كلام أئمتهم واستنباط الأحكام منه بالالتزام ونحوه. وأصبح قصارى عمل هؤلاء نقل الفروع، وجمع الغرائب المخالفة للقياس، ونقل الخلاف. ومضوا على ذلك معطِّلين الاجتهاد والتفقّه في الدين. وقد ذكر الباجي مقالة الإمام مالك في هذا. قال: "لا أعلم قوماً أشد خلافاً على مالك من أهل الأندلس، لأن مالكاً لا يجيز تقليد الرواة وهم لا يعتمدون غير ذلك" (١) . ورد المقّري في قواعده على الاتجاه نفسه من التعصب للمذاهب بوضع الحِجَاج على الطرق الجدلية مع اعتقاد الخطأ أو المرجوحية، فإن في ذلك بعداً عن النصفة للحق، وتثبيتاً للخطأ في الفقه، وإيثاراً للهوى على الهدى (٢) . وقد أنكر هذا التصرف كافةُ العقلاء، وقال أبو العلاء:
فمجادل وصلَ الجدالَ، وقد درى ... أنّ الحقيقة فيه ليس كما زعم (٣)
-
ثانياً: مقاومة النظر في الفقه بمنع الترجيح والتعليل، والتشنيع على من يقوم بذلك، واتهامه بإرادة إحداث مذهب جديد، أو قول ثالث. وهذا من المغالطات التي يعتمدها العَجَزَة، وذوو الحظ القليل من العلم. ومما يُبطل جمودهم على منهجهم صنيعُ سحنون،
vol. 1, p. 257رحمه الله، بإخراجه فروع المدوّنة مذيّلة بأحاديث صحيحة تخالفها، تنبيهاً على أنه مختار غيرَها. وفي غلق باب النظر مانع من تعليل الخلاف، ومن التوصّل إلى توحيد المذهب، ومن القدرة على الاجتهاد في أحكام محدثاتٍ كثيرة. ودليل بطلان هذا المنحى لدى الفقهاء أن أئمة المذاهب راعوا في المستنبطات الاجتهادية المصالح والمفاسد، ومقاصد الشريعة في الخلق، وحاجات الأمة وعوائدها، ودفع الشتات.
-
ومما يحقّقه النظر ويساعد عليه تحسينُ الحالة العمومية في تصاريف الأقضية الشرعية، وأحكام المعاملات المدنيّة والمنافع الاجتماعية، ذهابُ هذا الناقد المصلح، مقبلاً غير مدبر، في قضايا آمن بها، ومارسها وأَسْهم في الاشتغال بها. فهو يعدل عن التلفيق فيها، وعن استنباط الأحكام من كلام الأئمة بشأنها، لكون هذا مردوداً، نبّه على ذلك المقّري في غير ما موضع، في ما نصّ عليه من أن نقلَ القول وعزوَه إلى المذهب يحتاج إلى دراية وخبرة. فليس كل كتاب يمثل المذهب. وإنما هناك كتب اعتمدها الفقهاء والمفتون، وأخرى حذّروا منها.
قال المقري في تفصيل هذا المعنى: "ولمّا غلب وصف التقليد في الناس جنحوا إلى القال والقيل، إذ لم يسمع منهم إلا ما نقلوه عن غيرهم لا ما رأوه من عند أنفسهم، حتى كان العز بن عبد السلام يقول بالرأي، فإن سئل عن المسألة أفتى فيها بقول الشافعي ويقول: لم تسألني مذهبي. وإنها لإحدى كُبَر دواهي التقليد. فالتقليد مذموم، وأقبح منه تحيّز الأقطار، وتعصب النظَّار. فترى الرجل يبذل جهده في استقصاء المسائل، ويستفرغ وسعه في تقدير الطرق وتحرير الدلائل، ثم لا يختار إلا مذهب من انتصر له وحدَه، لمحض
vol. 1, p. 258التعصّب له، مع ظهور الحجّة الدامغة، ثم ينكف عن محَجَّتِها إلى الطرق الزائغة، فلا يحمل نفسه على الحق إذا رآه، لكن يطلب التوفيق ولو على أبعد طريق بينه وبين هواه" (١) .
-
كما أنه لا يعتمد عمل أي فريق من العلماء بتونس أو فاس أو الأندلس، ولكنه يمضي في النظر والاجتهاد بالتزام قواعد النحارير في هذا المجال، معلناً موقفه من جمود الجامدين قائلاً: ولا علينا إذا أخطأ الجاهلون، فإنهم من الآن في ظلماتهم يعمهون (٢) . وتَتْبعُ هذه الأسباب أسبابٌ كثيرة أخرى منها:
ثالثاً: عدم العناية بجميع النظائر والقواعد للفروع بذكر الحكم الجامع، فيستغنى بذلك عن كثرة التفريع.
-
رابعاً: إهمال النظر في مقاصد الشريعة لتحرير المذاهب وإطلاقها ودعم النظر الاجتهادي، كأمر الخليفة الأول بجمع القرآن، وحماية الخليفة الثاني للحمى، وجمع عثمان للمصحف، ومغادرة الإمام علي إلى الكوفة، والحرص على جمع تلك المقاصد لتدبّرها
vol. 1, p. 259والانتفاع بها كما يشهد لذلك عمل الغزالي وابن العربي والشاطبي. فإن في انتفائها في مجال تقدير الأحكام جموداً للفقه، وحصراً لوظيفته، ومعولاً ينقض أحكاماً كثيرة نافعة.
-
خامساً: ضعف الفقهاء في جملة من العلوم ضعفاً يورث قصوراً في الاستنباط كعدم العلم بالسنّة واللغة وأصول الفقه، وبعلوم الاجتماع وحاجات الأمة.
-
سادساً: الانكباب على الكتب المعقّدة المشتَّتةِ مباحثُها، المحتاجةِ إلى الشروح والحواشي والهوامش؛ مثل خليل وشروحه - وهو شأن كثير من مصنفاتنا في العلوم الإسلامية - مع وجود المهذب من الكتب مما هو أقرب وأوضح وأفيد، كمختصر ابن الحاجب. وقد مثّل بمختصر خليل وما تبعه مراعاة لانتشاره بين أكثر الطلبة عدداً، وهم من المالكية.
-
سابعاً: اختلاف الفقهاء في أصول الاستنباط كالذي عليه الأمر في أصول الفقه بين أصحاب المذاهب.
-
ثامناً: العناية البالغة بقضايا العبادات، والتقصير في النظر والاجتهاد في فقه المعاملات والأقضية والنوازل وصور التوثيق.
-
والملاحظ أن الإمام الأكبر قد ألمع، في غضون حديثه عن أسباب تأخُّر علم الفقه، إلى جملة من وسائل الإصلاح التي يحتاج إليها لاستعادة هذا العلم صحته ودوره في الحياة العملية.
-
[٤ - علم أصول الفقه]
-
كان النظر فيه متفرّعاً عن بعض وجوه أسباب الضعف العامة، كما أنه ارتبط بنتائجه الظاهرة بين الفقهاء بسبب امتداد الزمن مرّة، وتعدّد المذاهب أخرى، واجتهاد النظر في المهم من قضاياه.
- vol. 1, p. 260
وقد كانت الغاية من هذا العلم أساساً ضبط القواعد التي يستطيع العالم بها فهم أدلة الشريعة، ثم استخدَامها لاستمداد الأحكام الشرعية منها. وربما ثَنَّوا على هذا بأنه بحكم بحثه في الأصول والقواعد العامة يمكنه جمع ما تتفق عليه الآراء بين الفقهاء ودفع الخلاف في الفقه.
-
هذا وقد مرّ علم أصول الفقه بمراحل كان في أوّلها في كتب السلف صوراً من الجدل الفقهي. فمسائل الأصول والجدل كان مخلوطاً بعضها ببعض، ولم يظهر هذا العلم متميّزاً ومفرداً بالتأليف إلا في رسالة الإمام الشافعي. وتعدّدت المحاولات فيه للكشف عن الأصول وضبطها في مختلف المذاهب. وظهر كتاب الإشارة للباجي. وبدت التصانيف في هذا العلم متنوّعة بين شافعيّة ومالكية وحنفية، وما يكثر فيها الحجاج ككتب الباقلاني والغزالي والباجي، وأخرى سلك أصحابها سبيل الإيجاز والاختصار كملخّص القاضي عبد الوهاب ومختصر ابن الحاجب.
-
[وضع علم أصول الفقه]
-
ومثلما عرضت للفقه وغيره من العلوم جوانبُ الضّعف كالتي فصّلنا القول فيها قبل، نجد علم أصول الفقه قد تأثّر في تأخّره ببعض ما أوردناه من الأسباب العامة مما نبّهنا عليه في علمي التفسير والفقه. وأبرز هذه الأسباب:
أولاً: تأخّر تدوين هذا العلم عن علم الفقه، فجاءت قواعده أحياناً مخالفة للفروع بحسب تباين المذاهب. ومن ثم ظهرت في أقوال العلماء سمات الاطِّراد والاختلاف والنقض بين تلك القواعد ومسائل الفقه عندهم. ولا يصحّ هذا بعد إمعان النظر، وإنما هو
vol. 1, p. 261الترتيب الزمني للفنَّيْن، وتأصيل الأصول بعد ضبط أحكام الفروع.
-
ثانياً: اشتمال مادة علم الأصول، وهو علم آلات الاجتهاد، على كثير من المسائل الأجنبية عنه، من علوم المنطق والنحو والكلام وغيرها. فالغزالي أكثر في المستصفى من إيراد المسائل المنطقية، وتبعه في ذلك ابن الحاجب، فخصّ قسماً من مختصره الأصلي بمسائل هذا العلم. وذكروا في نفس كتب علم الأصول مسائل لا طائل من بحثها فيه، مثل معاني الحروف والاشتقاق والوضع والترادف والدلالات بأنواعها. ومثل تعبد النبي - صلى الله عليه وسلم - بشرع من قبله قبل نبوءته، ومسألة أقل الجمع، أو التكليف بالمحال وغيرها. وهذا ما تخلّص منه الإمام الشاطبي في موافقاته واعتبر الخوض فيه من العبث.
-
ثالثاً: إغفال المؤلِّفين فيه ذكر مسائل مهمّة، أبرزُها المقاصد الشرعية التي هي بحق منهج من مناهج الاجتهاد، وطريق من طرق ضبط الأحكام الشرعية في القضايا المستجدّة، مكتفين من ذلك بما أوردوه منها في مسالك العلّة، مثل مباحث المناسبة والإخالة والمصلحة المرسلة، حتى جاء الشاطبي ففتح الباب على مصراعيه، وجعل جزءاً كاملاً من كتابه قائماً على بحث هذا العلم وتتبع مسائله وقضاياه.
-
رابعاً: غلق باب الاجتهاد، وتحجير النظر في علم أصول الفقه، حتى كاد أن يَنْسَى الطلابُ مسائله وقضاياه، لولا تولّي الشيخ ابن عاشور الأول تدريس المحلّي على جمع الجوامع، والشيخ سالم بوحاجب تدريس العضد على مختصر ابن الحاجب. فبهذا انتعش علم أصول الفقه بجامع الزيتونة، وعاد الطلاب إلى الاعتناء به.
- vol. 1, p. 262
[٥ - علم الكلام]
-
عرّف الشيخ ابن عاشور علم الكلام بكونه العلم الذي يعرف به إثبات العقائد الإسلامية بإثبات الحجج ودفع الشبه. ومن المصطلحات التي تطلق بإزائه ما وراء الطبيعة أو الإلهيات عند اليونان، وعلم العقيدة والتوحيد عند جمهور كبير من المسلمين.
-
وهذا العلم توجبه الفطرة، ويقتضيه النظر. نبّه إلى ذلك القرآن الكريم في قوله عز وجلّ: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (١) . وخالف في اتباع سبيل المؤمنين أقوامٌ غلبت الحيرةُ عقولَهم، واستهوتهم الأهواء، فتساءلوا عن الذات، وعن مصدرِ وجودِها، وعن النهاية التي تلحق هذا الوجود. وقامت هواجس الشك والبحث والنقد، وتعدّدت الآراء منذ القدم تبعاً لوفور الأدلة، مصيبة ومخطئة، وثارت المجادلات بين الناس. وحسم الأمر في الجاهلية الأولى أولاً بظهور الصابئة التي أثبتت للعالم صانعاً مقدّساً مخالفاً للحوادث، لا يقدر أحد على إدراك كنهه. ولكنهم إلى جانب ذلك اتخذوا وسائط من المقرّبين إليه للتعرّف عليه، وعبَدوا الكواكب باعتبارها مدبّرة لهذا العالم، ورمزوا لها بصور وتماثيل تشخص أرواحها، فاتخذوا بعلاً رمزاً للشمس. وساد هذا المذهب الاعتقادي بين الآشوريين، وظهر مثله بين المصريين الذين كانوا يعبدون كبراءهم وما يجرّ لهم نفعاً كالنيل والبقر.
-
وفي الجاهلية الثانية ظهرت الفلسفة والماورائيات، وتعدّدت المذاهب المختلفة بين طاليس وبيتاغورس وأفلاطون وأرسطوطاليس.
- vol. 1, p. 263
وعلى أساس الخلافات بين رواد فلسفة الاعتقاد عند اليونان انتشرت أفكارهُم واتجاهاتُهم الفلسفية النظرية، مُتسربة إلى العرب قبل الإسلام، متميّزة ومفارقة للمنهج الديني الرباني الذي كان سائداً في أواخر عهد الصحابة لظهور الطوائف أو الفرق التي كان منها نفاة القدر. وقام النزاع على أشدّه بين السنة والمعتزلة يتقدم أولئك الحسن البصري حامي حمى العقيدة الإسلامية، ويتقدَّم أصحاب هذه الفرية معبدُ الجهني وغيلانُ الدمشقي ويونسُ الأسواري.
-
[العقيدة الإسلامية ومدارس علم الكلام]
-
وهكذا اختلطت بين الخاصة والعامة في بلاد الخلافة المذاهب العقدية السليمة الصافية المستمدة من الذكر الحكيم ومن السنّة الصحيحة النبوية بآراء الفلاسفة وأصحاب النِّحل، فلزم أن ينتصب للردّ عليها عدد من المتكلمين العارفين بالسنّة، والقادرين على إبطال تلك الفلسفات من سنة ومعتزلة وغيرها. وافترقت الأمة بعد ذلك أربع فرق:
الأولى: التي رفضت البحث والفلسفة. وتمسكت بظواهر الشريعة مثل السلف والمالكية والحنابلة والظاهرية وغيرهم.
-
الثانية: رفضت الشريعة معتمدة مقالات الفلاسفة والأخذَ بها، وهم الملاحدة.
-
الثالثة: طائفة أوّلت الشريعة وطوّعتها لموافقة الفلسفة كالباطنية والحكماء.
-
الرابعة: طائفة مقابلة لها أوّلت الفلسفة وطوّعتها لتوافق الشريعة. ومن هؤلاء الأشعرية والماتريدية والمعتزلة والشيعة.
- vol. 1, p. 264
ومن هذه الصورة المختصرة جداً، التي تشي بالغليان الفكري الذي أوجده اختلاف الملل والنحل في ذلك الوقت، وبما كان لرؤساء هذه الفرق من تأثير بالغ في كثير من الأوساط الشعبية التي تنازعتها نماذجُ مذاهب الباحثين في الكلام والعقيدة.
-
أولها: مذهب أهل السنة، من سلفية وخلَفية، الذي يقوم على المصادر الأساسية الإسلامية التي ألمعنا إليها قبل. وأصحاب هذا الاتجاه هم الصحابة والتابعون وتابعوهم ومن نهج منهجهم بعد ذلك من أهل الحديث ومتقدمي الفقهاء والحنابلة والظاهرية.
-
ثانيها: مذهب المكفِّرين بالكبائر. وهم الخوارج. وخالفتهم المعتزلة وهم فلاسفةُ المتكلمين القائلين بالمنزلة بين المنزلتين، والذين كانوا حريصين على إثبات العقائد بالأدلة البرهانية، وأفرطوا في ذلك.